2,122

السيادة العربية في القدس غير مُمكنة، لن تُقسَّم هذه المدينة، والطريقة الوحيدة التي سنترك بها القدس هي أن نخوض حربًا ونخسرها. *جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل

في كتابه «المفاوضات السريّة بين العرب وإسرائيل»، يقول المؤرخ والصحافي المصري محمد حسنين هيكل: «إنّ المعايير اختلفت ابتداءً من سنة 1974، سقطت موانع التحريم، كما زالت دواعي القداسة، لكنّ وجه الغرابة أنّ مجموعة القيم والحقائق لم تكن تغيّرت، ومن المفارقات أن (الآخر) – يقصد إسرائيل – كان أكثر وعيًا وعلمًا، فقد ظلّ في مكانه، وبقى ثابتًا على مقدساته. وفيما يظهرُ من فصول القصة، فليس مؤكدًا أنّ ما جاء في النهاية (سلام)».

المثيرُ أنّ الوثائق السريّة التي نشرتها المخابرات الأمريكية تحكي فصلًا هامًا من القصة، فالرئيس المصري الراحل أنور السادات، رغم أنه خرج منتصرًا من الحرب، فوجئ في مفاوضاته مع إسرائيل أنهم «منذ البداية كتبوا في أول سطرٍ، واعتبروه غير قابلٍ للتفاوض، أن «القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل»، وهو ما جعله يُشير في مذكراته فيما بعد أنّ نظرية الأمن لدى إسرائيل تقوم في الأساس على فرض الصُلح على العرب بالقوة، لذا فقد هدفت وجهة النظر المصرية وقتها إلى فرض الصُلح عن طريق الحل السلمي، وهو ما تفوقت فيه إسرائيل لاحقًا.

التقرير التالي يرسم لك أبرز الهزائم التي تلقّاها العرب عبر المفاوضات التي خاضتها إسرائيل بنجاح لصالحها على مدار 100 عام، سواء على الجانب الدبلوماسي، أو العسكريّ، وانتهاء بالتطبيع مع الكثير من الدول العربيّة، وتهميش القضية الفلسطينيّة عند القادة العرب.

المرحلة الأولى.. تواطؤ دولي وخُذلان عربي

ألا نتعلم من التاريخ؟ – قليلون يتعلمون، ولذلك فإن الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بتكراره *محمد حسنين هيكل

1- سايكس بيكو والمراسلات السريّة العربية 1916

دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى عام 1914، إلى جانب ألمانيا، والنمسا، على أمل استرداد ما انتزعته منها دول الوفاق: إنجلترا، وفرنسا، وروسيا، وحفاظًا على ما تبقى تحت يديها من ولايات عربية وقعت تحت مُخطط التقسيم، لذا قام الأسطول العثماني بقصف موانئ روسيا، مُعلنا الجهاد المُقدس لاستنفار 50 مليون مسلم في البلدان التي تقع تحت السيطرة البريطانية، وقد كان هذا النداء مُزعجًا لدول الوفاق، إلاّ أنه كان مُخيفًا في البلدان العربية التي تسلّل حماس الفكرة إلى شعوبها، ومن هنا تبدأ القصة.

في تلك الأثناء، كان الحُسين بن علي، شريف مكة، يعمل على الاستقلال عن الدولة العُثمانية، شأنه في ذلك شأن الكثير من أمراء الجزيرة، لذا عرض الحُسين على البريطانيين أن يشترك معهم في الحرب ضد الأتراك؛ مقابل الاعتراف باستقلاله عن الدولة العثمانية. بدأت مراسلات الشريف حسين وهنري مكماهون، المندوب السامي البريطاني لمصر، فيما عُرف بمراسلات «حسين – مكماهون»، والتي ظهر فيها طموح الأمير العربي، وأطماعه الشخصية في أن يكون الخليفة العُثماني الجديد، وأن تتشكل دولة عربية كبرى مُستقلة.

سايكس بيكو 2016 خرائط تقسيم المنطقة بين الواقع والأساطير

مؤسس الدولة السعودية الأولى، عبد العزيز آل سعود، أمير الرياض وقتها تحالف أيضًا مع بريطانيا ضد الدولة العُثمانية، ودخل في مباحثات سرية أدت في النهاية إل توقيع معاهدة «دارين» التي حصل بموجبها على اعترافٍ رسمي بدولته الوليدة. وفيما كان آل سعود يحافظون على أمن الخليج ويؤمنون المواصلات البريطانية، كان الحُسين بن علي الذي أعلن الثورة العربية الكبرى عام 1916، يخوض بقواته معارك في الشام لإسقاط الدولة العُثمانية.

2- وعد بلفور عام 1917

في تلك الأثناء، تنكشف «المؤامرة الكبرى» على العرب؛ فقد سرّبت روسيا بنود اتفاقية «سايكس- بيكو» لاقتسام أراضي الدولة العثمانية بين فرنسا وبريطانيا، ويُفاجأ شريف مكة بأن حلفاءه غدروا به؛ فقواته التي نجحت في إسقاط الحُكم العثماني في سوريا مُنعت من الدخول، والمفاجأة أنّ فلسطين وُضعت تحت إدارة دولية تمهيدًا لتسليمها لأصدقاء آخرين بذلوا دورًا خفيًا في الحرب.

Embed from Getty Images

صورة نادرة للفلسطينيين أثناء الثورة العربية الكبرى 1936

ضربةٌ أخرى تلقاها العرب؛ فالحكومة البريطانية أصدرت وعد بلفور تعبيرًا عن موقفها الداعم لـ«حق اليهود في وطن قومي»، وقد كان ذلك الوعد سببًا وإقامة دولة إسرائيل على أنقاض الدولة والشعب الفلسطينييْن. مرة أخرى تعود بريطانيا إلى الأمراء الهاشميين، ويستمر التعاون رغم «خيانة» الأمس؛ فبحسب المراسلات التي كانت بين فيصل بن الحسين ووايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، فإن الطرفين توصلّا إلى اتفاقية «فيصل- وايزمان»، والتي جاء فيها: «يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين».

وما يحدث اليوم تكرر بالأمس؛ فالعرب احتكموا إلى بريطانيا – باعتبارها القوة العُظمى وقتها – ضد الاستيطان الإسرائيلي، وفي تلك الأثناء تُصدر الحكومة الإنجليزية الكتاب الأبيض الأول عام 1922، والذي وعدت فيه بريطانيا العرب مرة أخرى بأن الاستيطان لن يؤثر على وجودهم، وفي عام 1930 يصدر الكتاب الأبيض الثاني الذي يؤكد على تنفيذ وعد بلفور.

لماذا تعهد بلفور بوطن قومي لليهود رغم معاداته لهم؟!

ينتفضُ العرب أخيرًا عام 1935 بتشكيل اللجنة العربية العُليا التي طالبت بإيقاف الهجرة اليهودية، وتشكيل حكومة فلسطينية، ومنع انتقال الأراضي، وبعدما قوبلت طلباتها بالرفض، اندلعت الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام 1936، واستمرت ثلاث سنوات، لكنها انتهت بالفشل والخُذلان؛ فاللجنة البريطانية التي تباحثت مع الثوار، وتفاوضت مع اليهود، أصدرت أول مشروع لتقسيم فلسطين إلى دولة فلسطينية ويهودية.

المرحلة الثانية: أمريكا تدخل على الخطّ.. والنفط عنوان المرحلة

لا داعي للخوف من العرب، فهم ضعفاء بطريقة بائسة

*وايز مان – رئيس المنظمة الصهيونية العالمية

مرة أخرى يعود اليهود إلى الساحة الدولية، فكما ساعدوا بريطانيا في حربها العالمية الأولى، يقول هيكل في كتابه «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل»: «كانت الولايات المتحدة شديدة الانحياز إلى الحركة الصهيونية التي قدمت لها خدمات واسعة النطاق لتحطيم ألمانيا النازية في سبيل دعم المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، خاصة بعدما أثبتت شركات البترول الأمريكية أنّ منطقة الخليج العربي تعوم على بحيرة من البترول، وأن من يُسيطر عليها يستطيع أن يُسيطر على العالم».

