في الوقت الذي اعتمدت فيه الدول العربية على التبعية المطلقة للخارج في تسليح جيوشها، باستثناء بعض المحاولات الخجولة، فقد اعتبرت إسرائيل أن بناء صناعة عسكرية محلية خيار استراتيجي يمكنها من تحقيق اكتفاء ذاتي يسد حاجيات جيشها من المعدات والذخائر وقطع الغيار، ويجنبها في كثير من الأحيان السقوط في فخ التبعية للمصادر الخارجية والضغوطات الناجمة عن ذلك، كما حدث سنة 1967 عندما رفضت فرنسا تزويد الجيش الإسرائيلي بقطع غيار مقاتلات ميراج، فاضطر الأخير لسرقة تصميمات المقاتلة وبنائها في المصانع الإسرائيلية تحت اسم كفير، بل والأكثر من ذلك، فقد بلغت هذه الصناعات اليوم مراحل متقدمة ساعدت إسرائيل على تصدير أسلحتها محققة بذلك رقمًا يقترب من 25% من مجموع صادراتها، ومنافسة لمنتجات الصناعات الحربية في الدول الكبرى كالصين وألمانيا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والهند، فحققت الرتبة الثامنة عالميًّا من حيث حجم صادراتها التسليحية.

نستعرض في هذا التقرير أبرز ملامح الصناعات العسكرية الإسرائيلية ومدى تطورها وارتباطها كذلك بالعوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة.

العوامل التي ساعدت إسرائيل على صناعة ودفع صادراتها التسليحية:-

العوامل العسكرية

انتهجت إسرائيل سياسة تزويد الحركات الانفصالية والثورية بالسلاح، خدمة لمصالحها الاستراتيجية، سواء لعداء هذه الحركات مع أنظمة معادية لإسرائيل ورغبتها في إقامة أنظمة جديدة موالية لها، أو لاستفادتها من حالة عدم الاستقرار في هذه الدول، وهكذا عرف عن إسرائيل مدها بالسلاح لعدة أطراف كالمسلحين الأكراد في العراق، وما سمي بجيش لبنان الجنوبي، وحزب الكتائب اللبناني، وانفصاليي جنوب السودان، ومسلحي المعارضة السورية، بالإضافة إلى تركيا في مواجهة سوريا والعراق، وإثيوبيا في مواجهة السودان وأيضًا الهند في حروبها مع باكستان… إلخ.

العوامل السياسية

حاز الجيش الإسرائيلي على سمعة إيجابية بعد انتصاراته المدوية ضد الجيوش العربية في حرب 1967، فشجع ذلك بعض البلدان كالهند وإندونيسيا وتركيا على عقد صفقات عسكرية مع إسرائيل حتى وإن لم تكن تقيم معها علاقات ديبلوماسية مباشرة، وذلك هربًا أيضًا من ضغوطات بعض الدول الكبرى التي كانت تفرض شروطها التعجيزية على الدول المستوردة للسلاح، وفي بعض الأحيان كانت الصفقات تجري برضا الولايات المتحدة الأمريكية التي تستخدم إسرائيل كواجهة لعقد صفقات مع دول لا تملك معها علاقات ديبلوماسية وخارجية طيبة.

 الجناح الإسرائيلي في معرض معدات الطيران في الهند

العوامل الاقتصادية

عوضت إسرائيل ضعف إمكانياتها الجيوبوليتيكية المتمثلة في افتقارها للموارد الطبيعية كالنفط، بإمكانياتها التكنولوجية الهائلة التي حصلت عليها من الولايات المتحدة الأمريكية في إطار اتفاقيات التعاون المشترك بينهما، فقامت بتصدير عدد كبير من الأسلحة والمعدات المعتمدة على التكنولوجيا الأمريكية، فساعدها ذلك على تحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة أصلحت ميزانها التجاري وزادت احتياطيات العملة الصعبة لديها، فبلغ الإنفاق على الصناعات العسكرية حوالي 9,8 مليار دولار سنة 2002، مع الاستفادة من عوائده الاقتصادية السريعة ومساعدات الولايات المتحدة الأمريكية المستمرة والتي وصلت إلى 3 ملايين دولار.

أبرز مؤسسات الصناعات الحربية:-

مؤسسة الصناعات الجوية الإسرائيلية IAI

من أضخم المجمعات الصناعية الإسرائيلية، تم إنشاؤها في البداية لصيانة الطائرات العسكرية والمدنية، لتتحول اليوم إلى أحد أهم مصدري السلاح في إسرائيل، فـ60% من منتجاتها موجهة للتصدير، ويتراوح دخلها السنوي بين 1 و2 مليار دولار، ومن أشهر منتجاتها مقاتلة كفير (النسخة الإسرائيلية من ميراج الفرنسية) ولافي وفانتوم 2000، ومروحية وست أند، كما أنها متخصصة في تصنيع رادارات الدفاع الجوي والرادارات البحرية والبرية والجوية، ومنظومات توجيه الصواريخ جو-جو.

مؤسسة الصناعات العسكرية الإسرائيلية IMI

مؤسسة تابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، يتم توجيه 40% من منتجاتها للتصدير، يمكن اعتبار منتجاتها في الأغلب أسلحة برية، سواء الخفيفة أو الثقيلة، كالمدافع من عيار 105 ملم ودبابات الميركافا الشهيرة والقذائف الصاروخية والمدافع المضادة للطائرات وغيرها من الذخائر والقنابل والمواد الكيماوية والمتفجرة، ويقترب دخلها السنوي من مليار دولار.

مؤسسة رافائيل RAFAEL

تابعة أيضًا لوزارة الدفاع الإسرائيلية، وتعرف بهيئة تطوير الوسائل الحربية، وكما يدل على ذلك اسمها، فمهمتها الرئيسية تتمثل في البحث عن وسائل قتالية متقدمة اعتمادًا على التكنولوجيا الحديثة، وتضع تصميمات لعتاد متطور كالصواريخ الموجهة، ومعدات التوجيه والتصويب، والحاسبات الإلكترونية، وأجهزة قياس المسافات الإلكترونية، وقامت بتصنيع صواريخ أرض-أرض، أرض-جو (مثل شافيت- 2)، ونظم توجيه، ونظم حرب إلكترونية، ووسائل حرب إلكترونية مضادة، وقنابل ذكية، ويتراوح دخلها السنوي ما بين 500 و800 مليون دولار.

هذا بالإضافة إلى شركات أخرى متخصصة في مجالات عسكرية أخرى، كسولتام SOLTAM، تاديران TADIRAN، إيلوب ELOP، البيت ELBIT… وغيرها.

ولقد ساعدت المؤسسات البحثية والعلمية المنتشرة في إسرائيل، والمقامة منذ نشأتها على تطوير الصناعة الحديثة وتلبية متطلبات المجال البحثي، ومنها معهد وايزمان المتخصص في دراسة الكيمياء العضوية والأحياء الجرثومية والفيزياء النووية، والرياضيات التطبيقية، والإلكترونات والكيمياء الحيوية، ومعهد التخنيون الذي يعالج بحوث هندسة الطيران والكهرباء والميكانيكا والفيزياء النووية، والجامعة العبرية المهتمة بأبحاث الفيزياء والكيمياء والأحياء والرياضيات والعلوم الطبيعية، هذا إلى جانب أنشطة مراكز البحوث والتطوير المتواجدة داخل أفرع القوات المسلحة ومؤسسات وشركات الصناعة الحربية.

اتجاهات التصدير العسكري الإسرائيلي:-

تعمل إسرائيل بشكل واضح على تصدير المعدات التكنولوجية المتقدمة، وأغلبها ذات أصل أمريكي، وكما قلنا في السابق، فإنها تركز على مناطق النزاع والتوتر التي تخدم مصالحها، وهكذا كان رادار فالكون للإنذار المبكر والمحمول جوًّا أحد أهم صادراتها للهند والصين على السواء، هذا بالإضافة إلى تصدير طائرات بدون طيار مثل شماوت وهانتر وماستيف لعدة دول في العالم، وأنظمة صواريخ آرو أو حيتس المضادة للصواريخ، والتي تعاقدت على اقتنائها دول كالهند وتركيا، كما تعمل على تصدير تكنولوجيا الأقمار الصناعية التجسسية أوفيك، والذخائر الذكية وزوارق الصواريخ ريشيف، وتقوم بتطوير المقاتلات الهندية ذات الأصل الروسي ميج-21 وتحدثها بأنظمة توجيه رادارات وأنظمة اتصالات إسرائيلية، وتحدث أيضًا المقاتلات التركية ف-4، والدبابات التركية م-60أ أمريكية الأصل.

