في 21 من يونيو (حزيران) الماضي، سحبت الحكومة البحرينية الجنسية من عيسى القاسم، الزعيم الروحي لشيعة البحرين، في قرار أثار انتقادات دولية، وتهديدات إيرانية وشيعية باستخدام «المقاومة المُسلحة»، ضد السلطات البحرينية.

يونيو شهر الإجراءات المشددة

منذ بداية شهر يونيو (حزيران)، تتخذ السلطات البحرينية إجراءات مشددة ضد معارضيها الشيعة، متهمة إياهم بالتعاون مع إيران، ونشر خطاب الكراهية والطائفية، والتحريض على العنف ضد الدولة. وقبل أسبوع من إسقاط الجنسية عن القاسم، علّقت السلطات أنشطة جمعية الوفاق، أكبر جمعية شيعية معارضة، وأغلقت مكاتبها، وضاعفت من عقوبة السجن الصادرة ضد رئيس الجمعية، علي سلمان، بعد الحكم عليه بالسجن تسع سنوات.

كما سنّت السلطات قانونًا جديدًا، يمنع الزعماء الدينيين من عضوية الجمعيات السياسية، وأعادت اعتقال الناشط نبيل رجب، المعارض لها. وفرضت حظر سفر على النشطاء الذين كانوا يستعدون لحضور جلسات مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، في جنيف خلال الشهر الماضي.

ويوم الأربعاء الماضي، الموافق 29 يونيو (حزيران)، أصدرت محكمة بحرينية حكمًا بالسجن المؤبد لستة أشخاص، و15 عامًا لشخصين آخرين، وبإسقاط الجنسية عنهم جميعًا، بعد اتهامهم بعدة تهم أبرزها: التخابر مع إيران، وتأسيس جماعة «إرهابية». وكثيرًا ما تلجأ السلطات البحرينية لإسقاط الجنسية، عن معارضيها الشيعة، فتم إسقاطها عما لا يقل عن 250 شخصًا، أُدينوا بالعنف بحسب محاكم بحرينية.

واتهمت الحكومة «القاسم» بالتحريض على العنف والطائفية، واستغلال «المنبر الديني الذي أقحمه في الشأن السياسي لخدمة مصالح أجنبية»، بحسب بيان  وزارة الداخلية البحرينية. وفي اليوم التالي لإسقاط جنسيته، قال خليفة بن سلمان آل خليفة، رئيس الوزراء البحريني، في كلمة له  أمام مجلس الوزراء: «لا مكان لمن يحرض على الخروج عن حكم القانون أو يهدد سلامة البلاد، ولا مكان لمن يعمل من أجل الإضرار بسمعة الوطن، وتشويه واقعه الحقوقي والديموقراطي المتطور».

انتقادات أممية ودولية وسط تهديد شيعي باستخدام العنف

عقب القرار، تظاهر آلاف الشيعة أمام منزل «القاسم» للتضامن معه، ورفض قرار سحب الجنسية منه، وتصاعد الخطاب الشيعي المُهدد باستخدام «المقاومة المُسلحة»، إذ أعلنت الخارجية الإيرانية أن القرار «يقضي على كل أمل في الإصلاح عن طريق الحوار والطرق السلمية»، واستخدم اللواء قاسم سليماني، القيادي بالحرس الثوري الإيراني، لغة أكثر شدة، عندما اعتبر أن القرار «يُشعل النار في البحرين والمنطقة، ولن يترك مجالًا للشعب هناك غير المقاومة المسلحة» مُحذرًا من اندلاع ما أسماه بـ«انتفاضة دموية».

وفي السياق ذاته، أفاد حزب الله اللبناني بأن القرار سيكون له عواقب وخيمة، داعيًا الشعب البحريني «للتعبير عن غضبه وسخطه»، وامتد الغضب الشيعي إلى علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، الذي وصف يوم الأحد الماضي القرار بـ«الحماقة الفجة والبلاهة»، مُضيفًا: «مهاجمة الشيخ قاسم تعني إزالة كل العوائق أمام شبان البحرين الأبطال لمهاجمة النظام».

من جانبها، انتقدت الأمم المتحدة القرار واعتبرته «غير مبرر»، وقالت رافينا شامداساني، المتحدثة باسم مكتب حقوق الإنسان التابع للمنظمة: «نشعر بقلق بالغ إزاء قمع حرية التعبير والتجمع وحق الاحتفاظ بالجنسية». كما أعربت واشنطن، التي تعتبر البحرين حليفًا لها، عن «قلقها الشديد» إزاء القرار، ونفى جون كيربي، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، وجود دليل على مصداقيته. ودعت منظمة هيومن رايتس واتش السلطات البحرينية إلى العدول عن القرار، واصفة إياه بـ«التعسفي» و«يوصد باب الإصلاح السياسي».

من ناحية أخرى، أعلن مجلس الوزراء السعودي دعم المملكة، للإجراءات القضائية البحرينية لـ«محاربة الإرهاب والتطرف». ولم يكن الدعم السعودي للقرار مُستغربًا، في ظل انقطاع العلاقات بينها وبين إيران، بعد إعدام المملكة للقيادي الشيعي نمر النمر، ودعم السعودية المتواصل للأسرة السنية الحاكمة في البحرين.

خلفية الصراع ومآلاته المتوقعة

يحكم مملكة البحرين، ذات الأغلبية الشيعية، أسرة آل خليفة السُنّية، وفي 14 فبراير (شباط) لعام 2011، وبعد نجاح ثورتي تونس ومصر في إسقاط رئيسيهما، اندلعت احتجاجات شيعية مناهضة للأسرة الحاكمة، واجهتها السلطات البحرينية بإجراءات أمنية صارمة، وبمساعدة سعودية، وسط اتهامات رسمية بــ«دعم إيراني» للاحتجاجات، وبعد فتح تحقيق دولي، حول كيفية تعامل السلطات البحرينية تجاه احتجاجات 2011، أجرت المملكة بعض الإصلاحات السياسية، وفتحت مجالًا للحوار السياسي، مع أحزاب المعارضة الشيعية.

ووصلت تلك الجهود السياسية لطريق مسدود، وانتهت المحادثات في 2013، دون أن يتوصل الطرفان لاتفاق سياسي. وانسد الأفق السياسي بشكل أكبر، في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2014، عندما أعلنت جمعية الوفاق، أكبر جماعة شيعية معارضة، وثلاثة أحزاب أخرى مقاطعتهم للانتخابات البرلمانية، باعتبار أن صلاحيات البرلمان «غير كافية»، ولأن تقسيم الدوائر «جاء في مصلحة الأقلية السنية»، وفقًا للأحزاب الشيعية المنسحبة. وجاء هذا الانسحاب بالرغم من تحذير بريطانيا مما قد ستواجهه الجماعات الشيعية من مصاعب، نتيجة رفضهم المشاركة في النظام السياسي القائم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد