وصل جوناثان بولارد، يومَ الأربعاء، 30 ديسمبر (كانون الأول) 2020، إلى إسرائيل هو وزوجته، بعد قضائه 30 عامًا في السجون الأمريكية، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل.

نزل بولارد من الطائرة ليقبّل الأرض معبرًا عن سعادته الغامرة بالعودة أخيرًا إلى إسرائيل بعد 30 عامًا قضاها في السجن خدمةً لإسرائيل، واستقبله في المطار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.

لكن بولارد لم يكن الجاسوس الوحيد لإسرائيل على حليفتها الولايات المتحدة. إذ هنالك تاريخ طويل من التجسس بين البلدين، آخرها بزرع أجهزة لمراقبة الهواتف المحمولة، عثرت عليها الحكومة الأمريكية بالقرب من البيت الأبيض ومواقع أخرى حساسة في واشنطن. وفي السطور التالية نسترجع معًا ذاكرة التجسس بين الحليفين الأقرب في العالم.

ترامب يرفض إدانة إسرائيل

عثرت الأجهزة الأمنية الأمريكية على أجهزة مراقبة بالقربِ من البيت الأبيض، وعلى عكس حوادث تجسس سابقة من دولٍ أجنبية على الأراضي الأمريكية، فإن إدارة ترامب لم توبخ الحكومة الإسرائيلية، على عكس الإدارات السابقة، ولم تردّ على سلوكها.

وكانت أجهزة المراقبة المصغرة تستطيع اختراق الأبراج الخلوية للهواتف المحمولة للأفراد، وتجمع المعلومات عن هوياتهم ومواقعهم، ويمكنها أيضًا التقاط محتويات المكالمات وتسجيل بياناتها والاحتفاظ بها لاستخدامها. وعن ذلك يقول مسؤولون كبار في الحكومة الأمريكية إن الأجهزة كانت تهدف على الأرجح للتجسس على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكبار مساعديه والمقربين منه.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

كان ترامب متساهلًا آنذاك في مراقبة البرتوكولات الأمنية للبيت الأبيض، إذ استخدم هاتفًا خلويًا غير مؤمن بشكلٍ كافٍ للتواصل مع الأصدقاء والمقربين. وقد استطاع جواسيس صينيّون التنصت على مكالماته الهاتفية، وهو ما نفاه ترامب فيما بعد.

ونفى ترامب التجسس الإسرائيلي، على الرغم من أن العاصمة الأمريكية كانت تعج بأجهزة التنصت التي تتبعتها وكالات أمنية أمريكية، مشيرةً إلى أن إسرائيل هي من زرعتها في أنحاء العاصمة السياسية الأهم في العالم.

«من الواضح جدًا أن الإسرائيليين هم المسؤولون عن أجهزة التجسس».

* مسؤول استخباراتي أمريكي

نشر خبر هذه الحادثة في وسائل الإعلام عام 2019، ونفاها الناطق باسم «السفارة الإسرائيلية» ووصفها بـ«الهراء». أما إدارة ترامب فقد رفضت التعليق على المسائل المتعلقة بالأمن القومي والاستخبارات، كما رفض «مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي آي)» التعليق.

وقال ترامب: «أرفض تصديق أن الإسرائيليين هم المسؤولين عن زرع هذه الأجهزة»، وأكّد على العلاقة الرائعة التي تجمع البلدين. ونفى رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو هذه المزاعم في مقابلة صحفية، مُصرحًا: «هذا تلفيق، ليس لإسرائيل جواسيس أو عمل استخباراتي في الولايات المتحدة». وهو تصريح معروف للجانب الإسرائيلي في القضايا المشابهة.

تاريخ طويل لجواسيس إسرائيل في واشنطن

تنقل صحيفة «الإندبندنت» عن مسؤول أمني أمريكي أن إسرائيل عدوانية للغاية في هذه المسائل، وتحاول كسب المناورات الدبلوماسية بدعوى «حماية أمن إسرائيل»، ويقول إن هذا السلوك ليس أمرًا جديدًا.

إذ تصدرت إسرائيل قائمة الدول المتجسسة على أمريكا بجانب روسيا والصين، وذلك وفقًا لمسؤولين أمنيين تنقل عنهم الصحيفة. وعن ذلك يقول بول بيلار، الضابط السابق في الاستخبارات الأمريكية، إن الحركة الصهيونية أرسلت الجواسيس إلى الولايات المتحدة الأمريكية من قبل قيام دولة إسرائيل، وذلك للدعاية لقضيتهم وجمع الأموال والتبرعات.

«جوناثان بولارد» لم يكن الأول

يقول نتنياهو عن عودة بولارد إلى أرض إسرائيل: «يا لها من لحظة!». وذلك بعدما وصل الأخير على متن طائرة خاصة يملكها الملياردير شيلدون أديلسون، وهو صديق شخصي للرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.

يبلغ بولارد اليوم 66 عامًا، قضى منها 30 عامًا في سجون الولايات المتحدة الأمريكية بعد اعتقاله عام 1985، أثناء عمله في البنتاجون محلل استخبارات مدنيا في البحرية الأمريكية، وأثناء عمله باع بولارد أسرارًا ووثائق عسكرية لإسرائيل، نتج عنها واحدة من أكبر قضايا التجسس في التاريخ الأمريكي.

