لم يرق للأوساط العسكرية والسياسية الإسرائيلية توصل إيران إلى اتفاق نووي تاريخي مع مجموعة الدول الست الكبرى الشهر الجاري، فأخذت صحفها المحلية ووسائل إعلامها المختلفة تشن هجوما لاذعا عليها، حتى خرجت مثل” الضحية” من وراء ذلك.

لم تفصح إسرائيل منذ بدء جولات التفاوض التي استمرت لسنوات طويلة عن أسباب خشيتها من الاتفاق ورفع العقوبات الاقتصادية مؤخرا عن إيران، بل كانت توحي إلى أن الاتفاق سيضفي  شرعية دولية على مكانة إيران كقوة إقليمية رائدة في المنطقة، وعقد صفقات تعاون مع دول صديقة لإسرائيل.

لكن، ما إن وقع الاتفاق، وأعلن رفع العقوبات الاقتصادية، حتى بدأت الصحف الإسرائيلية من الإشارة إلى خطر كبير سيلاحق الاقتصاد الإسرائيلي وحقول الغاز والطاقة التي تدر أرباح جمة للاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني أصلا من أزمات متلاحقة.

التساؤلات التي يجيب عنها التقرير التالي تدور حول طبيعة المخاوف الإسرائيلية اقتصاديا عقب توقيع الاتفاق النووي، ومصير حقول الغاز والطاقة، فضلا عن كشف هوية أبرز الحقول داخل” إسرائيل”.

مخاوف إسرائيل الاقتصادية من اتفاق إيران

لن تغير إسرائيل من وجهة نظرها بأن اتفاق إيران النووي هو بمثابة تهديد أمني لوجودها في المنطقة، ومؤشر على قوة ترسانة إيران النووية، لكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سارع إلى تبديد هذه المخاوف، وأن الاتفاق يمثل تقدما مهما نحو حل دائم يقطع عن إيران جميع المسارات إلى سلاح نووي.

وبالتالي، يبدو أن أوباما لم يدرك جيدا مخاوف إسرائيل الاقتصادية من المس بفرصها في استخراج الطاقة الكامنة في إنتاجها للغاز الطبيعي، والذي تراهن على دوره في تعزيز منعتها الاقتصادية وتمكينها من بناء تحالفات إقليمية ودولية تحقق لها منجزات جيوإستراتيجية مهمة.

ويرى صناع القرار في إسرائيل، والذين يشرفون على قطاع الغاز أن استعادة إيران قدرتها على تصدير الغاز بشكل طبيعي، يقلص من قدرة “تل أبيب” على استخراج الطاقة من حقول الغاز التي اكتشفتها، ومن خلال إيجاد ظروف تجعل من الصعوبة على إسرائيل بمكان المنافسة في سوق الغاز.

فضلا أنه يتيح المس بقدرة إسرائيل على تعزيز تحالفاتها القائمة أو بناء تحالفات جديدة عبر توظيف صادرات الغاز، والنظر إلى دول أخرى في ظل موجة الصراعات والتحديات التي تشهدها المنطقة.

مخاوف من طراز أخرى تثيرها إسرائيل من أن الاتفاق الذي يضبط المشروع النووي الإيراني ويقيّده سوف يقود إلى سباق تسلح نووي في المنطقة، وهي ترى  بذلك أن دولًا مثل السعودية ومصر والأردن وتركيا سوف تسعى من الآن فصاعدًا لامتلاك قدرات نووية بغرض إحداث توازن نووي مع إيران.

وإسرائيل في عرضها لهذه المبررات تخفي تمامًا أنها الدولة النووية الأولى في الشرق الأوسط وأنها الدولة الوحيدة التي ترفض التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، كما ترفض إخضاع منشآتها النووية للمراقبة الدولية.

لذلك، تتزامن هذه المخاوف مع حالة العيش الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة “على أعصابها” في ظل معركة اقتصادية تتصدر عناوين نشرات الأخبار والصحف حول مستقبل قطاع الطاقة في إسرائيل.

 

وبالتالي، الجميع يعلم أن حقول الغاز الطبيعي المُكتشفة في السنوات الأخيرة في ما تقول إسرائيل إنها مياهها الاقتصادية ستحول هذه الدولة من دولة مستوردة للطاقة إلى دولة مُصدّرة.

وأن الحرب الطاحنة حاليا تدور بين ثلاثة أطراف، لكل منهم قوته ونقاط ضعفه، وهي تقترب من خط النهاية لتُحدد كيف سيكون شكل قطاع الطاقة الإسرائيلي في المستقبل القريب، الأمر الذي سيؤثر مباشر على كل مواطن، بما في ذلك المواطن العربي في البلاد.

تكافح العديد من الأصوات الإسرائيلية بضرورة إقرار إستراتيجية الحكومة الإسرائيلية لإدارة اقتصادات الغاز، مع قرب الحديث عن احتمال توقيع اتفاق نهائي بشأن برنامج إيران النووي، فإسراع الخطة يعني مساعدة إسرائيل في التحرك لتقليص المخاطر الناجمة عن عودة إيران إلى سوق الغاز العالمية.

لاسيما وأن رفع الحظر عن العقوبات الاقتصادية الإسرائيلية يعني من وجهة النظر الإسرائيلية تهديد مستقبل الاستثمارات الخارجية في إسرائيل ويمكن أن يفضي إلى تقليص عوائد السياحة، وهو ما تسارع إسرائيل لتلاشيه عبر اتصالاتها وجولاتها مع دول صديقة.

وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو اختار أن يتم عقد المشاورات بشأن اقتصاديات الغاز ضمن اللقاءات التي ينظمها المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن، وهي الاجتماعات التي تفرض الرقابة العسكرية حظرًا أتوماتيكيًا على المداولات التي تجري خلالها.

عواقب المخاوف الاقتصادية الإسرائيلية بعد اتفاق إيران النووي

 

إن التداعيات الاقتصادية السلبية للاتفاق مع إيران يمكن أن تدفع الكثير من الشباب الإسرائيلي إلى مغادرة إسرائيل للبحث عن فرص عمل في الخارج، فضلا عن أن جدوى تسويق حقول الغاز ضعيفة مقارنة بمقدرات إيران وخططها المستقبلية الضخمة لتطوير صناعة الغاز مع الشركات الدولية.

خاصة وأن صادرات إيران من الغاز والمنتجات البتروكيمياوية رغم جميع إجراءات الحظر الاقتصادي بلغت  28 مليار دولار خلال العام الماضي، بينما أشار تقرير مصلحة الجمارك الإيرانية أن  حجم صادرات إيران من الغاز السائل بلغ نحو 14 مليار دولار، حيث ارتفعت نسبة تصدير إيران للنفط الخفيف إلى 6 بالمائة.

ورغم ميل إسرائيل إلى الحفاظ على استقلالها العملياتي فإن تضارب مصالحها مع مصالح الغرب في المنطقة قد يقود إلى فرض قيود عليها حتى لو كانت هذه القيود من حرير، لا سيما وأنها تتلقى مساعدات عسكرية كبيرة، خصوصًا من الولايات المتحدة وألمانيا الملتزمتين الحفاظ على تفوقها العسكري، وليس مستبعَدًا أن تقبل في النهاية عروضًا أميركية بمنحها مظلة نووية لحمايتها في إطار تبديد مخاوفها المرضية التي لا علاج لها.

وقبيل توقيع اتفاق إيران الأخير بأيام معدودة قرر  المجلس الوزاري المُصغّر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة الإسرائيلية بشأن اتصال الحكومة الإسرائيلية بالشركات الخاصة للتنقيب عن الغاز في البحر المتوسّط.

حتى أن نتنياهو حول  القرار عمدًا إلى المجلس الوزاري المصغّر وليس للحكومة ككلّ، وحوّل القضية بذلك إلى شأن أمني وإستراتيجي وليس إلى قضية اقتصادية بحتة، ورأى أن توقيع الاتفاق سيمنح إيران فتح احتياطيات الغاز الخاصة بها ولن يكون هناك مشتر للغاز الإسرائيلي.

وأضاف: “لا يمكننا تجاهل الصورة الجيوسياسية، هناك خطر في حال فتح حقول الغاز البرّية لدى إيران؛ فسنبقى نحن مجفّفين”. هكذا جنّد نتنياهو الحجة السياسية لصالح القضية الاقتصادية، وفقا لما أورده موقع” المصدر”

 

أبرز حقول الغاز الإسرائيلي

يشار إلى أن اكتشافات الغاز الإسرائيلية في شرق البحر المتوسط تمثل فقط جزءا من حقول غاز جديدة في ما يسمى “حوض الشام”، والتي تضم المناطق البحرية الإسرائيلية والقبرصية واللبنانية وحتى أجزاء من المياه السورية.

وحتى  بداية القرن الحادي والعشرين، لم تعتمِد دولة إسرائيل على الغاز كمصدر طاقة رئيسي، فعلى الرغم من أنها كميات صغيرة من الغاز اكتُشفت في خمسينيات القرن الماضي قرب مدينة عراد الجنوبية، لكن لم تُكتشف كمية معتبَرة من الغاز حتى اكتشاف احتياطي مجاور لشواطئ “أشكلون” المحتلة عام 1999.

وبعدها  اكتُشفت كمية غاز إضافيّة كبيرة في حقل “ماري”، حقل يبلغ حجمه نحو 32 مليار متر مكعّب تستخدمه شركة الكهرباء الإسرائيلية حتى اليوم، استُنفد كليًّا تقريبًا، ومن أبرز الحقول الإسرائيلية:

أولا حقل تامار: يقع  في شرق البحر الأبيض المتوسط، والذي يقدّر أنه يحتوي على 9.7 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، حيث يتم تصنيف رؤوس بئر تامار، والتي تحتوي على غاز الميثان، على مستوى عال من النقاء، حيث بلغت قيمة إنتاج الطاقة لكل رأس بئر أكثر من أربعة أضعاف رؤوس آبار النفط السعودي.

ثانيا حقل  لوياثان: ويقع على جانبي منطقة تراخيص “راشيل وآميت” في” إسرائيل”، حيث يقدر الآن أن لوياثان وحده يحتوي على 18 تريليون قدم مكعب، وهو ما يعادل استهلاك أوروبا من الغاز سنويا.

ثالثا حقل أفروديت: وهو حقل بحري للغاز الطبيعي في مقابل السواحل الجنوبية لقبرص ويضاهي حقل تامار، ويصب قليلا في مياه إسرائيل في سلسلة أخرى من الاكتشافات المحتملة في المنطقة المعروفة باسم “تراخيص السطحية”.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد