في الرابع من سبتمبر (أيلول) الماضي، ظهر رئيس بلدية القدس التابعة للاحتلال الإسرائيلي نير بركات، يتوسّط تلاميذ عرب من القدس في «مدرسة العلا المختلطة» التي بنيت على أطلال مدرسة فلسطينيّة كانت تابعة للأوقاف الإسلامية في حيّ باب الساهرة بالقدس.

انطلق الأطفال العرب في غناء مجموعة من أناشيد افتتاح المدرسة باللغة العبرية، لتتوزّع على إثر هذه الأناشيد «ابتسامات النصر» على وجه المسؤول الاسرائيلي نير بركات؛ فقد بدأت هذه المدرسة عامها الدراسي الحالي بتدريس المنهاج الإسرائيلي بشكل كامل، ماضية نحو ضخّ الرواية الإسرائيلية في الجغرافيا والتاريخ والمدنيات في عقول الأطفال العرب، ضمن خطة «أسرلة» التعليم في القدس الشرقية المحتلة بشكل تام.

«إسرائيل» تتدخل بفظاظة في مدارس القدس الشرقية

لم تكن المدرسة سابقة الذكر وحدها الذي تمكّن الاحتلال من تهويدها؛ فسبق وأن نجح بإنشاء مدرسة نوعية هي مدرسة «ماكس ريان يد بيد» وهي مدرسة ثنائية القومية واللغة تدعو إلى ما تسمّيه «التعايش» بين اليهود والفلسطينيين، و يدعمها الصندوق اليهودي الجديد برعاية رئيس بلدية القدس الأسبق تيدي كوليك.

شيّدت هذه المدرسة على الخط الفاصل بين القدس الشرقية والغربية، بين الحي اليهودي «بات» و«بيت صفافا» الفلسطيني، حيث الخط الأخضر الذي يحدد الأراضي التي احتلت بعد عام 1967، وهي ضمن مشاريع تأتي لتنفيذ برنامج الاحتلال الذي يهدف «لشد أزر السيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية وتقوية ارتباط 300 ألف مواطن فلسطيني بدولة إسرائيل، ويشمل البرنامج في إطار التربية والتعليم تقوية تعليم سكان المدينة الفلسطينية اللغة العبرية، وزيادة استخدام الحاسوب في الصفوف» كما جاء في موقع «المصدر» الإسرائيلي.

تقول الباحثة في مجال التربية والتعليم والمحاضرة في الجامعة العبرية سميرة عليان: إن «الهدف الحقيقي هو التدخل لمنع أي رواية فلسطينية، ومنع خلق هويّة جماعية وطنية لدى طلاب شرقي القدس. وتعتبر الرقابة التي تمارس في المدارس الابتدائية وحتى الصف العاشر في مدارس شرقي القدس جزءًا من التوجّه الكولونيالي للاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى إلى إظهار سيطرة القوة».

الإسرائيلي نير بركات رفقة طلبة عرب

وتتابع عليان القول لموقع «عرب 48»: «إن اختيار أسلوب الرقابة يظهر أنّ إسرائيل تفضّل التدخل الفظّ بمواد التعليم التي تقدمها السلطة الفلسطينية على إيجاد حل تربوي يليق بـ(دولة ديمقراطية)، ناهيك عن أن ذلك لا يتفق مع غياب الرقابة في الصفوف العليا، التي تتسامح معها لأن موادها ضرورية لامتحانات التوجيهي. وعندما فشلت سياسة الرقابة، انتقلت إلى عملية فرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس».

يذكر أن مسئولية إدارة مدارس القدس الشرقية تتوزع بين أربع جهات، هي وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والتي توفّر التعليم الأساسي للأطفال المقدسيين، تليها وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية التي تتسلم مسئولية مدارس الأوقاف في القدس، ثم وزارة المعارف وبلدية القدس التابعتان للاحتلال، ورابعًا القطاع الخاص.

تلميذات في إحدى مدارس القدس – المصدر: الجزيرة

ويلتحق بمدارس القدس الشرقية أكثر من 85 ألف طالب وطالبة، ويظهر إحصاء مؤسّسة فيصل الحسيني المستقلّة في القدس أنه يبلغ عدد مدارس القدس الشرقيّة 228 مدرسة، وحسب الإحصاء الصادر في أبريل (نيسان) 2017: «تحتلّ مدارس البلديّة الإسرائيليّة ووزارة المعارف الإسرائيليّة المركز الأوّل في نسبة استقطاب الطلبة الفلسطينيّين؛ إذ تبلغ 44,5% في 70 مدرسة إسرائيليّة، فيما تمتلك وزارة التربيّة والتعليم الفلسطينيّة 49 مدرسة يدرس فيها 14% فقط من الطلّاب الفلسطينيّين. أمّا بقيّة الطلبة الفلسطينيّين فيدرسون إمّا في مدارس خاصّة، أم في مدارس تابعة لــ(الأونروا)».

«قد يوازي أهمية قرار القدس».. لماذا قطعت واشنطن مساعداتها السنوية عن «الأونروا»؟

المنهاج الإسرائيلي.. الرواية الإسرائيلية السائدة

سعت دولة الاحتلال بعد احتلالها للقدس في العام 1967 لفرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس الفلسطينية التي كانت تدرس آنذاك المنهاج الأردني، لكنها واجهت رفضًا كبيرًا من أولياء الأمور ومدراء المدارس لهذا المنهاج المعروف باسم «البجروت»، والذي يتضمّن موضوعات التاريخ والجغرافية والمدنيات والثقافة من وجهة النظر الإسرائيلية، ولا يقدم ألبتة أية معلومات حول الثقافة والتراث الفلسطيني العربي.

طالبات يمررن من حاجز لقوات الاحتلال في القدس، المصدر – شبكات التواصل الاجتماعي

لكن مع مرور الوقت، غيّرت دولة الاحتلال من أساليبها لتنفيذ خطة فرض المنهاج الإسرائيلي، تارة بالترغيب كأن تقايض المدارس العربية بالمساعدات المالية مقابل تعليم المنهاج الإسرائيلي، إذ من السهولة حين قبول ذلك توفير معلّمين للغة العبرية، وتوفير سفريات مجانية للطلاب، ونشاطات متعددة مجانية، وتارة باستخدام أسلوب الترهيب كإجبار العاملين في المدارس الخاضعة لمسؤولية المعارف الإسرائيلية بتطبيق قواعد يضعها الاحتلال، وفصل كل من يخالفها.

وقد حقّقت هذه الأساليب بعضًا من أهدافها في ظل العجز عن تسديد الضرائب الباهظة المفروضة على المدارس المقدسية، وبسبب الوضع الصعب للسلطة الفلسطينية الذي يعدّ أحد أهمّ عوامل نجاح دخول المنهاج الإسرائيلي لمدارس القدس.

وقد خصصت دولة الاحتلال ملياري شيكل في مايو (أيار) الماضي ميزانيةً للقدس، على أن يذهب جزء كبير من هذه الأموال لـ«أسرلة» الجهاز التعليمي في القدس، عبر تشجيع المدارس للانتقال من المنهاج الفلسطيني للمنهاج الإسرائيلي، ولتحقيق هذا الهدف «كان من بين هذه الميزانية 68.7 مليون شيكل لدعم مؤسسات تربويّة تدرّس المنهاج الإسرائيلي، بالإضافة إلى تخصيص 57.4 مليون شيكل لصيانة المدارس التي تعلّم المنهاج الإسرائيليّ، و67 مليون شيكل لاستئجار مبانٍ لدعم تلك المدارس، و15 مليون شيكل لتحفيز الطلاب لدراسة اللغة العبريّة».

وفي ظل هذه المعطيات، أصبح الطالب المقدسي الذي يعاني من ظروف اقتصادية صعبة يفكر باختصار الطريق والذهاب إلى المدارس ذات المنهاج الإسرائيلي؛ لاعتقاده بأن ذلك سيساعده في الالتحاق بالجامعة العبرية التابعة للاحتلال، ومن ثمّ سهولة الحصول على فرص عمل، إذ إن الفرصة مرهونة بتعلّم اللغة العبرية التي يوفرها المنهاج الإسرائيلي؛ فحالة الفقر التي يعاني منها أهالي القدس تجعلهم غير قادرين على تحمل نفقة تعليم أولادهم خارج المدينة، ولذلك يريدونهم أن يتعلموا ويندمجوا في جهاز التعليم الموجود داخل المدينة، وفي المحصلة نجحت وزارة المعارف الإسرائيلية في استغلال هذه الأوضاع الصعبة التي يعاني منها سكان شرقي القدس، فوظّفت القدرات لتمرير منهاج التعليم الإسرائيلي في أكبر عدد من المدارس.

عبد الحميد الثاني.. قصة السُلطان «المُستبد» الذي رفض بيع القدس

الهدم والضرائب ومصادرة الأساسيات لعقاب مدارس القدس

في وسط أزمة حي الخان الأحمر الذي يصرّ الاحتلال على هدمه، برزت مشكلة إصرار الاحتلال على هدم مدرسة الخان الوحيدة الأساسية؛ إذ سلّم الاحتلال «مدرسة الإطارات» أكثر من إخطار هدم منذ تشييدها، وهو استهداف يأتي ضمن إطار عمل الاحتلال الممنهج ضد قطاع التعليم، وخاصّة نيله من المدارس الواقعة في المناطق المسماة (ج)، ولإقصاء المدارس الفلسطينية ومحاصرتها والسيطرة على التعليم في المدينة.

طالبات مقدسيات في شوارع القدس – المصدر: فلسطين اليوم

وتصرّ قوات الاحتلال على هدم المدرسة التي شيدت في العام 2009 من إطارات السيارات المستعملة والطين، وهي مدرسة تخدم ما يزيد على 170 طالبًا وطالبة من خمسة تجمعات محيطة، وهي تتألف من تسعة صفوف دراسية.

كذلك أقدمت سلطات الاحتلال في يوليو (تموز) الماضي على مصادرة محتويات «المدرسة النظامية الأساسية» الواقعة في حي شعفاط (شمال القدس)، إذ نزع الجنود أجهزة الحاسوب والطابعات والآلات بحجّة تراكم الضرائب الإسرائيلية المعروفة بـ«الأرنونا»، وهي ضرائب تعفى منها المدارس الإسرائيلية في القدس. يقول مدير مكتب التربية والتعليم في المدينة المحتلة سمير جبريل: «كانت تصلنا إشعارات بالدفع، لكن هذا غير قانوني، لذلك لم نكن نتجاوب معها، نحن نقدم تعليمًا مجانيًا لأبناء وبنات المدينة، وهي مؤسسات غير ربحية».

وحسب تقرير أعدته «جمعية حقوق المواطن» فإن جهاز التعليم في القدس يعاني من نقص حاد في الغرف والمباني يقدر بحوالي ألف غرفة تدريسية، كما أن هناك نقصًا في الملاكات التعليمية والتربوية؛ مما يؤثر على سير العملية التعليمية، كما أنه من المشاكل التي تواجه التعليم المقدسي تنامي نسبة التسرّب والتسريب خاصة في المراحل العليا التي تجاوزت أكثر من 50% بين أبناء المدينة، وذلك بسبب جذب سوق العمل الإسرائيلي لهم، وأيضًا النقص في عدد المدارس، والغرف الصيفيّة الضيقة التي تفتقر للشروط الصحية والسلامة التربوية.

فحسب إحصاءات الجهاز الإسرائيلي المركزي للمحاسبات، فإن «قرابة نصف الصفوف الموجودة غير مستوفاة لأبسط الشروط المطلوبة، كما أن عدد تلاميذها يزيد بنسبة الثلث عن مثيلاتها في الأحياء اليهودية في المدينة ويضطر التلاميذ الفلسطينيون إلى حضور فترتين صباحية ومسائية في بعض الحالات».

كما يزيد من معاناة هذا القطاع، التشتّت الإداري الناجم عن افتقار المدينة لمرجعية موحّدة لإدارة العملية التربوية؛ إذ تفرض سلطات الاحتلال نفسها من خلال مدارس المعارف والبلدية، وكذلك تعتبر السلطة الفلسطينية شرقي القدس جزءً إداريًا من الضفة الغربية، ولكن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية لا تدير بشكل فعلي إلا مدارس الأوقاف، وتتعاون مدارس وكالة الغوث مع توجّهات هذه الوزارة الفلسطينية.

تحجيم النفوذ التركي في القدس.. مهمة تل أبيب العاجلة بعد فوز أردوغان

«إسرائيل» تغلق بيدها مؤسسات الأونروا في القدس

يظن البعض أنّ الموقف الإسرائيلي تجاه قضيّة وقف الدعم عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) اقتصر على تحريض الإدارة الأمريكية على إجراءاتها الأخيرة التي أنهت في أغسطس (آب) الماضي الدعم المالي الأمريكي السنوي للأونروا.

لكن الحكومة الإسرائيليّة كانت قد اتّخدت بالفعل خطوات عملية ضد مؤسسات الأونروا في منطقة القدس الشرقية من أجل إغلاق مكاتب الوكالة، فقد أعلن قبل أيام بشكل رسمي رئيس بلدية الاحتلال بالقدس، نير بركات اعتزام دولته إغلاق مؤسسات الأونروا التعليمية والصحية والخدمات الاجتماعية في القدس، ومصادرة كل ممتلكاتها وتحويلها إلى «السيادة الإسرائيلية»؛ إذ تملك «الأونروا» في القدس الشرقية سبع مدارس أين يتعلّم أكثر من ألفي طالب وطالبة، ولديها عدّة مراكز صحية وللخدمات العامة والاجتماعية، ومكاتب ومراكز مختلفة.

وردًا على هذا الموقف، حذّرت «الاونروا» من خطورة الموقف الإسرائيلي، وقال الناطق باسمها كريستوفر غينس: «حافظت «الأونروا» باستمرار على عملياتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية منذ عام 1967، بالتعاون مع إسرائيل وبناءً على طلبها والاتفاقات الملزمة التي تحكم هذه العمليات»، وتابع القول: «مثل هذه الرسائل من قبل الشخصيات المنتخبة العليا في إسرائيل، غير مسؤولة وبالغة الخطورة».

ويرى أستاذ العلوم السياسة في جامعة القدس سعيد زيداني أنه «بعد إعلان أمريكا وقف تمويل «الأونروا»، تسعى حكومة الاحتلال إلى استبدال مدارس ومناهج الأونروا بأخرى إسرائيلية، وتريد فرض تعليم اللغة العبرية، وهكذا، هذه المساعي تواجه بصمود مقدسي؛ إذ يرفض المواطنون الفلسطينيون في القدس هذه الأفكار والمخططات»، وتابع القول لصحيفة «فلسطين» المحلية: «واقع الحياة في مدينة القدس، يساعد حكومة الاحتلال في فرض سيطرته؛ إذ لا وجود لمؤسسات السلطة الفلسطينية بحسب الاتفاقات الموقعة بينها وبين الاحتلال، عدا أنها لا تعمل بما يكفي لمناهضة المخططات الإسرائيلية التي تنفذ يومًا بعد يوم».

أزمة «الأونروا».. هل قررت الولايات المتحدة تصفية قضية اللاجئين بعد القدس؟

المصادر