تحرم الديانة اليهودية المسرح، لأن «فيه مجاراة لعملية الخلق». لكن الواقع يخالف بشكل كبير ما نصت عليه التوراة، إذ كان ومازال، المسرح الإسرائيلي، حجر الزاوية في تأسيس الدولة اليهودية قوميًا ولغويًا.

الإحصائيات تؤكد أن الإسرائيليين من أكثر رواد المسرح. يُشاهدون عشرات العروض المقدمة أسبوعيًا على مسارح تل أبيب، بخاصة المسرح الوطني «هابيما». ويُعد معدل المرات التي ذهب فيها الإسرائيلي إلى المسرح، الأعلى في العالم.

وتعتبر إسرائيل أن المسرح أفضل سُفرائها في العالم، لذا أعربت عن فخرها بعرض مسرحية «البخيل»، في مارس (آذار) الماضي، على خشبة المسرح الدولي في الصين. وتعمل مؤسساتها على استقطاب كل من يمكن أن يقدم المزيد لهذا المسرح، من أمثال السوداني اللاجئ من دارفور خميس الشيخ الذي لعب قبل أيام دورًا في مسرحية «إيفانوف»، ومازال المسرح رغم منع الرقابة عنه محل تسلط من قبل سلطات الاحتلال، فقد وصفت وزيرة الثقافة فيها – الجنرال السابق في الرقابة العسكرية – «ميرىريجيف» الفنانين الإسرائيليين بالمنافقين وتوعدتهم بقطع التمويل لأن أحد المسارح رفض عرض مسرحية في مستوطنة مقامة على أراضي الضفة الغربية.

تأسيس المسرح الإسرائيلي

تحت اسم «هابيما»، تأسس أول مسرح يهودي، يتخذ من العبرية لغةً أساسية، وذلك في عام 1917، بجهود ممثلين يهود في روسيا، أي أثناء ما سُميّ بـ«الشتات اليهودي».

انتقل المسرح إلى فلسطين، عام 1931،كما أنشأ مجموعة من ناشطي المسرح، فرقة باسم«هإوهل»، أي الخيمة، ومن ثم مسرح الكامري. وتخلص مسرح «هابيما» من أعماله الروسية، واتجهت جميع هذه المسارح، إلى ترجمة وإعداد مسرحيات غربية وأمريكية، ناهيك عن مسرحيات كتبت في الأصل باللغة العبرية، لتشكل قاعدة للمسرح العبري.

 

أصبحت تل أبيب، المقر الرئيس للمسرح العبري، إذ قدمت مسارحها أعمالًا مستوحاة من التوراة، وتم التركيز على أهمية الهجرة إلى ما أسموه «أرض الأجداد في فلسطين»، إذ لم يكن إيجاد هذا المسرح على أرض فلسطين لهدف فني ولا برأس مال موهوبين أو محبين للمسرح، بل كان بدعم مالي سياسي، أبرزه ما كان يقدم من «الييشوف» (المستوطنات الصهيونية في فلسطين قبل 1948)، إلى الفرق الفنية والمسرحية، فقد استخدم المسرح في هذا الوقت من أجل خلق روح وجدانية لليهود ليكونوا وطنًا قوميًّا في فلسطين.

ويؤرخ الإسرائيليون لاكتمال مبنى المسرح الوطني (هابيما (على مقره الحالي، لعام 1946، إذ تم ترميمه عام 2012 ليتم الإبقاء على استوديوهاته وأجهزته حتى يومنا هذا. وتميز المسرح الإسرائيلي، حتى إعلان دولة إسرائيل عام 1948، بعرض مسرحيات ذات مواضيع يهودية تاريخية.

أما بعد قيام دولة إسرائيل، فقد لعب المسرح دور «السفينة التي تنقل اليهود من هناك إلى هنا»، كما يصف المخرج الإسرائيلي شمعون ليفي، في كتابه حول المسرح الإسرائيلي، فقد عمل المسرح على تعزيز إحساس المهاجرين اليهود بالمكان واللغة، وتحدث عن «الهوية الإسرائيلية في مراحل تبلورها، والتوتر الشديد بين الأنا والمجتمع، فبعد أن تحقق حلم إقامة الدولة، حان الوقت لتوجيه الأسئلة حول جوهر الدولة، وعلاقة الأفراد بها وبقيمها، بما في ذلك العسكرية التي يشكل قسم منها مشكلة أخلاقية صعبة»، كما يذكر ليفي.

وتميزت مسرحيات سنوات الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، بأنها كتبت بأجواء ما أسمته الحركة الصهيونية بـ«حرب الاستقلال»، وتحدثت جميعها عن شخصية البطل: الصهيوني، الرجُل، الغربي (أشكينازي)، العلماني، الرائد (حلوتس)، وكذا عما أسموه «كفاح الشباب»، كتتمة لما قام به الآباء في استيطانهم بأرض فلسطين. كما تحدث المسرح الإسرائيلي، عن الشباب الفلاحين العاملين في الكيبوتس، والمحاربين ضمن عصابة البلماح، الذين تم تدريبهم على القتال من أجل الأرض.

أما بعد حرب عام 1967، ركز المسرح الإسرائيلي على تمثيل الأحداث بأسلوبه الخاص، فتارةً بالتخفي من وقع الحدث، وأخرى بالعمل على مضاعفته، وحتى عام 1973، برز حب الإسرائيليين للمسرح، الذي يعكس تحديدًا ما يعيشه من الواقع.

أما في التسعينيات، أي بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إسحق رابين، وتوقيع اتفاقية أوسلو، نشأت مسارح جديدة، أبرزها «غيشر» (الجسر)، وأسسه مسرحيون من أصول سوفييتية، إذ كان قد هاجر إلى إسرائيل، حوالي مليون شخصٍ قدموا من دول الاتحاد السوفييتي السابق في ذلك الوقت. وتحول المسرح الإسرائيلي إلى تجاري، بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، نهاية عام 2000، إذ ظهرت مسرحيات تنتقد السياسة الإسرائيلية. لكنه بقي مؤثرًا سياسيًا رغم هذا التحول.

كيف وحد المسرح الإسرائيلي اليهود في اللغة والقومية؟

عمل المسرح الإسرائيلي على غرس عقيدة «الدولة اليهودية» و«أرض الميعاد»، وأخذ يستعرض في أعماله التراث والتاريخ اليهودي، كما عكف الساسة الإسرائيليون، على دعم كافة أعماله القومية الممجدة للشخصية اليهودية.

وكما يقول أنطوان شلحت في كتابه «خداع الذات»، الصادر عن «مدار» (المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية في رام الله)، فإن «جميع هذه الحقول الإبداعية في تلك الفترة، كانت بمثابة منظومات أيديولوجية، تجنّدت من أجل إنتاج أساطير قومية لدولة جديدة تحتاج إلى هوية وإلى تعريف ذاتيّ وللتعبئة لها».

ويقول المخرج والمحاضر في قضايا المسرح، محمد عبدالرؤوف محاميد، لـ«ساسة بوست»، إنه «بعد إنشاء إسرائيل أقر بن غوريون، أول رئيس لحكومة إسرائيلية، الطريق للتعامل مع ما أسماه توحيد الحضارة العبرية. وأطلق على طريقته بوتقة الانصهار، التي نقلها من الكيان الأبيض الأمريكي، بعد استيطانه في القارة الأمريكية».

وحسب محاميد، فإن ملخص هذه الطريقة هو مزج جميع الحضارات (بالطبع الأوروبية)، وأخذ ما هو مشترك بينها، والمضي لبلورة حضارة موحدة، يتبعها المستوطنون اليهود، أو ما يسميهم بالقادمين الجدد، الذين تجمعوا، على حد تعبيره، من الشتات، لتصبح «حضارة إسرائيلية».

كما أن واحدة من أبرز الأدوات التي بعثت اللغة العبرية، كلغة محكية، كان المسرح الإسرائيلي، الذي نطق بلغة «الإيديش» الخاصة بيهود أوروبا الشرقية، ثم سرعان ما انتقل إلى اللغة العبرية، التي عد أول من كتب بها المسرحي ديفيد سيمح، وكان هدف ترجمة المسرحيات آنذاك هو  توسع الجماهير من حضور المسرحيات.

يُضيف محاميد: «فرضت السلطة الإسرائيلية، اللغة العبرية كلغة رسمية في جميع المؤسسات، كالمدارس والجامعات وكذلك المسرح. ودعمت الوزارات المعنية، المسرح الرسمي العبري، ومنعت المساعدات عن أي مسرح يتحدث لغة مغايرة، وبالتحديد المسرح الذي كان قد اتخذ من الإيدش لغة له. ووفق قوانين الرقيب، مُنِع نشر أي مسرحية جديدة بلغة الإيدش، وعلى الرغم من ذلك عاد مسرح الإيدش بالظهور في النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين، ثم انتشر بقوة في الثمانينيات.

من جانبه، يوضح مدير مؤسسة الأندلس للفن والأدب، عبد الإله المعلواني، لـ«ساسة بوست»، أنه «بعد أن استوطن اليهود من كل صوب، تم استغلال المسرح كموحد للغة العبرية، فهو بالأساس وُجد كي يتشرب اليهود مختلفو اللغات، اللغة العبرية والقومية اليهودية».

أيضًا، كانوا يُنشدون على خسبة المسرح «طوب لموت باعد إرتسينو»، أي «من الجيد أن نموت من أجل أرضنا»، وعليه كرّس المسرح الإسرائيلي، لمفاهيم مثل هذه، ومثل أيضًا، أن «الموت من أجل أرض الميعاد، يُولد جيلًا جديدًا»، وما إلى ذلك، بحسب المعلواني.

صورة العربي في المسرح العبري

لم يكن المسرح الإسرائيلي، كوسيلة، بعيدًا عن الاستخدام لتشويه صورة العربي، بناءً على نص مسرحي موظف سياسيًا، هدفه تقديم الشخصية العربية، من زاوية أيديولوجية. غالبًا، يظهر العربي بصورة الوحش الهمجي، وهي صورة نمطية على المسارح الإسرائيلية، وقبلها الغربية.

وعندما كانت تعرض المسرحيات اليهودية، بعد قيام إسرائيل، تجاهل المسرح الإسرائيلي، الحضارة الشرقية، رغم أن عدد اليهود الشرقيين كان يفوق عدد الغربيين، بحسب الإحصاءات السكانية الرسمية. ووفقًا لأستاذ المسرح، محمد عبدالرؤوف محاميد، فإن ذلك تم اعتماده بشكل ضمني، وليس رسميًّا أو قانونيًّا، بحيث مُنع أي ظهور للحضارة العربية التي ميّزت اليهود الشرقيين، بما فيهم اليهود من دول المغرب العربي، كما مُنعت الأغاني الشرقية أو المغاربية، في الإذاعات الرسمية الإسرائيلية آنذاك.

 

يُشير محاميد في حديثه لـ«ساسة بوست»، إلى أنّ هذه النظرة تغيّرت مع بداية الثمانينيات، إذ أعطت بعض الأعمال المسرحية، صبغة إنسانية للضحية العربي، مثل مسرحية «نعيم»، التي تتحدث عن شاب فلسطيني، كرزماتي، يعمل في ورشة، تعشقه ابنة صاحب الورشة، وعندما ينكشف الأمر لوالدها، يطرده ويمنعها من اللقاء به.

في هذه المسرحية أيضًا، يظهر نعيم العربي، متمكنًا من اللغة العبرية، حتى أنه يحفظ غيبًا، أجزاء من قصائد كبار الشعراء العبريين، أمثال حاييم نجمان بيالك. ويقرأ هذه الأبيات أمام الزبائن اليهود، «ليظهر كشخصية حضارية، حسب الموازين الإسرائيلية»، على حد تعبير محاميد.

مما يُستشهد به أيضًا مسرحية «הם יגיעו מחר -سيصلون غدًا»، التي عرضت عام 1950، على منصة مسرح الكامري في تل أبيب، ففيها أُعطيت الشخصيات اليهودية، أسماءً ذاتية، وبُلورت كشخصيات ثلاثية الأبعاد، لكل واحد فيهم ذاته، في حين عُرّفت الشخصيتان العربيتان، باعتبارهما سجينين وفقط، دون اسم لكل شخصية، أو حكاية ذاتية تحدد الملامح العامة لكل واحدٍ فيهما.

الأدهى من ذلك، بحسب محاميد، أن الشخصيتين العربيتين، مُنع ظهورهما في العرض، حتى عام 1972، ليظهرا مُجسّدين. وكان دور الشخصيتين، في سياق المسرحية، استخدامهما للمرور بحقل ألغام لتفريغه منها، فيرفض أحدهما وهو الشاب المتمرد، ليُقتل، بينما الشيخ العجوز، قبيح الهيئة، يمر في خنوع بحقل الألغام، ليقتل لغم انفجر فيه ويموت هو الآخر.

الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على المسرح

يتميز المسرح الإسرائيلي بإتقانه للمفاهيم المسرحية الفنية والإخراجية. هذه المميزات، ساهمت في حضوره بقوة بالمهرجانات الدولية، مُحققًا تناغمًا كبيرًا مع المسرح العالمي.

ومع منع الرقابة الرسمية على المسرح الإسرائيلي، منتصف الثمانينيات، بناء على قرار من المحكمة العليا، بعد ضجة أحدثتها مسرحية «أفرايم يعود إلى الجيش»، التي منعت آنذاك بحجة أنها «تمس بأمن الدولة»، بدأ المسرح الإسرائيلي يقدم نصوصًا جريئة.

 

لذلك برزت في الثمانينيات، مسرحيات تتحدث بموضوعية أكثر، عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، منها مسرحية «شتاء في قلنديا»، التي كانت تعتمد على مشاهدات حقيقية، تقوم بها مجموعة من النساء الإسرائيليات، تطلق على نفسها مجموعة «Whach»، وتُراقب تعامل الجنود الإسرائيليين على حاجز قلنديا مع الفلسطينيين، الذين يعبرون الحاجز يوميًا، وأخذت تُسجل شهادات يومية على أحداث المعبر.

كما أعدت المخرجة الإسرائيلية «نيلا تشيلتون»، مسرحية عام 2004، تعتمد على هذه الشهادات، لتعرض معاناة الفلسطينيين الذين يقفون لساعات يوميًا، لعبور الحاجز الرابط بين الضفة الغربية المُحتلة من جنين وطولكرم شمالًا إلا قلنديا جنوبًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد