لن يبدأ الجيش الإسرائيلي حربًا، ولكن سيخوضها إذا فرضت عليه. * من الوثيقة

في أغسطس الماضي، تصدرت وثيقةُ الجيش الإسرائيلي، التي اعتبرت إستراتيجيته المنشورة؛ عناوينَ الصحف العالمية، فما كان الجيش الإسرائيلي يقوم بهذه المواقف سابقًا؛ أن يعرض إستراتيجيته علنيًا وأن تتاح الوثيقة للجمهور. جاءت الوثيقة العلنية في بضع وثلاثين صفحة ترجمها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ببيروت، بينما جرى الاحتفاظ بنسخة سرية من الوثيقة الكاملة لصناع القرار الإسرائيلي فقط. في هذا التقرير عرضٌ للإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في 10 نقاط معتمدةً على ترجمة مركز الزيتونة للوثيقة.

وقبل الخوض في عرض الوثيقة، لا بد من الحديث عن الجنرال غادي آيزنكوت صاحب الـ 55 عامًا. الذي أصبح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي منذ فبراير الماضي. كان قد شغل منصب قائد المنطقة الشمالية ثم قائد المنطقة الوسطى ثم قائدًا لشعبة العمليات في الجيش. تدرج في المناصب العسكرية ثم عين سكرتيرًا عسكريًا لرئيس الحكومة. ويعرف آيزنكوت بنقده العلني لصناع القرار. ويعتبر إقدامه على نشر وثيقة إستراتيجية الجيش عملًا يوصف بالثورية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي كانت تتكتم على كل شيء فيما قبل.


آيزنكوت

1- رفع كفاءة سلاح المشاة

تغيرت الظروف المحيطة بإسرائيل وفقًا لما أوردته الوثيقة، وبالتالي تغيرت العديد من الاحتياجات والمواقف الإستراتيجية لها ولجيشها. هناك العديد من المخاطر التي زالت أو انخفضت حدتها بينما قامت بعض التهديدات الأخرى – التي سنذكرها في التقرير –. بالتالي يستتبع ذلك تغييرات يراد إحداثها في منظومة الجيش الإسرائيلي ليكون ملائمًا للتطورات الجديدة. أبرز هذه التغيرات المطلوبة هو تقوية سلاح المشاة الإسرائيلي وتطوير التدريبات الخاصة به. مع منح أفضليات متقدمة للقدرة الاستخباراتية للجيش وللقوات البحرية والجوية. في هذا السياق يذكر بعض المحللين أنّ إسرائيل قد قامت بمحاولات استدراك لأخطائها من حروب غزة وكذلك حرب لبنان 2006.

كما تدعو الوثيقة لاقتناء كل ما تنتجه هيئات الصناعة العسكرية التكنولوجية حول العالم، خصوصًا أنّ بعض الأسلحة التي كانت حكرًا لإسرائيل في المنطقة استطاعت بعض الأطراف الأخرى أن تحوزها. كما أن الوثيقة قد لفتت النظر إلى أنَّ هناك بعض المشكلات من عدم وجود لغة تواصل قوية مشتركة بين الأذرع المختلفة للجيش الإسرائيلي (بر وبحر وجو وسايبر). طالبت الوثيقة بإنشاء لغة مشتركة بين جميع هذه الأذرع كي يكون هناك ردود موحدة ومبادرات عسكرية موحدة تجاه ما يطرأ من أحداث أو معارك.

2- مصادر التهديد: ليست إيران ولا سوريا بالمستوى الأول!

كان من الغريب ألا تتمّ الإشارة إلى إيران (وبرنامجها النووي) باعتبارها الخطر الوجودي الأول لإسرائيل كما يعتمد الخطاب السياسي والإعلامي لإسرائيل، وإنما كان التركيز على منظمات سمَّتها الوثيقة (دولانية) وهي التنظيمات الأقل من دولة، تحديدًا: حزب الله وحماس. واكتفت بالإشارة إلى أنهما بتمويل من إيران فقط دون الإشارة إلى أن إيران عدو رئيسي لإسرائيل كما أسلفنا.

التغيرات الإقليمية التي حدثت بالنسبة للجيش الإسرائيلي والتي حتمت عليه نظرة مختلفة للأمور، هي التغيرات التي طرأت على المنطقة بعد ما سمى بـ “الربيع العربي”. فقد أشارت الوثيقة إلى أن «العدو» بات يشكِّل «أنظمة حكم إسلامية» في عدَّة دُول بالمنطقة (المقصود دول الربيع العربي) ومع التطورات الحادثة في دولة كسوريا التي وصفتها الوثيقة بـ «الدولة الفاشلة وأنها في إطار التفكك». وتطور الأحداث بين إيران والغرب، والأحداث في مصر وليبيا كذلك، أصبحت الأهداف الأساسية للجيش الإسرائيلي ليست الجيوش النظامية وإنما التنظيمات المسلحة. كذلك أشارت الوثيقة لمنظمات الجهاد العالمي وداعش. كذلك لم يفتها أن تنوه أن إيران تعتبر ضمن الدول “المعادية لكنها بعيدة”، ولبنان باعتبارها دولة خصم قريبة.

3- لن تسعى إسرائيل لخوض الحروب، لكن عليها الانتصار إن خاضتها 

نوَّهت الوثيقة أن إسرائيل لن تقوم بخوض حروب ولكن ستخوضها فقط إذا فرضت عليها. وأشارت الوثيقة أن الجيش قد يقوم بعمليات عسكرية “رادعة” للأعداء. بما فيها تفعيل القوة النارية في الظروف الطبيعية والقيام بعمليات عسكرية خارج الحدود حتى يتم الردع، لأن هدف الجيش الإسرائيلي الأساسي هو: الدفاع والانتصار. ولهذا فإن الجيش سيقوم بتلك العمليات منوهًا في الوثيقة أنه يجب أن يُنهي المعركة بانتصارٍ ساحق وكتابة شروط نهاية المواجهة. تشير الوثيقة إلى مشكلة تتعرض لها إسرائيل أثناء الحروب وهي استهداف المنظمات أو الجهات المقاتلة لها للجبهة الداخلية الإسرائيلية بقصف المواطنين وأماكن حساسة، تشير الوثيقة إلى وجوب التعامل مع هذه الأهداف المدنية التي يقصفها “العدو” أثناء الاشتباك.

حرب غزة 2007

4- الحروب الطارئة والعمليات المحدودة

تتعرَّض الوثيقة أيضًا لما سمتها المعارك التي قد يخوضها الجيش في أوقات الطوارئ والحروب. تقول الوثيقة أن المتوقع أن مثل هذه الحروب أو المعارك الطارئة من الغالب أنها ستكون من جانب التنظيمات المسلحة غير الدولانية كحزب الله وحماس. تلفت الوثيقة النظر إلى أن استعدادات الجيش الإسرائيلي في الحالتين (حالة الحروب مع تنظيمات وحالة الحروب مع جيوش) تكون نفس الاستعدادات. كما تلفت النظر إلى أن الجانب السياسي من إسرائيل (الحكومة) من الواجب أن يكون موجودًا أثناء هذه المعارك الطارئة. تؤكد الوثيقة مرة أخرى أنه حتى في هذه الحالات يجب الوصول لحالة الانتصار التي لا يستطيع فيها الخصم إلا أن يسلم بالشروط التي يفرضها الجانب الإسرائيلي.

تنوه الوثيقة مرة أخرى إلى الحالات التي سيجب فيها على الجيش الإسرائيلي خوض معارك محدودة وقصيرة المدى لتحقيق أهداف ومآرب سياسية.

5- آلية الحروب

وفقًا لرؤية الوثيقة، التي تعتمد أن إسرائيل قد تواجه عدة حروب مستقبلية مع دول لديها حدود معها أو دول بدون حدود معها أو مع تنظيمات مسلحة؛ فقد ارتأت الوثيقة أنّ الجيش الإسرائيلي يدرك أن هناك حاجة متوقعة منه في التنسيق بين أسلحته (الأذرع العسكرية) بشكل واضح لعدم تكرار الأخطاء التي وقع فيها سابقًا في حروبه. لهذا وضعت الوثيقة عدة بنود عن جهود الجيش أثناء الحروب، نذكرها كاملةً:

  • توفير ردود دفاعية في جميع الجبهات والقتالية في آنٍ واحد.
  • توفير الإمكانيات الهجومية للرد على العدو في أكثر من جبهة في وقت واحد. من خلال عدة عمليات: 1- برية فورية، و2- تشغيل قوة نارية مكثفة ودامية تستغل عنصر المفاجأة لمباغتة العدو. 3- هجمات مركزة وقوية في عمق أراضي العدو الداخلية وتنفيذ عمليات خاصة.
  • تأهيل الأجهزة الاستخباراتية من أجل تسهيل مهمة الجيش.
  • توفير الحدّ الأقصى من التهديدات للجبهة الداخلية للعدو. بما في ذلك التسبب في تشويش سير الحياة اليومية وتوجيه إنذارات له واستخدام مكثف لسلاح الطيران.
  • التدرب على آلية التزامن القتالي. بحيث تكون جميع أجهزة الجيش في حالة جاهزية تامة لخوض أي معركة قادمة.
  • الدعم اللوجيستي والاقتصادي لكل ذراع عسكري من أذرع الجيش.
  • التحقيقات واستخلاص العبر عبر تكثيف لجان التحقيق والاستماع والاستجواب في أعقاب كل عملية عسكرية للاستفادة منها في المواجهات العسكرية القادمة. (كانت قد شكلت لجنة فينوغراد للتحقيق في انتكاسات حرب لبنان 2006 وعرضت نتائجها علنيًا مما مثل صدمة للجنود والضباط وكذلك للجمهور. فتمت الاستعاضة عنها بلقاءات سرية بعيدة عن الإعلام حتى لا تؤثر على معنويات الجنود).
  • القيام بحملات إعلامية دعائية وقانونية قبل الحروب وخلالها لتحصيل المزيد من الشرعية الدولية لمعارك إسرائيل العسكرية.

ومن أجل هذه الرؤية قام الجيش الإسرائيلي باستحداث قيادة العمق في السنوات الأخيرة، وهي مكلفة بعدة مهام نجملها فيما يلي:

  • تخطيط وتنفيذ عمليات خاصة في عمق أراضي العدو. خلال أوقات الحروب أو الظروف الطبيعية. سواء في جبهة واحدة أو في أكثر من جبهة.
  • إعداد بنوك أهداف معدة في الجبهات القتالية المرشحة في أراضي العدو، لتكون جاهزة للاستهداف فور الطلب من قائد هيئة الأركان الإسرائيلي.
  • التركيز على أهمية أن يخوض الجيش الإسرائيلي في أراضي العدو عمليات سرية، دون الحاجة لإعلانها كما جرت العادة في السنوات السابقة.

6- الجهود الوقائية في الحروب

مع بداية الحروب التي لن يسعى إليها الجيش الإسرائيلي وفقًا للوثيقة، يجب أن يقوم الجيش في أوَّل رد فعل له بردِّ مباشر على أي هجمات يقوم بها العدو يكون الغرض من الرد المسّ به واحتلال أراضيه. وتدمير البنى التحتية والمؤسسات التي يستخدمها العدو. و 2- القيام بتنفيذ مهام محددة للقوات الخاصة.3- كما يبدو مطلوبًا وبشدة توفير الإمكانات الاقتصادية والمالية لمنح الجيش الإسرائيلي كامل الحرية والدعم في خوض المواجهات العسكرية دون إرباكه بالحسابات الاقتصادية. و4- يقوم الجيش الإسرائيلي بكل هذا لتثبيت مفهوم الردع لدى العدو بأن الحرب التي سيخوضها مع الجيش الإسرائيلي حرب خاسرة بالنسبة له، ويتشكل مفهوم الردع بالنسبة لإسرائيل وفقًا لكل عدو على حدة؛ لأنه يؤخذ بالنظر حجمه وقوته وقدراته القتالية وهويته وأيديولوجيته.

7- أهمية سلاح السايبر

تعطي الوثيقة مساحة كبيرة جدًا لمجال السايبر؛ فقد أصبحت حروب السايبر(الأمن الإلكتروني) جبهة قتالية جديدة لدى الجيش الإسرائيلي وأجهزته الأمنية، وحين الإشارة لأذرع الجيش الثلاث (البر والبحر والجو) يتم إلحاق سلاح السايبر بهم أثناء الوثيقة. وتنفق عليه مبالغ طائلة بعد تعرض إسرائيل لهجمات قرصنة من جهات معادية لها بالطبيعة. ويعتزم رئيس الأركان إيزنكوت تشكيل قيادة جديدة بسلاح جديد مستقل تحت اسم قيادة السايبر.

الخلاصة:

يمكن الخروج بأكثر من نقطة كخلاصة في هذا الموضوع:

  • أن الجيش الإسرائيلي تزامنًا مع التغيرات الجديدة في الإقليم ككل، غيَّر بعضًا من عقيدته القتالية. حيث أكدت الوثيقة أن الجيش لن يسعى لخوض الحروب إلا بشكل ردعي فقط. كما وُجِّهت أصابع العداوة نحو التنظيمات التي سمتها (دولانية) وهما حزب الله وحماس. بدلًا من توجيهه لإيران ولبرنامجها النووي.
  • ركزت الوثيقة على أن الجيش الإسرائيلي يجب أن يقوم ببناء قدراته بشكل دائم، وركزت على أهمية أن يقوم بتجديد سلاح المشاة ورفع قدراته القتالية.
  • هناك احتياج لعمليات تواصل بين الأذرع المختلفة للجيش الإسرائيلي. من أجل إنجاح العمليات العسكرية التي يقوم بها في جبهة واحدة أو عدة جبهات.
  • كما تؤكد الوثيقة أن الجيش سيقوم بإعداد إمكانياته لخوض معارك على عدة جبهات مرة واحدة.
  • يولي الجيش الإسرائيلي أهمية قصوى للأمن الإلكتروني، وسيقوم بإنشاء ذراع عسكرية خاصة به، بينما توزع مهامه الآن بين جهازي الاستخبارات وقسم التنصت والتجسس.

 

اقرأ أيضًا: 

إسرائيل: القصَّة الكاملة لتأسيس جيش من العصابات


عرض التعليقات
تحميل المزيد