منذ ثلاث سنوات سعت إسرائيل لاكتساب وجود إعلامي في المحيط العربي، وخاصة بين الشباب العربي تحديدًا، وكان ذلك عبر فرض تواجدها في وسائل التواصل الاجتماعي وأبرزها »فيسبوك«.

كان من بين العوامل التي أدت لهذا الاهتمام الإسرائيلي، هو إدراكها بعد عدوانها على غزة في 2012، أنها فاشلة في الوصول للجمهور العربي الذي لا يتابع إعلامها، ورصدت من أجل ذلك الغرض ستة ملايين دولار، بحسب ما نشره موقع «غلوبس» الإسرائيلي، وتعتبر صفحة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، هي أقوى وأشهر الصفحات التي أطلقتها إسرائيل بشكل رسمي، وبالرغم مما تجنيه تلك الصفحات من التعليقات العدائية، والهجوم المستمر، والشتائم من الجمهور العربي، إلا إنها تنجح في التواجد بين الجمهور العربي، وكسب تفاعله واهتمامه، خاصة كلما استفزته أكثر.

الدعايا الاستفزازية هي شهرة أيضًا، وإن أتت بعداء، وبحسب بعض الخبراء في الدعايا والتسويق، فإن حالة العداء هذه الناتجة عن المنشورات الإسرائيلية الموجهة للجمهور العربي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يمكن أن تقل، ويمكن أن تتحول إلى شعور آخر مع الوقت، وهو اللاحب واللاكراهية.

هل تملك إسرائيل «كتائب إلكترونية»؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

في أغسطس (آب) 2013 نشرت عدة مواقع أجنبية من بينها »يو إس إيه توداي»، و«هافينجتون بوست»، و«الإندبيندنت» عن مشروع تجنيد طلاب الجامعات الإسرائيلية للدفاع عن إسرائيل ضد حملات المقاطعة، ومكافحة معاداة السامية، دون أن يعلنوا أنهم تابعون للحكومة الإسرائيلية، وذلك عبر نشر رسائل على وسائل الإعلام الاجتماعي داعمة لإسرائيل، وقد خرج هذا المشروع في بيان رسمي من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كمنحة دراسية مدفوعة الأجر.

أوضح البيان أن رسائل هؤلاء الطلاب ستكون متوازية مع البيانات الرسمية للحكومة الإسرائيلية. وقد خصصت الحكومة الإسرائيلية 778000 دولار لهذا المشروع وفتحته لكل من يرغب في الانضمام والدفاع عن إسرائيل.

وحدث الشيء ذاته عام 2012، حيث نسقت الحكومة الإسرائيلية مع الاتحاد القومي لطلاب إسرائيل لنشر دعاياها على الإنترنت، وبين الجامعات حول العالم، وأطلق الاتحاد برنامج يدفع للطالب الإسرائيلي 2000 دولار لنشر الدعايا الداعمة لإسرائيل «أونلاين» مقابل خمس ساعات في الأسبوع يعملها الطالب من المنزل، وشارك الاتحاد أيضًا الوكالة اليهودية في إسرائيل في عملية إرسال الطلاب كمبشرين لنشر الدعايا الإسرائيلية في الدول الأخرى مقابل أجر مادي.

الصفحات الإسرائيلية على فيسبوك

لدى إسرائيل العديد من الصفحات الرسمية والموجهة للجمهور العربي على «فيسبوك»، منها صفحات مسؤوليها، مثل صفحة المنسق الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وهي صفحة يقوم من خلالها المنسق تقديم مساعدات للفلسطينيين، وبالإعلان عن فرص عمل في إسرائيل، وتسهيلات لإصدار «تصاريح» لدخول إسرائيل لممارسة الأعمال التجارية، وأشياء أخرى كثيرة، بغرض كسر الصورة النمطية عند العرب عن إسرائيل، ويمكن النظر لذلك في ضوء تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان في أغسطس (آب) 2016 المتعلقة برغبته في التواصل المباشر مع الشعب الفلسطيني، وهو ما يوحي برغبة السلطات الإسرائيلية في إقصاء السلطة الفلسطينية وتجاوزها للتواصل المباشر مع الفلسطينيين وجعلهم يفقدون الثقة بها حسب ما يرى بعض المحللين.

وبعيدًا عن الصفحات الرسمية، أُطلقت صفحات أخرى غير ناطقة بلسان جهات رسمية، في محاولة من اسرائيل لإرساء وجودها الإلكتروني عبر صفحات فيسبوك، فغير الصفحات الرسمية الخاصة بالسفارات الإسرائيلية في الدول العربية، دُعمت صفحات أخرى غير رسمية بهدف ‎«تعزيز العلاقات الدبلوماسية والنمو الاقتصادي والصداقة‎« بين «دولة إسرائيل» والدول العربية الأخرى.

تهدف منشورات تلك الصفحات إلى محاولة التمكين للتطبيع «الشعبي» بين الشعوب العربية وإسرائيل، فتنشر عن التبادل السياحي بين إسرائيل ودول الجوار، والتبادل الثقافي كذلك، وأيضًا تحاول تلك الصفحات تصوير إسرائيل كدولة صديقة للعرب؛ يسمع شعبها أغاني أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب، حيث تتم ترجمتها للعبرية، وتنشر عمل تقول إنه رغبات إسرائيل في السلام والتعاون مع الدول المجاورة، كما تتبنى خلال نقلها للأحداث الأجندة الإعلامية والسياسة التحريرية الإسرائيلية، فتنعت العمليات الفدائية الفلسطينية بالإرهابية، وتنقل رواية الحدث كما تريدها إسرائيل أن تكون عبر وسائل الإعلام الاجتماعي.

المطلوب «جاسوسات» أم انتشار أكبر؟

من بين الصفحات المؤثرة في هذه الاستراتيجية صفحة رئيس الوزراء «بنيامين نتانياهو»، وصفحة المتحدث باسمه للإعلام العربي، «أوفير جندلمان»، التي نشرت مؤخرًا إعلانًا يزعم حاجة الموساد إلى جاسوسات عربيات، وبعدها بيوم واحد كتب «جندلمان» معلقًا على الإعلان «شكرًا وتحياتي لكل المتابعات اللاتي راسلنني وأبدين اهتمامهن في الإعلان». وفي الغالب، فالهدف من هذا الإعلان كالهدف من باقي حملات إسرائيل الدعائية عبر باقي الصفحات، هو كسب اهتمام الجمهور العربي ومتابعته لها، وإن كان ذلك الاهتمام مشوبًا بروح عدائية عالية، فإنها مع مرور الوقت ستذوب قليلًا بحسب الاستراتيجية؛ ليحل محلها الاعتياد على الوجود.

في السطور التالية نوضح كيف يمكن أن تكون المنشورات هذه تستهدف فقط إثارة اهتمام الجمهور العربي والوصول إلى أكبر عدد من المتابعين لتحقيق الاستراتيجية السابقة.

بعدما نشرت صفحة المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي للإعلام العربي إعلانها المزعوم عن طلب «جاسوسات»، ارتفع بشكل ملحوظ معدل التفاعل معها، حيث نالت 3.9 ألف من ردود الفعل، و 5.2 ألف تعليق، و5.13 ألف مشاركة، وإن كان التفاعل ساخرًا إلا أنه رفع من أداء الصفحة ككل، فارتفع عدد المعجبين الجدد لها بنسبة 332.4 % عن الأسبوع السابق للإعلان، ويوضح الرسم التالي أن معدل التغيير هذا مؤقت، ولم يحدث إلا بسبب المنشور الخاص بطلب الجاسوسات المزعوم، حيث انخفض المعدل تمامًا بعد ثلاثة أيام من تاريخ نشره.

ويمكننا ببساطة معرفة ذلك بمقارنة نجريها بين التفاعل الذي لاقاه هذا المنشور، والتفاعل العام مع الصفحة في يوم مثل الثامن من يناير (كانون الثاني)، بعد عملية فدائية قام بها فلسطيني ودهسه عدد من الجنود الإسرائيليين، لنجد أن إجمالي عدد التفاعل مع المنشورات، وعددها 18 منشورًا منذ إعلان الخبر وحتى منتصف الليل، هو 4.060 واجمالي التعليقات هو 1.764، أما عدد المشاركات فهو 168 مشاركة فقط.

كانت التعليقات على منشور إعلان طلب الجاسوسات حوالي 4.5 ضعف التعليقات على منشورات الصفحة في يوم كامل بلغت 18 منشور، والمشاركات التي حصل عليها، ولها دور كبير في نشر الصفحة على نطاق واسع؛ 31 ضعف المشاركات التي تحصل عليها الصفحة في منشوراتها الـ 18 مجتمعة ليوم واحد.

أما مقارنة منشور طلب الجاسوسات، بمتوسط ما تنشره الصفحة عادة، وما يلقاه من تفاعل؛ فالهوة كبيرة للغاية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد