4,354

أكثر من ست سنوات على اندلاع الانتفاضة السورية ضد بشار الأسد، الثورة التي بدأت فيها سلمية قبل أن تتحول إلى حربٍ أهلية ماحقة، وتبدو فيها خسارة الجميع محقَّقة. وحدها إسرائيل كانت ترقب المعارك في سوريا ببرودٍ شديد، معتبرة أن أيَّ نتيجة ستؤول إليها الحرب هي في صالحها بالضرورة. تستعرض السطور التالية أبرز الفوائد التي عادت على تل أبيب من الصراع السوري.

اقرأ أيضًا: إسرائيل تضرب سوريا.. ما الذي تخبئه الأيام لنظام الأسد؟

1- إسرائيل سعيدة بـ«إنهاك» الجيش السوري

صحيح أنّ الجيش النظامي السوري – وعلى امتداد عقودٍ طويلة – لم يشكل خطرًا وجوديًا حقيقيًا على إسرائيل، وأنَّ سلاح الجو الإسرائيلي قد دأب قبل اندلاع الثورة على تنفيذ هجمات داخل الأراضي السورية دون أن يخشى تهديدًا من نظام  الأسد، باستثناء تصريحات خجولة عن احتفاظ الأخير بـ«حق الرد» في المكان والزمان المناسبين.

إلا أنه ورغم ذلك ظلّ «الجيش العربي السوري» – نظريًّا على الأقل – عدوًا يحسب له الإسرائيليون حسابًا، باعتباره يمكن أن يتحوَّل في أي لحظة إلى رأس حربة في الهجوم على إسرائيل، إذا ما تغيرت أهواء القادة في دمشق أو حتى إذا ما  تغير القادة أنفسهم يومًا ما.

انخرط الجيش السوري في قمع الثورة، حتَّى استُنزف بشكلٍ شبه كامل في حربٍ داخلية مع فصائل المعارضة، وهي حربٌ بلا أيِّ أفقٍ للنهاية قريبًا، حتى خرج بشار الأسد نفسه ليعترف بأن جيشه قد فقد نصف قدراته في الدفاع الجوي جراء ضربات المسلحين، بالإضافة إلى ما ترتبت عليه «صفقة الكيماوي» من حرمان الجيش السوري من مخزونه من الأسلحة الكيماوية، وهو السلاح الذي كان يؤرق القادة الإسرائيليين بشدة خلال أي حرب مستقبلية.

من هنا، كانت الاستفادة الإسرائيلية من الحرب السورية مثمرة  للغاية، فإسرائيل وعلى عكس غيرها من جيران سوريا – الأردن ولبنان – بطبيعة الحال لم تتحمَّل أعباء ملايين اللاجئين الذين فروا من أتون الصراع، وفي المقابل، وكما وصف تحليل مطول على صحيفة «هآرتس» بات الجيش العربي السوري «فاقدًا للأهلية» وهو اليوم في أضعف أحواله على الإطلاق منذ تأسيسه، وهو الأمر الذي قد يتيح للجيش  الإسرائيلي إعادة النظر في استراتيجيته أو نفقاته العسكرية  الباهظة، بعد أن زال تقريبًا أحد الأخطار الرئيسية التي كان يعتبر أنها  تهدد وجوده.

اقرأ أيضًا: ماذا تبقى من الجيش العربي السوري؟ ليس كثيرًا

2- «إلهاء» حزب الله باللعبة السورية

قبيل عام 2011، كان يندر أن يتلقى حزب الله اللبناني ضربة إسرائيلية من غير أن يأتي الرد سريعًا ومكافئًا، فالحزب الذي بني «رأسماله الرمزي» على مقاومة إسرائيل، لم يكن ليفوِّت فرصة ليعلن أنه ليس كغيره من الجيوش أو التنظيمات التي تصمُت حال تعرضها للتهديد أو الإهانة، بل إنه قادر على أن «يرد الصاع صاعين» ويحتفظ مع الإسرائيليين بـمعادلة الردع التي تكفيه شرهم.

لكن يبدو أنّ تلك المعادلة قد تغيرت كثيرًا بعد الحرب السورية، فباستثناء مراتٍ قليلة، أبرزها الرد المحسوب والدقيق للحزب على اغتيال بعض رجاله في القنيطرة أبرزهم نجل القائد العسكري السابق للحزب عماد مغنية، باستثناء ذلك، صارت قوات  حزب الله ومستودعات أسلحته في سوريا هدفا متكررًا للغارات الإسرائيلية، وصار الحزب يصمت أكثر مما يرد، إذ أنه صار منشغلًا بمعركةٍ أكبر مع معارضي الأسد في سوريا، ولا يقوى بالتأكيد على خوض حربين كبريين في آنٍ معًا.

استفادت إسرائيل إذًا من الحرب بمقدار ما خسر الحزب، وبحسب دراسة استقصائية أجرتها صحيفة «النيوزويك» فقد خسر حزب الله بين عامي 2012 و2017 أكثر من ألف من مقاتليه في سوريا، تمّ التعرُّف على 60 منهم على أنهم قادة ميدانيون، هذا فضلا عن آلاف الجرحى والمصابين، والذين لم يعد بإمكان الحزب الاستفادة من خبراتهم القتالية مجددًا.

وقد تهون خسائر الحزب  العسكرية أمام الخسارة الكبرى التي لحقت بصورته، فقد فقد «رأسماله الرمزي» تمامًا، فلم يعُد يُنظر إليه على نطاقٍ واسع بوصفه حركة مقاومة جامعة، بل باعتباره تنظيمًٍا طائفيًّا يساند نظامًا دمويًا، بما يعارض كل قيم العدالة والثورة التي اجتهد الحزب في الدفاع عنها.

3- تزايد عزلة حماس.. المعزولة أصلًا

أحد أكثر من تضرروا من الحرب السورية، هي حركة «حماس» الفلسطينية، العدوّ اللدود لإسرائيل، فقبل 2011، وفّرت دمشق ملاذًا آمنًا للقيادة السياسية للحركة، وكان محور الممانعة «طهران – دمشق – الضاحية» هو المَحضن السياسي الرئيسي للحركة، وسبيلها لمواجهة الضغوطات العسكرية والسياسية والمالية التي لحقت بها، سيما بعد أن سيطرت على القطاع  في صيف 2007.

اقرأ أيضًا: بعد أزمة الخليج.. حماس تتجه بأريحية نحو إيران

شكَّل تصاعد قمع النظام السوري للاحتجاجات الشعبية مصدر حرج لحماس، التي وجدت نفسها غير قادرة على الصمت  طويلًا، اضطرت القيادة السياسية لحماس إلى مغادرة دمشق، موليةً وجهها شطر الدوحة، قبل أن تتوارد الأنباء عن تلقي الثوار السوريين دعمًا وتدريبًا من الجناح العسكري للحركة، في مناطق شرقي العاصمة دمشق، فقدت حماس الأسد، وتضررت علاقتها بحزب الله وإيران، ولم يعد لدى  الحركة – قليلة الأصدقاء أصلًا – إلا الرهان على نجاح موجات الربيع العربي، علها ترد صداقاتها القديمة أو تأتي بأصدقاء جدد إلى سدة الحكم.

لكن سرعان ما تبين خطأ ذلك الرهان، فقد بقي الأسد في السلطة، وأطيح بالإخوان المسلمين من سدة الحكم في مصر، وتصاعدت لهجة العداء للحركة ووسمها بالإرهاب، وبالرغم من التحسن النسبي الذي شهدته علاقات حماس بكلٍ من إيران وحزب الله لاحقًا، إلا أنه ظل مشوبًا بالحذر وعدم الثقة، ولا يقارن إطلاقًا بالعلاقة الوثيقة التي جمعت بين تلك الأطراف ما قبل 2011.

اقرأ أيضا : العلاقات نحو الدفء التدريجي.. لماذا تدعم إيران «القسام» وليس «حماس»؟

4- إسرائيل تحاول أن تبدو «أكثر إنسانية» مقارنة بالأسد

عندما رأيت صور الرضع يختنقون من القصف الكيميائي في سوريا، صدمت وغضبت. *رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

كان هذا تعليق رئيس الوزراء الإسرائيلي على الهجوم الكيميائي الذي شنته قوات الأسد على بلدة «خان شيخون»، والذي راح ضحيته عشرات الأطفال، وهزّ الرأي العام العالمي، ولم يكتف نتنياهو بذلك بل إنه أدان الهجوم على حسابه الرسمي مستخدمًا في ذلك اللغة العربية.

استفادت إسرائيل

في الحقيقة، مثّلت الحالة  السورية «فرصة» لإسرائيل لتبييض صورتها، والظهور بمظهر «أكثر إنسانية» من العرب، دأب المسؤولون الإسرائيليون على الإشارة إلى «وحشية» الأسد، وسقوط عدد ضخم من الضحايا بأيدي جنوده، بشكلٍ يجعل الإسرائيليين مقارنة بهم كأنهم مجموعة من الملائكة.

وفي أواخر العام الماضي، شن مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة هجومًا على نظام الأسد ووحشيته قائلًا:

«أنتم تقتلون ونحن نُسعف المصابين، نقول ببساطة ذاب الثلج وبان المرج، أصبحتم سخرية في العالم العربي

صراحة لا يوجد وجه للمقارنة في الجولان لا قبل الحرب ولا بعد الحرب في سوريا، الوضع بالجولان أفضل عشرات بل مئات وربما آلاف المرات من الوضع في سوريا والوطن العربي من ناحية التعليم والحريات والصحة والمعاشات والوضع الاقتصادي، أقول للمندوب السوري: فعلا اللي استحوا ماتوا».

أحد اللّمحات الأخرى التي تستغلها إسرائيل، وتستخدمها لتسويق نفسها باعتبارها دولة «أكثر رحمة» من العرب، تتحدث التقارير عن مئات الجرحى والمرضى السوريين الذين تلقوا العلاج في المستشفيات الإسرائيلية في الشمال، بل إن نتنياهو نفسه قد زار إحدى تلك المستشفيات الميدانية، ولعل تعليق صحفية المصدر الإسرائيلية على هذه الزيارة يظهر الفوائد التي تجنيها الدولة العبرية من تلك الخطوات:

«هؤلاء الجرحى وصلوا الدولة وهم في حالة غيبوبة، ليتفاجؤوا بوجودهم في إسرائيل، أغلبيتهم اعترفوا أن ما سمعوه ويسمعوه عن هذه الدولة جاء معاكسًا تمامًا للواقع الذي عاشوه أثناء تلقيهم العلاج».

5- المزيد من الأصدقاء في القائمة الإسرائيلية

في مؤتمره الصحفي المشترك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحًا لافتًا، إذ قال: «للمرة الأولى في حياتي وحياة دولتي، لا ترى الدول العربية إسرائيلي كعدو بل كحليف».

لم يفصل الكثير من الوقت بين ذلك التصريح، والتسريبات المتلاحقة عن سعي الإدارة الأمريكية الجديدة إلى تشكيل ناتو عربي، تقدم له إسرائيل معلومات استخباراتية لمواجهة النفوذ الإيراني، بحسب ما كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» في فبراير (شباط) الماضي.

إلى جانب ما أفرزته الثورات العربية من تصاعد نجم «تنظيم داعش» وأخواتها، فقد أدت التدخلات الإيرانية، وتصاعد نفوذ طهران في الشرق الأوسط عقب الربيع العربي، إلى إثارة العديد من المخاوف، الخليجية تحديدًا، وهو ما جعل محظور الأمس مُباح اليوم، فصار التطبيع العربي – العبري أقرب كثيرًا من ذي قبل، وبدرجةٍ لم تكن تطمح إليها تل أبيب حتى في أكثر أحلامها تفاؤلًا.

اقرأ أيضًا: كيف استخدمت السعودية والإمارات «الفزاعة الإيرانية» لتبرير التقارب مع إسرائيل؟