وفي سبيل ذلك، دعت الولايات المتحدة مندوبي المنظمات الصهيونية الموجودة في فلسطين، وعقدت مؤتمر «بلتيمور» عام 1942 الذي أصبح مشروعًا كاملًا؛ إذ دعمت تشكيل قوة عسكرية تحارب تحت علمها الخاص، كما منح القائمين على إدارة فلسطين حقوقًا إدارية تمهيدًا لاستلام أمور الحُكم، ولأنّ بريطانيا اعترضت على سياسات الولايات المتحدة، قامت بنفض يدها من القضية، وأحالتها إلى الأمم المتحدة، التي أصدرت قرار تقسيم فلسطين عام 1947 إلى دولتين، بموافقة 23 دولة ورفض 13، وامتناع 10 دول عن التصويت.

قبل قرار التقسيم بعامين، كانت جامعة الدول العربية قد تشكلت بدعمٍ بريطاني، لكنها ظلّت عاجزة عن اتخاذ أي قرار؛ نظرًا لأن قرارتها غير ملزمة للدول الأعضاء، وعقب انسحاب بريطانيا من فلسطين عام 1948، أعلنت إسرائيل قيام دولتها في القدس الغربية، وكان القرار الأول الذي اتخذته الجامعة هو إعلان دخول الحرب، والتي عُرفت فيما بعد بـ«النكبة»؛ نتيجة للانتصار الذي حققته إسرائيل على العرب، إضافة لاحتلالها أراضي جديدة، واضطرت دول المواجهة: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان، إلى توقيع هُدنة «رودس»، والتي كان نتيجتها استسلام عربي واعتراف دولي بالحدود الجديدة.

في عام 1967 حقّقت إسرائيل نصرًا استراتيجيًّا حاسمًا بانتصارها عسكريًّا على الدول العربية في ستة أيام، وكان أبرز نتائج هذه «النكسة»: الاستيلاءُ على القدس الشرقية، وهضبة الجولان السورية، وسيناء المصرية ومناطق من الأردن، ورغم تدخل مجلس الأمن ومطالبته القوات المحتلة بالإنسحاب من الدول العربية، إلا أنّه رسّخ لأول مرة مبدأ «الأرضُ مقابل السلام»، وكان تسليم الدول العربية بالأمر الواقع وقتها أهم من النصر العسكري بالنسبة لإسرائيل، وبدا واضحًا أنّ أي تدخل عسكري جديد سيتبعه هزيمة وخسارة جديدة للقضية، وهو ما خلق انطباعًا عامًا بأنّ الحل العسكري لن يُفيد القضية.

اللافت للانتباه أنّه قبل عامٍ واحدٍ من النكسة، تُشير وثيقة سرية عبارة عن رسالة بين الملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز، إلى الرئيس الأمريكي آنذاك، ليندن جونسون، جاء فيها: «إن القوّات المصريّة لن تنسحب من اليمن، إلا إذا احتلّت إسرائيل سيناء والضفّة الغربيّة وغزّة»، وهو ما اعتبر طلبًا صريحًا بتشجيع إسرائيل على قيام الحرب انتقامًا من نظام عبد الناصر في مصر الذي كان يُحارب السعودية في اليمن، وحتى الآن لم تنتهِ هذه المراسلات السرية بين الحُكام العرب والولايات المتحدة.

المرحلة الثالثة.. وداعًا للسلاح ومرحبًا بطاولة المفاوضات

جيشي يُطيعُ أوامري، وقيادتي سوف تنفذ أي أمر أصدره لها
*السادات لوزير الخارجية الأمريكي

في ظل المُناخ الانهزامي الذي سيطر على الدول العربية، وتأكد الجميع من فشل الجهود الدبلوماسية، وعدم قدرة الأمم المتحدة على الوصول لحل سلمي، خاضت مصر وسوريا حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وسط تأكيد دولي بأنّها غير قادرة على دخول حرب؛ لتحدث أزمة غير مُتوقعة: فوزير الخارجية الأمريكي بعث برسالة تهديد شديدة اللهجة للملك فيصل– بحسب الوثائق السرية – يُخبره فيها بأنه إذا لم تُقنع المملكة الدول العربية برفع قرار حظر تصدير النفط، فإن الولايات المتحدة ستوقف كل مساعيها في سبيل السلام، وقد كان هذا هو الخطاب الثاني بعدما وصل خطاب آخر للرئيس السادات.

تنتهي الحرب بانسحاب إسرائيل التام من سيناء، عدا مدينة أم الرشراش – إيلات حاليًا – الواقعة على خليج العقبة، وتبدأ مفاوضات السلام والحل السلمي. وبحسب ما نقله هيكل في كتابه، فإن المستشار العسكري لملك المغرب بعث برسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها إسحاق رابين إلى السادات عام 1976، ينصحه فيها: «عملية السلام بين مصر وإسرائيل لم يعد من السهل الرجوع فيها، ولا بد لمسارها أن يكتمل»، وتنتهي رحلة المفاوضات عام 1979 بتوقيع معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل، والمعروفة بمعاهدة «كامب ديفيد»

ورغم الرفض العلني للدولة العربية للموقف المصري، إلا أنّ السعودية عام 1981، طرحت مبادرة عربية، تنصّ على انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلت في عام 1967 بما فيها القدس العربية، ورفضتها كل من مصر وإسرائيل. كانت تلك أوّل مرّة تجد فيها إسرائيل حليفًا عربيًّا يدعمها غير الولايات المتحدة التي تجاهلت المبادرة.

في تلك الأثناء نشبت انتفاضة فلسطين الأولى عام 1987، والتي عُرفت بـ«انتفاضة الحجارة»، غضبٌ فلسطيني استمرّ ستّ سنوات لفرض المطالب الفلسطينية التي فضلت فيها المفاوضات، وتمثلت في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم، وتفكيك المستوطنات، وعودة اللاجئين.

انتهت الثمانينات – ولازالت الانتفاضة مستمرة – باتصالات سرية ومفاوضات غير علنية بين العرب وإسرائيل، وفي عام 1991 عقدت الولايات مؤتمر «مدريد» بمشاركة خمس دول عربية: مصر، وسوريا، والأردن، ولبنان، وفلسطين، بهدف تشجيع البلدان العربية على توقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل، وأدى المؤتمر في نهاية المطاف إلى إبرام معاهدة سلام بين الأردن وإسرائيل في عام 1994.

التسعينات نفسها شهدت طفرة في العلاقات العربية الإسرائيلية، ففي ذلك الوقت كان كلٌّ من قطر، وتونس، والمغرب، وموريتانيا، وعُمان على علاقات علنية وتطبيع رسمي مع إسرائيل، إلا أنّ الحدث الهام كان الوصول لأول مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، عقب انتهاء الانتفاضة بتوقيع اتفاقية «أوسلو» عام 1993. وبغضّ النظر عمّا جاء في بنودها، إلا أن المفاوضات نفسها حملت اعترافًا متبادلًا بكلا الطرفين، بعدها بعام تم توقيع اتفاق القاهرة عام 1994، الذي أجبر الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب الجزئي من غزة، وأريحا، والضفة، تمهيدًا لقيام السُلطة الفلسطينية الحالية، وكانت تلك إحدى ثمار الانتفاضة.

المرحلة الرابعة.. عندما مدّ العرب يدهم بـ«مبادرة للسلام» فردّتها إسرائيل خاوية!

على الفلسطينيين أن يعترفوا بالواقع.. القدسُ عاصمة أبدية لإسرائيل
*رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو

في عام 2000 انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عى إثر تباطؤ الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ بنود اتفاقية أوسلو، إلا أنّ الصدام الجديد شهد كثرة المواجهات المسلحة وتصعيد المقاومة الفلسطينية، واستخدامها الحل العسكري ضد الجيش الإسرائيلي، ليحدث ما لم يكن في الحُسبان، فتقطع الدول العربية التي سبق أن فتحت قنوات اتصال مع تل أبيب العلاقات، عدا مصر، والأردن، وتكشف وثائق «ويكيليكس» أنّ الدول العربية، وعلى رأسها السعودية سعت للتطبيع الكامل مع إسرائيل للحد من الخطر الإيراني من جهة، والوصول إلى اتفاق لإنهاء القضية، وهو القرار الذي اتخذه السادات قبلها بسنوات.

Embed from Getty Images

يضع الكاتب الصُحافي محمد حسنين هيكل في كتابه «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل» شرحًا لوجهة النظر العربية وقتها: «بشكل من الأشكال، فإن خيار الاتفاق مع إسرائيل جرى تصويره فى ذلك الوقت، وكأنه خيار معقول تستدعيه الظروف، وكان المنطق الذى رتب الحجج لهذا الخيار على النحو التالي: لقد جرّبنا كل الخيارات، ولم يبق غير خيار واحد، وهو: التعامل مع إسرائيل كأمر واقع يصعب إنكاره. ثم هو خيار لم نجربه على الإطلاق، وقد تكون هناك فائدة منه! ما الذى يمنع؟».

في عام 2002 أطلقت السعودية مبادرة السلام العربية، المبادرة التي التفّت حولها الدول العربيّة من أجل إنهاء الصراع العربي الإسرائيليّ، والتي اشترطت حلّ الدولتين و إنشاء دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان السورية المحتلة، وحل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، في مقابل اعتبار النزاع العربي الإسرائيلي منتهيًا، وتتمكن إسرائيل بموجب هذا الاتفاق من إنشاء علاقات طبيعية مع نحو 57 دولة عربية وإسلامية.

من المؤكّد أن إسرائيل التي سعت في القرن الماضي، من خلال الوسيط البريطاني والأمريكي، لفرض نفسها باعتبارها حقيقة تاريخية على العرب، لم تكن لتتوقع أن يأتي يوم وترفض فيه هذا العرض، ورغم فشل المبادرة، إلا أنها رسّخت مبدأ اعتراف كل الدول العربية بأن «إسرائيل حقيقة»، وهو ما سعت له إسرائيل منذ عام 1916.

مفاوضات جديدة وهزيمة جديدة لحقت بالقضية الفلسطينية عام 2003، فاتفاقية «جنيف» رغم أنها حملت نفس المطالب القديمة، إلا أنّ إسرائيل فرضت شرطًا هامًا على القضية؛ فلأول مرة  تتنازل السلطة الفلسطينية عن «حق العودة» في مقابل الحصول على معظم أجزاء الضفة الغربية، كما أنّ المثير للانتباه في هذه الجولة هو أنّ الاتفاق نص على منح الفلسطينيين حق إقامة عاصمة دولتهم المرتقبة في القدس، وهي تفصيلة غير منطقية؛ نظرًا لأن إسرائيل لا تتفاوض على القدس.

المرحلة الأخيرة.. عهد التطبيع العلني

القضية الفلسطينية ليست من أولوياتنا
*ولي العهد السعودي محمد بن سلمان

ثورات الربيع العربي كانت المحطة الأخيرة للتقارب العربيّ التدريجيّ مع إسرائيل، خاصة بعد وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السُلطة؛ فالسعودية لم تعد تنظر إلى إسرائيل باعتبارها عدوًّا، واللقاءات السرية بين الطرفين على مدار سنوات اتجهت نحو العلانية، والتصريحات أصبحت أكثر وضوحًا من قبل؛ فـ«حماس» أصبحت إرهابية، ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير يمتنع عن إدانة الاحتلال الإسرائيلي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والجنرال أنور عشقي الذي زار إسرائيل عدة مرات، أعلن أن الدول العربية ستطبع مع إسرائيل، فقط إذا فعلتها السعودية أولًا.

ونتيجة لتلك السياسات الجديدة، أقدمت الولايات المتحدة على القرار الأبرز لإتمام مراسم إقامة الدولة، بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والبدء في مراسم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وما قد لفت الانتباه، تسريبات نشرتها وسائل إعلام غربية كشفت عن تفاهم أمريكي مع عواصم عربية رئيسة – لم تُسمّها – على قرار نقل السفارة، دون أن يصدر أيّ رد عربي.