تشير بعض تقارير تقييم القوى العسكرية في منطقة الشرق الأوسط إلى أن جيش الدفاع الإسرائيلي هو الأفضل تجهيزًا وتدريبًا من أي جيش آخر في المنطقة. لكن على الرغم من ذلك تحتل إسرائيل مراتب متأخرة! سترى في الكثير من المؤشرات أن إسرائيل ليست القوة الأولى في الشرق الأوسط، مع العلم أن أغلب هذه المؤشرات تجعل معاييرها تعتمد على عدد الجيوش أكثر من قدرة فتكها الفعلية، لذلك فإن نظرة أكبر على على صناعة الدفاع الإسرائيلي وصناعة الدفاع في الشرق الأوسط ربما تعطينا صورة أقرب للواقعية. هذا ما نتناوله بالبحث في السطور التالية.

الشركات تسيطر على «القوى الدفاعية لإسرائيل»

يتألف القطاع العسكري الإسرائيلي من 200 شركة خاصة وعامة، تسيطر عليها شركة «Elbit systems»، إلى جانب ثلاثة شركات مملوكة للدولة، هم: شركة «صناعات الفضاء الإسرائيلية (IAI)» و«رافائيل للأنظمة الدفاعية المتقدمة» و«الصناعات العسكرية الإسرائيلية». عن ذلك تشير شركة إدارة الاستثمارات في إسرائيل «Wise Money Israel» إلى أن الشركات العسكرية الإسرائيلية الأربع قد احتلت عام 2015 قائمة أكبر «مقاولي الدفاع» في العالم.

وهي الشركات ذاتها التي أعلنت بعد التطبيع الإماراتي – الإسرائيلي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، عن مشاركتها في مؤتمر الدفاع الدولي (آيدكس) المقام في أبوظبي فبراير (شباط) المقبل. وذلك لعرض منتجاتها العسكرية بمعرض الأسلحة وتكنولوجيا الدفاع الذي يعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط.

تشير «الجيروزاليم بوست» – وهي جريدة يومية إسرائيلية – إلى أن أكبر مصنعين للمعدات العسكرية في إسرائيل، وهما شركتا رافائيل و(IAI)، يشاركون في الجناح الإسرائيلي للمعرض، جنبًا إلى جنب شركات أخرى متخصصة في تطوير أنظمة حماية الصواريخ، وبعض متخصصي الصناعات الخفيفة المضادة للطائرات بدون طيار، كما تشارك الإمارات العربية المتحدة في معرض الدفاع الإسرائيلي المقرر إقامته في يونيو (حزيران) 2021.

تنتج إسرائيل بحسب – المصادر الإسرائيلية – مجموعة واسعة من المنتجات الدفاعية، بدايةً من الأسلحة البسيطة والذخيرة، وحتى الأنظمة الإلكترونية المعقدة والدبابات الأكثر تطورًا في العالم. إذ حرصت الحكومة التي تمتلك بالفعل ثلاث شركات دفاعية كبرى، على تشجيع تشكيل الشركات الدفاعية الخاصة من أجل تجهيز الجيش الإسرائيلي. وقد أدى تطوير الصناعة الدفاعية إلى تشجيع الصادرات حتى تمكنت إسرائيل من منافسة الشركات الكبرى في العالم لتصنيع الأسلحة.

خلال العقدين الفائتين، بحسب «المكتبة اليهودية الافتراضية» والتي تمثل أكبر موسوعة يهودية، بذل الدفاع الإسرائيلي جهودًا بالغة من أجل التشجيع على الابتكار والبحث العلمي في مواجهة تقلص سوق المعدات العسكرية، إذ بدأ في توسيع قاعدة أسواقه حتى تشمل الصناعات غير العسكرية وتكييف التكنولوجيا الدفاعية للمدنيين. في الحقيقة تعود أغلب صناعات التكنولوجيا المدنية داخل إسرائيل – بحسب المكتبة – إلى أصولٍ عسكرية، مثل مجال تكنولوجيا الاتصالات. 

تشير المكتبة إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد تلقى رسالة من قادة الصناعات الحربية عام 2015، يوضحون فيها أن الصناعة تعاني من أزمة واضحة، وذلك بعدما تقلصت صادرات الصناعة منذ عام 2012 بسبب المنافسة الدولية المتزايدة، إلا أنها استعادت النمو مرةً أخرى عام 2016، بزيادة قدرها 800 مليون دولار عن العام الذي سبقه، وحققت أكبر صادرات منذ عام 2013.

زادت مبيعات شركة «Elbit systems» في 2020، على سبيل المثال بنسبة 22%، كما تقدمت صناعة الطيران المملوكة للدولة بحسب موقع «القوات المسلحة البلغارية»، بمبيعات عسكرية قدرها 3 مليار دولار. إلا أن شركات الدفاع الأمريكية مازالت مهيمنة على أسواق السلاح الدولية، وجدير بالذكر أن هناك اتجاهًا عامًا للأسواق يتجه نحو الإطاحة بالأوروبيين من قبل شركات الدفاع الصينية التي احتلت مكانين في المراكز العشرة الأولى بين شركات الدفاع الدولية.

مستقبل صناعة السلاح الإسرائيلي في الفترة من 2020-2024

منذ 2019 حتى يونيو 2020 بلغ إجمالي صفقات التصدير الدفاعية الإسرائيلية 7.2 مليار دولار، وفقًا لمسؤول التعاون الدفاعي الدولي بوزارة الدفاع الإسرائيلية. إذ شهدت صناعة الدفاع المحلية عمليات اندماج خلال السنوات القليلة الماضية، مثل اندماج شركة «Elbit» مع «IMI»، واستحواذ شركة «رافائيل» مع شركة «الطيران المحدودة» وهو ما ساعد على تجاوز أزمة عام 2015 التي تقلصت خلالها صادرات الصناعة.

يشير تقرير «Defence News» إلى تغير شكل صناعة السلاح الإسرائيلي خلال السنوات العشر الماضية، إذ تحولت إسرائيل من رائدة مبيعات الطائرات بدون طيار على مستوى العالم إلى أسواق أخرى رئيسية مثل الرادارات وأدوات الحرب الإلكترونية؛ كما دخلت إسرائيل سوق الصواريخ في الهند، كواحدة من المشاريع المشتركة بين البلدين. وتفوقت في مجال الدفاع الجوي بفضل نظام «القبة الحديدية»، وهو نظام صاروخي تعمل شركة رافائيل على تطويره.

Embed from Getty Images

(التصنيع الحربي الإسرائيلي)

من المتوقع أن يرتفع الإنفاق العسكري الإسرائيلي إلى إجمالي 130.3 مليار دولار بشكلٍ تراكمي، منهم 68.5 مليار لشراء المعدات العسكرية، وذلك بحسب الخطة الخمسية الإسرائيلية الممتدة من 2020 حتى 2024، بهدف تعزيز التفوق العسكري لإسرائيل في الشرق الأوسط.

ليست تلك هي المرة الأولي التي ترتفع فيها ميزانية الدفاع الإسرائيلي؛ إذ ارتفع إجمالي الإنفاق من 18.1 مليار دولار أمريكي عام 2015، إلى 20.3 مليار دولار عام 2019. مما يعكس معدل نمو سنوي مركب 2.90%. ومن المرجح أن يرتفع المعدل المركب إلى 8.59% خلال الخطة الخمسية، وتستمر إسرائيل في الإنفاق على تقوية أجهزتها الأمنية والعسكرية، لضمان مكانتها العسكرية في المنطقة وتفوقها.

دولي

منذ سنة واحدة
«السهم 3».. هل باتت إسرائيل آمنة من أي صاروخ إيراني بعد هذه المنظومة الدفاعية؟

يأتي هذا النمو جزئيًا مما تتلقاه إسرائيل من مساعدات عسكرية من المتوقع أن تصل لقيمة 19 مليار دولار أمريكي في الفترة بين 2019 و2023. وهناك خطط لزيادة الاستثمارات في القدرة الدفاعية الصاروخية خلال العقد المقبل، بنحو ثمانية إلى 10 مليار دولار.

تمتلك إسرائيل واحدة من أكثر الصناعات الحربية تقدمًا، بحسب التقرير، وتعتبر من أفضل 10 دول مصدرة للأسلحة على مستوى العالم؛ إذ احتلت في الفترة الممتدة من 2013-2017 المرتبة الثامنة على قائمة الدول المصدرة، بحصة تبلغ 2.9% من سوق السلاح العالمي. وفي الفترة من 2014-2018 كانت الهند الزبون المنفرد والأكبر لمعدات الدفاع الإسرائيلية، بنسبة 46.3% من حصة الصادرات. كانت الفئات الرئيسة لصادرات الأسلحة الإسرائيلية تشمل الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي وأجهزة الاستشعار.

هل إسرائيل هي الأقوى في الشرق الأوسط فعلًا؟

يواجه الالتزام طويل الأمد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والمعنى بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل بعض التحديات التي يثيرها سباق التسلح في الشرق الأوسط. خاصةً مع الحجم الهائل للصفقات الدفاعية التي عقدتها بلدان المنطقة في بداية القرن الحادي والعشرين، وقدرت بمليارات الدولارات، والتي نتجت عن الصراع المحموم للهيمنة على الشرق الأوسط بين المحورين الشيعي بقيادة إيران، والدول العربية السنية، بحسب مجلة «Defence News» المعنية بالأخبار السياسية وتكنولوجيا الدفاع. 

أشارت «Defence News» في ديسمبر (كانون الأول) 2020، إلى أن التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي يواجه بعض التهديدات في الشرق الأوسط. وهو ما يمثل تحديًا للولايات المتحدة الأمريكية بموجب اتفاقيات التعاون العسكري بين البلدين، والتي تنص على تقديم الدعم لإسرائيل والمساعدات المالية والعسكرية، والتطوير والإنتاج المشترك لأنظمة الدفاع الصاروخية، هذا إلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنبيهات الصواريخ، وهو ما يشمل تمركزًا مسبق للمعدات العسكرية الأمريكية على الأراضي الإسرائيلية.

على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية هي المورد الرئيس لأنظمة الأسلحة في المنطقة – بحسب التقرير – إلا أن بعض الصناعات الدفاعية الروسية، والصينية، والأوروبية، أصبحت موردًا بارزًا لدول الشرق الأوسط، وهو ما يمثل عاملًا ثالثًا في التحديات التي يواجهها التفوق العسكري الإسرائيلي بالشرق الأوسط.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 تعهدت واشنطن بالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة، وذلك بعدما انتشرت أخبار عن إمكانية حصول الإمارات على مقاتلات أمريكية متطورة من طراز «إف 35»؛ مما أثار مخاوف الجانب الإسرائيلي، وهو الأمر الذي أعقب اتفاقية التطبيع بين البلدين.

كان التزام الولايات المتحدة نحو إسرائيل بالحفاظ على التفوق النوعي العسكري متبوعًا بقانون ينص على أن تراعي الإدارة الأمريكية عند بيعها أي سلاح لأية دولة أخرى، حفظ إستراتيجية الأمن الإسرائيلي وقدرتها على الدفاع عن نفسها. وهو الأمر الذي جعل خبرًا مثل حصول الإمارات على المقاتلات الأمريكية، على الرغم من اتفاقية التطبيع، مثيرًا لمخاوف بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي أعرب عن تخوفه من أن يقوض ذلك تفوق إسرائيل العسكري بالمنطقة.

رغم ذلك تحصل دول الشرق الأوسط على ما يلزمها من الأسلحة التي ترفض الولايات المتحدة الأمريكية بيعها – بسبب تخوفات إسرائيلية – من أنظمة دفاعية منافسة، مثل الطائرات بدون طيار، والصواريخ الباليستية، والدبابات المقاتلة، والمدرعات، وغير ذلك من الأسلحة الثقيلة. وهو ما يعني أن – دول الخليج النفطية – بإمكانها الحصول على ما تريد من أسلحة بعيدًا عن متناول التحكم الأمريكي الإسرائيلي إلى حد ما.

Embed from Getty Images

على الرغم من ذلك يشير التقييم السنوي للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) لعام 2018، والذي يقيس التوازن العسكري لـ171 دولة عن طريق تقييم القدرات العسكرية واقتصاديات الدفاع، إلى أن جيش الدفاع الإسرائيلي هو الأفضل تجهيزًا وتدريبًا من أي جيش آخر في المنطقة، إلا أن التقييم ذاته وضع الجيش الإسرائيلي في المركز الثالث، بعد مصر في المركز الثاني، وتركيا التي احتلت المركز الأول في الشرق الأوسط، لكن هذا حين أضيفت عوامل أخرى كتعداد الجيش وتعداد الأسلحة في الترسانة العسكرية للدولة، وهي في النهاية مؤشرات ليست متساوية فمن الممكن أن يمتلك جيشًا أسحلة أقل، لكنها أكثر فتكًا بكثير.

وعلى الرغم من أن تركيا احتلت المرتبة الأولى في هذا المؤشر، إلا أنه بالنظر لمسألة صناعة الدفاع منفردة فإن صناعة الدفاع التركية المتنامية تواجه في الفترة الأخيرة بعض المشكلات غير الواعدة التي تعمل على إبطاء النمو على المدى البعيد، الناتج عن تشبع الأسواق المحلية وغياب سبل لمعالجة المشكلات التقنية والبنيوية، وفرض الحظر على قطاعات أولية متعلقة بصناعة الدفاع التركية من قبل دول أوروبية، بعدما اجتاحت تركيا بعض المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد في سوريا، وذلك بحسب «مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي». وهو ما نتج عنه خسائر في الإنتاج بلغت مليار دولار نتيجة للحصار.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
لم تبتكر أسلحتها بل سرقتها.. تفكيك أسطورة التقدم الإسرائيلي

كانت الصناعة التركية قد شهدت ازدهارًا خلال العقد المنصرم، وتبوأت سبع شركات تركية قائمة الشركات الدفاعية الرائدة في العالم. أما بالنسبة إلى مصر، فقد أعلنت خطة تصنيع أسلحة لعام 2020 مدتها ثلاث سنوات، من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي واقتحام مجال التصدير، وذلك باستثمارات قدرها 479 مليون دولار أمريكي. وهو مبلغ أقل من أن ينافس حجم الصناعة الإسرائيلية، وذلك على الرغم من سيطرة الشركات العسكرية في مصر على الاقتصاد المدني، وإحكام قبضتها على الدولة.

المصادر

تحميل المزيد