لحظة وصول جوناثان بولارد إلى إسرائيل واستقبال نتنياهو له

أطلق سراح بولارد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وقضى بعدها خمس سنوات تحت المراقبة نتيجة الإفراج المشروط، وانتهت في نوفمبر 2020، وهو ما مُهد الطريق لمغادرته الأراضي الأمريكية نحو إسرائيل. ويعد إطلاق سراح بولارد الهدية الدبلوماسية الأحدث من الرئيس ترامب لحليفته الإسرائيلية، وذلك بعد هدايا عديدة منها اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، والموافقة على ضم هضبة الجولان للأراضي الإسرائيلية.

وحمل بولارد الجنسيتين الإسرائيلية والأمريكية، وبعد اعتقاله اعترف بالتجسس لصالح إسرائيل مقابل إسقاط حكم الإعدام عنه، وحينها خففت العقوبة إلى السجن مدى الحياة، وقد أطلق سراحة بعد مطالبة الكثير من الجماعات داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها بالإفراج عنه، وهو الطلب الذي قدم إلى العديد من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، بما فيهم باراك أوباما. وكان بولارد هو ثاني مواطن أمريكي يتهم رسميًا بالتجسس لصالح إسرائيل.

ريتشارد كيلي سميث: هرب من المحاكمة 20 عامًا

لم يكن بولارد المواطن الأمريكي الوحيد الذي تجسس لصالح إسرائيل وألقي القبض عليه عام 1985، إذ أمسكت السلطات الأمريكية بريتشارد كيلي سميث، الخبير في علوم الملاحة الجوية ومستشار الناتو الحاصل على تصريح أمني رفيع المستوى، وكانت تهمته شحن «كريترونات»، وهي مواد مهمة للتفاعل داخل القنبلة الذرية، نقلها العميل بطريقة غير قانونية لإسرائيل، إذ سمح لحكومة إسرائيل باستخدام شركته لإجراء معاملات تجارية مع شركة هيلي الإسرائيلية دون علم الحكومة الأمريكية.

آنذاك سعى المسؤولون الأمريكيون لإخراج إسرائيل من الصورة بدعوى أن الاتهام ضد سميث نتج عن تحقيق أجرته دائرة الجمارك لمنع تدفق السلع العسكرية الأمريكية إلى إسرئيل، وقد شددت وزارة الخارجية حينذاك على أن الاتهامات لا تشمل أي مواطن إسرائيلي، كما نفى الإسرائيليون وجود أي نية لاستخدام الكريترونات في إطلاق أسلحة نووية.

وأعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية تعاونها مع الجهات الأمنية في التحقيق الجاري، وأنها لم تسع لامتلاك الشحنات لاستخدام عسكري، ولكن المثير أن سميث هرب قبل محاكمته لمالطا وظلّ فيها حتى عام 2001 حين ألقت السلطات الأمريكية القبض عليه مجددًا وحوكم بالسجن ثلاث سنوات و4 شهور.

«إفرايم بن أرتزي».. من أوائل جواسيس الكيان الإسرائيلي

إثر النكبة الفلسطينية وتشريد مئات آلاف الفلسطينيين، أُسست دولة إسرائيل في مايو (أيار) 1948، وأرسلت إسرائيل أول ملحق عسكري لها في الولايات المتحدة؛ فرايم بن أرتزي، ليصبح واحدًا من أوائل الجواسيس الإسرائيلين داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وكون مجلسًا من أربعة أفراد لمساعدته في التجسس لحساب إسرائيل.

بن جوريون

فرايم بن أرتزي (وسط)، أول ملحق عسكري إسرائيلي في واشنطن، مع دافيد بن جوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل.

كان أرتزي عضوًا في المجلس إلى جانب أحد أفراد الوفد الإسرائيلي الأمريكي بنيويورك، ووكيل استخبارات محترف عمل بين واشنطن وتل أبيب، وأحد المحامين.

ومن المشاريع المبكرة للمجلس، تأسيس مركز لتدريب العملاء المجندين في نيويورك، تدربوا فيه على طرق المراقبة المختلفة واستخدام الرموز. وتجسس المجندون على الفنادق والسيارات الخاصة بأعضاء البعثات العربية للأمم المتحدة. وشملت أعمالهم الاستحواذ على نموذج تطوير أولي لرادار أمريكي، جرى شحنه إلى تشيكوسلوفاكيا مقابل وصول أسلحة تشيكية للجماعات اليهودية المسلحة في فلسطين، وأسفرت التحقيقات الفيدرالية حينها عن عدة إدانات إلا أن أغلب المدانين لم يُسجنوا.

لورانس فرانكلين.. حكم عليه بـ 12 عامًا لتورطه مع إسرائيل

حكم على لورانس فرانكلين عام 2006 بالسجن أكثر من 12 عامًا، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. وكان فرانكلين قبل ذلك محللًا في وزارة الدفاع الأمريكية، وقد اعترف خلال المحاكمة بتمرير وثائق سرية لإسرائيل عن السياسة الأمريكية تجاه إيران، وعن الوضع في العراق.

واعتقل المحلل السابق على يد عملاء فيدراليين أمريكيين، وألقى التحقيق بظلاله على لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأمريكية، المشهورة بـ«أيباك»، أهم أذرع اللوبي الإسرائيلي بواشنطن، والتي وظفت شخصين لتلقي المعلومات السرية من فرانكلين، وقد كانوا أشخاصًا على علاقة وثيقة بمسؤولي إدارة بوش، الرئيس الأمريكي الأسبق، منهم كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، ما وضع الإدارة الأمريكية آنذاك في موقفٍ حرج، ورغم ذلك جرى تخفيف العقوبة إلى الإقامة الجبرية لمدة 10 شهور.

تعليم

منذ سنة واحدة
«الأطفال الجواسيس».. هكذا تعد «سي آي إيه» كوادر استخباراتية من الصغر

المصادر

تحميل المزيد