أبرز منتجات الصناعات العسكرية الإسرائيلية:-

هي متعددة ومتنوعة جدًا، لكننا سنحاول حصرها فيما يلي:

  • الأسلحة الصغيرة والخفيفة: وتتضمن البنادق الآلية من طراز جليل، والرشاشات القصيرة عوزي، والرشاشات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة بأنواعها وذخائرها.

 رشاش قصير من طراز عوزي إسرائيلي الصنع

  • المدرعات: يتم تصنيع الدبابة الشهيرة ميركافا بأنواعها 1 و2 و3 و4، وتحديث الدبابات الروسية المتقادمة، وتصنيع العربة المدرعة راقي والعربة المدرعة شاوت، وتطوير العربة المدرعة الأمريكية م- 113، وذلك بتسليحها بصواريخ مضادة للدبابات، واستخدام دروع المواد المركبة والدروع الفعالة ودروع شوبهام.

 دبابة ميركافا الشهيرة

  • المدفعية: يتم تصنيع المدافع من عيار 105مم، 155مم المجرورة وذاتية الحركة، وأيضًا 120مم الخاصة بالدبابات، بالإضافة للهاونات 81مم، 120مم، 160مم سولتام، ومهاجمات الصواريخ المتحركة متعددة المواسير زئيف مار 290مم، لار 160مم، مار 350مم، مع إنتاج الذخائر التقليدية والحاملة لألغام وقنبيلات مضادة للدبابات وعنقودية وفوسفورية موجهة ذاتيًّا، مع تصنيع أنظمة إدارة النيران الآلية الخاصة بها مثل الرادارات ووحدات التحديد بالصوت والطائرات بدون طيار.

 المدفعية الإسرائيلية

  • الأسلحة المضادة للدبابات: يتم إنتاج الصاروخ الأمريكي المضاد للدبابات TOW بأنواعه، وصاروخ دراجون وصاروخ ماباث، وصاروخ لاهات وهي صواريخ من الجيل الثاني الموجه بالليزر، أما الأسلحة المضادة للدبابات غير الموجهة فيتم إنتاج القواذف عديمة الارتداد 82مم، 90مم، 106مم، والصاروخ B-300 الذي تم تسجيل ظهوره في سوريا بحوزة مسلحي المعارضة.

مدفع شيبون 300 المضاد للدبابات بحوزة مسلحي المعارضة السورية

  • الطائرات: يتم تصنيع مقاتلة كفير نقلًا عن تكنولوجيا ميراج الفرنسية، وتحديث المقاتلة الأمريكية شماي هوك، والمقاتلة فانتوم إلى فانتوم 2000، وإدخال تعديلات على المقاتلة F-16D بالإضافة إلى إنتاج طائرات تدريب متنوعة.
IAI-Lavi-B-2-hatzerim-1

طائرة لافي إسرائيلية الصنع

  • الطائرات بدون طيار: يتم إنتاج طرازات متعددة ذات استخدامات متنوعة، بدءًا بالاستطلاع وإدارة النيران، وانتهاءً بتحويلها إلى طائرات متفجرة في الأهداف، وتسليحها بصواريخ مضادة للدبابات، حيث يتم تشغيلها وتوجيهها نحو أهدافها من محطات أرضية، ومن الطرازات التي نجح تسويقها نجد ماستيق وسكاوت وبايونير وكادار وهرمس-450 وهانتر وغيرها.

 طائرة استطلاع بدون طيار إسرائيلية الصنع

  • الذخائر الجوية: تنتج معامل الإنتاج العسكري الإسرائيلية قنبلة عوفر بتوجيه حراري، وقنبلة بيراميدز بتوجيه تليفزيوني، وقنبلة جيولتيني بتوجيه حراري وبالليزر، ونظام يوريل فيست نقلًا عن الصاروخ الأمريكي جو أرض شرايك، وصواريخ جو جو من طراز شفرير ويايثون، وصواريخ جو أرض لوز-1، وصواريخ جو سطح جابرائيل، وقد أدخلت على هذه الذخائر الجوية أنظمة التوجيه بالأقمار الصناعية الكونية.
HN-Gabriel-1

صاروخ جابرييل جو سطح إسرائيلي الصنع

  • الصواريخ البالستية: طورت إسرائيل الصواريخ البالستية الفرنسية MD-620، MD- 660، وأنتجت منها طرازات أريحا 1، 2، 3، والتي وصل مداها إلى 2700 كلم، كما أنتجت صاروخ شافيت الذي أطلق أقمارها الصناعية من طراز أوفيك، وهذه الصواريخ قادرة على حمل رؤوس تقليدية وفوق تقليدية حتى زنة 1000 كم، ولها قواذف ثابتة ومتحركة.
  • الصواريخ الجوالة: يتم إنتاج صاروخ كروز هاربون بتصريح من الولايات المتحدة، إذ تسلح به الغواصات الألمانية من طراز دولفيتي التابعة للبحرية الإسرائيلية.
  • أسلحة الدفاع الجوي الأرضية: تنتج إسرائيل المدافع والرشاشات المضادة للطائرات أعيرة 20 مم، 40 مم، 35 مم، 30 مم، وصاروخ أرض جو قصير المدى باراك، كما أدخلت تحسينات على الصواريخ أرض جو هوك، وشابراك.
  • الدفاع المضاد للصواريخ: اهتمت إسرائيل بتطوير وسائل متعددة للدفاع ضد الصواريخ البالستية العربية، وذلك في إطار الخطة حوما، شملت الصواريخ حيتس أرو بالتعاون مع الولايات المتحدة، وأسلحة الطاقة الحركية K. E. W العاملة بالطاقة الكهرومغناطيسية وأسلحة الطاقة الإشعاعية الموجهة بالليزر  D. E. W، بالإضافة لنظام الليزر عالي الطاقة THEL لأغراض الصواريخ قصيرة المدى.
  • الحرب الإلكترونية: يتم إنتاج أجهزة التنصت اللاسلكي للترددات العالية جدًا، وأجهزة قياس محددات الإرسال، والاستطلاع اللاسلكي، والإعاقة ضد نظم الاتصال التكتيكية، بالإضافة لأجهزة الاستطلاع والإعاقة الرادارية الإيجابية والسلبية ضد الصواريخ الموجهة والرادارات، وذلك من محطات أرضية أو من طائرات خاصة مجهزة.
  • الهندسة العسكرية: يتم إنتاج جميع أنواع التحصينات، والجسور الميكانيكية سريعة التجهيز، وأجهزة كشف الألغام، وإنتاج الألغام المضادة للأفراد والدبابات بأنواعها، وجرافات ودقاقات إزالة الألغام، وأنظمة فتح الثغرات المحمولة، وأحبال المفرقعات، وطوربيدات النيجالور، والشراك الخداعية، بالإضافة لتصنيع معدات النجدة.
  • الأسلحة النووية: ينتج مفاعل ديمونة البلوتونيوم- 239، واليورانيوم المخصب- 235، وتم بواسطة البلوتونيوم تصنيع أكثر من 250 سلاحًا نوويًّا (قنابل طائرات ورؤوس صواريخ وقذائف مدفعية) استراتيجية وتكتيكية، انشطارية واندماجية ونيترونية، كما تم إجراء عدة تجارب نووية بعضها في النقب والآخر في جنوب أفريقيا والهند.

 المفاعل النووي في ديمونا

  • الأسلحة الكيماوية: يتم تصنيع جميع أنواع غازات الحرب مثل المضادة للأعصاب كالسارين ومهيجات الجلد بالإضافة لغازات مهيجة للرئة، وسموم الدم، والمسيلة للدموع، والمواد الحارقة مثل النابالم، والسموم الفطرية التركسينات، والغازات المتحدة، والغازات الثنائية، كما تصنع جميع مهمات الوقاية وأجهزة الاستطلاع الكيماوي الإشعاعي.

 تدريبات إسرائيلية لمواجهة خطر الأسلحة الكيماوية

  • أسلحة الحرب البيولوجية: يتم تصنيع نوعيات مختلفة من أسلحة الحرب البيولوجية مثل الأراضي الفطرية، والبكتيرية كالجمرة الخبيثة، والفيروسية كالحمى الصفراء والجدري، وأمراض التيفوس وغيرها.
  • الأقمار الصناعية: أطلقت إسرائيل إلى الفضاء عدة نوعيات من الأقمار الصناعية، منها سلسلة أقمار التجسس أوفيك 1 – 5، وإيروس، وأقمار الاتصالات عاموس 1 – 3، وأقمار الأرصاد الجوية.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد