إلى حد الهوس ربما، انغمس الكثير من الإسرائيليين في مشاهدة المسلسل التركي «عروس إسطنبول» حتى أُحصي مليون مشاهدة لهذا المسلسل بينهم، فهم يتحدثون عنه في مناقشات طويلة تجري في كل مكان، في المنازل، والمقاهي، وفي أماكن العمل، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي.

فإذا ما تصفحت مثلًا على «فيسبوك» صفحة «عروس إسطنبول، للمدمنين فقط» التي أنشأها إسرائيليون، فستجد نفسك تحدق بأكواب مزينة بصور فاروق بوران (بطل المسلسل)، وكذلك صور لإسرائيليين زاروا أماكن تصوير المسلسل في تركيا، ومعلومات حول ماركات ملابس بطلة المسلسل التركية، والكثير من تفاصيل الهوس الإسرائيلي بالمسلسل.

أكثر من مليون إسرائيلي أدمنوه

لم تمنع العلاقات الإسرائيلية التركية المتوترة أكثر من مليون إسرائيلي عن مشاهدة المسلسل التركي «عروس إسطنبول»، فقد أصبح هذا المسلسل حديث الساعة بالنسبة للمهووسين بالدراما التلفزيونية من الإسرائيليين.

وتسبب الهوس بالمسلسل في جعل بورصة المدينة الواقعة في شمال غرب تركيا، والتي جرى فيها تصوير المسلسل وجهة سياحية للإسرائيليين، حيث سهلت الشركات السياحية المختلفة الرحلات والجولات الفاخرة في الأماكن التي جرى فيها تصوير سلسلة حلقات «عروس إسطنبول».

كما تحدث الإعلام الإسرائيلي عن وصول قريب لأبطال المسلسل إلى إسرائيل دون تأكيد من طرف الأتراك لهذه الزيارة، وهي زيارات تأتي في المجالات الثقافية والرياضية بغية خلق علاقات طبيعية تقود إلى جو تطبيعي كامل، خاصة بعد تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية، إثر حادثة سفينة مرمرة التي اعترضتها إسرائيل خلال رحلة تضامنها في 31 مايو (أيار) 2010 مع قطاع غزة المحاصر إسرائيليًّا.

الإسرائيلية شيلان ذهبت إلى تركيا والتقطت الصور في مواقع تصوير المسلسل- يديعوت أحرونوت

ويؤكد تقرير لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن الاهتمام بهذا المسلسل وصل إلى مستوى عالٍ من الهستيريا، إذ «لا ينتظر هؤلاء المدمنون على المسلسل حتى تتم الترجمة إلى العبرية ليشاهدونه عبر بث قناة تركية في الإنترنت، فقد أصبح هذا المسلسل ظاهرة ثقافية: تُجرى في مواقع التواصل الاجتماعي نقاشات حول حبكته والرسائل التي ينقلها في إطار مجموعات لفتيات تشارك فيها عشرات آلاف المشاركات».

وجاء في التقرير المعنون بـ«عودة الأتراك، لقد جعلوا جميع الإسرائيليين مدمنين»: «دفعت الهستيريا الإسرائيلية التي تحيط بالدراما التركية، مشاهدي هذا المسلسل إلى السفر في أمل يائس للحصول على صورة شخصية مع فاروق (بطل المسلسل) نفسه، وحاول الفنانون المحتالون أن يفرضوا على السياح 200 دولار للجولة المنظمة التي تشمل فرصة لرؤية المجموعة».

تقول الإسرائيلية سيغاليت شيلان (48 عامًا) أنها ذهبت إلى تركيا لعشقها هذا المسلسل، وزارت القصر الذي جرى به تصويره، كما التقطت صورًا في المقهى الذي التقى به فاروق لأول مرة مع حبيبته، ونشرت هذه الصور على مجموعة «فيسبوك»، وفي معرض ردها على سؤال حول شعورها بالعداء للأتراك لكونها إسرائيلية، أجابت: «هم عكس ما يظهر في وسائل الإعلام، السياسة لا تهمهم، تحدثوا إلينا برحابة، وأخذونا في جولة، والتقطنا الصور معًا».

أما الإسرائيلي جايل إليس (38 عامًا) الذي يدير أكبر مجموعة خاصة بالمسلسل على «فيسبوك»، «العروس من إسطنبول- للمدمنين فقط!» فيقول: «أشعر أنه في كل مكان يتحدثون عنه: في العمل، في مصفف الشعر، في السوبر ماركت، هناك نساء أخبرنني أنه غير حياتهن».

كيف يهدد مقتل خاشقجي نفوذ إسرائيل في الشرق الأوسط؟

هل يكون سببًا في تحسن العلاقات بين أنقرة وتل أبيب؟

وتدور أحداث المسلسل التركي «عروس إسطنبول» حول فتاة ريفية تدعى ثريا تعاني من مشاكل عائلية، وأخرى خاصة ناجمة عن تعرضها للاغتصاب وهي صغيرة، وتحلم ثريا أن تعيش في إسطنبول وتتزوج رجلًا ثريًّا، يحقق أحلامها، وهو الحلم الذي يبدأ في التحقق حين يظهر في حياتها رجل أعمال يدعى فاروق يقع في حبها، لكن سرعان ما تكتشف ثريا أن فاروق تعمد الظهور في حياتها لمحو آثار الماضي السيئ الذي تسبب به لها في صغرها، كذلك تعترض رغبته تلك مجموعة من الظروف ناجمة عن رفض عائلته المقيمة في قصر بوران زواجه من فتاة فقيرة.

يعتقد الناقد الأدبي ومدير وحدة «المشهد الإسرائيلي» في «المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)»، أنطوان شلحت بوجود مستوى فني رفيع عند الإسرائيليين، ويقول: «الدراما التركية قطعت شوطًا فنيًّا بعيدًا في إسرائيل، يضاف إلى ذلك أن الإسرائيليين في المتوسط لديهم ثقافة مشاهدة أعمال درامية، ولديهم قفزة في الإنتاج الدرامي التلفزيوني في السنوات الأخيرة، ما يزيد من ترسيخ ثقافة المشاهدة».

ويضيف شلحت الذي ألف مجموعة كتب في مجال النقد الأدبي لـ«ساسة بوست» أنه: «كذلك لا بد من التنويه بأن الإسرائيلي المتوسط منكشف إلى درجة كبيرة على تركيا، وبالأساس من الناحية السياحية ما يجعل إمكان مشاهدة مسلسل تركي أوفر حظًا من إمكان مشاهدة مسلسل آخر».

من جانبه، يقول الباحث في الشأن الإسرائيلي طارق سفيان إنه «برغم أن متابعة المسلسلات التركية هي ظاهرة عند الإسرائيليين فإن مسلسل «عروس إسطنبول» أثره يفوق كل شيء آخر عندهم، فللمسلسل شعبية كبيرة، حتى إن أشهر المطربين هناك، وهو إيال جولان تنافس مع آخرين على من يحضرهم أولًا ليقدم عرضًا برفقتهم، كما أن أحد المعلقين الإسرائيليين على أخبار المسلسل تمنى أن يكون سببًا في تحسين العلاقات بين الجانبين».

كما يشير سفيان – المقيم في القدس المحتلة- إلى دور ما يعرف بـ«تمشرق» المجتمع الإسرائيلي، بمعنى أن كثرة اليهود الشرقيين في إسرائيل دفعت نحو ظهور ثقافتهم وتأثيرها في الآخرين، ويوضح الباحث المقدسي خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «أشعر أن تركيا تتحرك في بعد آخر لا تستطيع تصوراتنا السياسية في العالم العربي استيعابه، ذلك هو بعد التعددية في المجالات السياسية والاجتماعية، وهو بعد لم تستطع أفكارنا نحن العرب المعاصرين الانتقال إليه، كوننا أحاديين جدًّا في فهمنا لطبيعة الدولة والمجتمع، ففي كثير من الأحيان يصعب علينا تصور منظومات تحتوي على تناقضات مبدئية وسلوكية، مع أن هذا هو الأصل في الاجتماع الإنساني».

قيامة أرطغرل بن سليمان أم أنجين ألتان؟ دراسة عن متابعي المسلسل الأكثر مشاهدة

رسائل اجتماعية وثقافية للمسلسل

يركز مسلسل «عروس إسطنبول» على صراع الأسرة بوصفها وحدة اجتماعية اقتصادية، مقابل رغبات الأفراد الذين يشكلونها في تخطي رغبات هذه الوحدة، وهو ما ينجم عنه صراع بين القيم المحافظة والحداثة، ذاك الصراع السياسي والاجتماعي الرائد في تركيا منذ أيام مؤسسها كمال أتاتورك، ويتجسد ذلك في المسلسل في الجدل حول وضع المرأة أمام الهيمنة الذكورية.

يقول الكاتب والصحافي المقيم في الناصرة حامد اغبارية إن قصة المسلسل تبدو في ظاهرها بسيطة وعادية، لكن عندما تغرق في التفاصيل، وتتابع الحوار ومظاهر الممثلين وسلوكياتهم، تجد أنه يحمل رسائل من تلك التي يعشقها مجتمع متحلل من القيم مثل المجتمع الإسرائيلي.

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «إنها معركة ثقافات، والمسلسل يحمل فكرة وثقافة مناقضة للتوجهات التي تعيشها تركيا منذ أكثر من 10 سنوات، وهي توجهات ذات طابع إسلامي، حريص على القيم والأخلاق الإسلامية والمظاهر الإسلامية. وعندما يأتي مسلسل كهذا يشذ عن المظهر العام للمجتمع التركي الجديد- القديم، فإنه يسعى بالتأكيد إلى فرض أجواء مغايرة لما يريده الشعب التركي».

ويشدد اغبارية على أن مسلسل «عروس إسطنبول» يتناول في أحد جوانبه الأساسية مكانة المرأة التركية، والطابع العام للمجتمع التركي، الذي يريده الغرب والإسرائيليون بشكل خاص بوصفه مجتمعًا علمانيًّا، بلا قيم ولا أخلاق ولا مبادئ، مضيفًا: «هذا في ظني ما حدا بالإسرائيليين إلى متابعته، خاصة وأن المجتمع الإسرائيلي يتأثر سريعًا بالإعلام، وقد عمل الإعلام العبري على الترويج للمسلسل، وكال له المديح، بهدف تحقيق جملة من الأهداف التي تخدم الأجندة الإسرائيلية في مواجهة سياسات الدولة التركية».

ويتابع رئيس تحرير صحيفة «صوت الحق والحرية» القول: «لا أستغرب إذا ما اكتشفنا ذات يوم أن هناك جهات لها علاقة بالصهيونية العالمية تقف وراء المسلسل تمويلًا وفكرًا ورواية. ليس بالضرورة أن هذا سيحدث، ولكن تجارب الماضي تقدم لنا مواقف مشابهة تبين أن جهات وشخصيات صهيونية كانت تقف وراء أعمال فنية – وغير فنية بطبيعة الحال- لتحقيق أهداف سياسية. ولنا في أفلام هوليوود المسيئة للعرب والمسلمين والفلسطينيين خير مثال».

وبالإشارة إلى موقف القيادة السياسية والإعلام والمجتمع في إسرائيل من سياسات الحكومة التركية الحالية، يتخذ هؤلاء – حسب اغبارية- موقفًا رافضًا وناقدًا لمسلسلات تركية حققت نجاحات كبيرة، وقدمت رواية ذات أبعاد وطنية وقومية ودينية، خاصة وأنها ذات طابع تاريخي، له علاقة بالدور الصهيوني واليهودي في الأحداث التاريخية.

ويوضح اغبارية أنه في الوقت الذي ينشغل فيه الشارع الإسرائيلي بمسلسل «عروس إسطنبول»، فإن هناك جهات إسرائيلية ذات شأن تتابع بالتفصيل كل كلمة، وكل حركة، وكل تعبير في مسلسل «السلطان عبد الحميد»، الذي احتجت عليه الحكومة الإسرائيلية أكثر من مرة، بحجة أنه يحمل طابعًا لاساميًا معاديًا لليهود والصهيونية، ومثله أيضًا مسلسل «قيامة أرطغرل»، معقبًا بالقول: «هكذا يجب أن تفهم الأمور. لا يمكن فصل الفن عن السياسة».

قيامة أرطغرل.. «غارة» تركية ناعمة أسرت قلوب العرب وعقولهم!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد