انتفاضة الخبز وفي أقوال الحاكم «انتفاضة الحرامية»، حدثت في الثامن عشر من يناير (كانون الثاني) عام 1977م، أي منذ حوالي 39 عامًا، في عهد الرئيس السادات

«انتفاضة الخبز»، وفي أقوال سرديَّة الدولة «انتفاضة الحراميَّة»، حدثت في الثامن عشر من يناير (كانون الثاني) عام 1977م، أي منذ حوالي 39 عامًا، في عهد الرئيس السادات، عقب إعلان الدكتور عبد المنعم القيسوني – نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية – قرارات رفع الدعم عن مجموعة من السلع الأساسية ومنها الخبز والسكر والشاي والأرز والبنزين، في بيان أعلنه أمام مجلس الشعب.

منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011م. وهي مثال تضربه الصحف المصرية والأجنبية لأكبر انتفاضات شعبية في مصر بعد الحكم الجمهوري. فحين بدأت ثورة يناير وصفتها الصحف المصرية والأجنبية بأنها أكبر انتفاضة شعبية في مصر بعد انتفاضة 1977م، وعقب تولي الرئيس السابق محمد مرسي حذرت وسائل الإعلام من قيام «ثورة جياع» على غرارها، ومع تردِّي الأوضاع الاقتصادية الحالية في مصر انتشرت دعوات «ثورة الغلابة» على شبكات التواصل الاجتماعي، التي انتشرت وذاع صيتها إعلاميًا. فهل تتشابه ظروف دعوة ثورة الغلابة مع انتفاضة الخبز التي حدثت في سبعينيات القرن الماضي؟ وإلى أي مدى؟ وهو ما سنحاول أن نجيب عنه في السطور القادمة.

كيف كان حال المواطن المصري اقتصاديًا في السبعينيات والآن؟

كان مرتب خريج الجامعة المتخرج حديثًا عند بداية تعيينه (17جنيهًا في أول السبعينيات) يشتري 50 كيلوجرامًا من اللحم، ونحو 45 جرامًا من الذهب، و425 جرامًا من الأرز. وقيمة ذلك الحالية هي أن 50 كيلو جرامًا من اللحم تكلف 4750 جنيهًا. و45 جرام ذهب تكلف حاليًّا حوالي 27 ألف جنيه وأكثر. أما الأرز فـ425 كيلو جرامًا من الأرز يكلف 3719 جنيهًا تقريبًا. أما في أواخر السبعينيات، عام 1978م كان مرتب خريج الجامعة الذي عُين بإحدى الوزارات براتب 28 جنيهًا، يشتري 35 كيلو جرامًا من اللحم أو 560 كيلو جرامًا من الأرز في هذا العام. وهو ما يكلف حاليًا 3150 جنيها لشراء اللحم و 4900 جنيه لشراء الأرز.

فمرتب المعينين حديثًا ومن هم في مقتبل حياتهم المعادل إذا لمرتب أوائل السبعينيات – وفقًا لقدرة الأجر الشرائية لسلعتي الأرز واللحوم – هو ما بين 3719 جنيهًا إلى 4750 جنيهًا شهريًا، أما المعادل لفترة أواخر السبعينيات هو ما بين 3150 جنيهًا إلى4900 جنيه شهريًا، وذلك بصرف النظر عن فارق القدرة الشرائية على شراء الذهب. أما الأجور حاليًا، فعلى سبيل المثال: يحصل الطبيب المتخرج حديثًا على 2000 جنيه فقط أما أجر المعلم فيتراوح بين 500 جنيه إلى 2000 جنيه.

وبالنظر إلى الحد الأدنى للأجور في مصر نجد أنه 1200 جنيه – والذي لا يطبق على كافة العاملين بالدولة – وهو ما بدأ تطبيق العمل به منذ عام 2014. بالإضافة إلى ذلك فهناك أكثر من 11,8 مليون مواطن ينفقون شهريًا أقل من 333 جنيهًا وفقًا لمعلومات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء التي أشارت أيضًا إلى أن 27,8% من السكان في مصر فقراء، لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية، وتعد هي النسبة الأعلى للفقر منذ عام 2000.

وإن كان البعض يعد من أسباب تفاقم الأزمة في عهد السادات، زيادة معدل البطالة إلى أقصى معدلاته، فإن معدلات البطالة بين الشباب وصلت مؤخرًا إلى نسبة 78% من نسبة العاطلين عن العمل وأعمارهم بين 15 و29 عامًا وفق تقرير اليونيسيف لعام 2013، وأن 90% من هؤلاء يحملون شهادات جامعية وأكاديمية. وأظهرت تقارير أخرى – منظمة العمل العربية والأمم المتحدة – أن معدل البطالة وصل إلى 25% خلال عام 2014.

توجيه القوى العمالية والطلابية للأحداث

كانت الحركة العمالية لا تزال بقوتها في عهد السادات، وتلعب دورًا كبيرًا في مجرى الأحداث، كما كان لها قوة لا يستهان بها، وطالبت مع مطالبها الفئوية مطالب أخرى عامة. وقد سبقت انتفاضة الخبز عدة إضرابات عمالية – تظهر لنا قوة هذه الفئة – منذ أول يناير (كانون الثاني) 1975، أضرب عمال حلوان واحتلوا مصانعهم وطالبوا بالحد من التفاوت يبن أجور العمال والإدارة، وطالبوا بحرية الصحافة وإقالة رئيس الوزراء. وفي مارس (آذار) من العام نفسه أعلن 27 ألف عامل من عمال شبرا الخيمة الإضراب وتبعهم عُمَّال النسيج في المحلة الكبرى، وفي أبريل (نيسان) أضرب عمال مصنع السكر بنجع حمادي بسبب إلغاء ساعة الراحة لأنها تعطل الإنتاج، وتبعهم عمال ترسانة بورسعيد.

وفي مايو (آيار) 1976م أضرب عمال أحد المصانع الحربية في حلوان، واحتلوا المصنع وطالبوا بإقالة المدير، وكانت مطالبهم بإعادة تسليمهم الوجبة المجانية، وصرف نصف نصيبهم من الأرباح وإعفاء العلاوات النقدية من الضرائب، وهددوا بنسف المصنع، فاضطر الوزير لتلبية مطالب العمال ونتج عن هذا الإضراب مساواة جميع المصانع الحربية في مصر بنفس ما طالب به العمال. وفي يونيو (حزيران) أضرب عمال مصنع النصر للسيارات لامتناع الإدارة عن صرف الأرباح. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام أضرب عمال شركة النقل العام، وطالبوا بحل اللجنة النقابية وتحديد يوم العمل بسبع ساعات ودفع أجر عن الإجازات التي يعملون فيها.

وفاوض رئيس الجمهورية قيادة النقابة لإنهاء الإضراب، وانتهت المفاوضات بالاستجابة لمطالب العمال. وهو ما جعل السادات يصدر قانونًا جديدًا للنقابات العمالية، وهو قانون 35 لسنة 1976م لفرض مزيد من القيود على الحركة العمالية.

وقد تحرك العمال في كافة أنحاء الجمهورية عقب قرار الحكومة بزيادة الأسعار 18 يناير (كانون الثاني) عام 1977م، فأعلنت مصانع حلوان توقفها عن العمل، وأعلن حوالي 10 آلاف عامل الإضراب، وخرجوا في مظاهرات طالبوا فيها لحكومة بإلغاء قراراتها، وفي نفس الوقت خرجت مظاهرات في كافة أنحاء القاهرة اشترك فيها العمال والطلبة والموظفون فيما عرف بانتفاضة الخبز.

يمكننا لمس موقف الحركة العمالية الآن من خلال عدد من تصريحات قياداتها النقابية، فقد صرح مؤخرًا رئيس النقابة العامة للغزل والنسيج أن العمال يضعون آمالًا على الرئيس السيسي في النهوض بالصناعة مثلما فعل عبد الناصر، فهو في نظرهم امتداد لعبد الناصر، وليس موقفهم منه كموقفهم من السادات الذي هتفوا ضده قائلين: «يا حاكمنا في عابدين فين الحق وفين الدين، وعبد الناصر ياما قال خلوا بالكم م العمال». أما رئيس اتحاد العمال فقال في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بكلمته التي ألقاها في مؤتمر درين بجنوب أفريقيا، أن السيسي ينحاز بقوة للفقراء والطبقة العاملة، وحقق بالاستعانة بالعمالة المصرية نشر الأمن والأمان والاستقرار وإقامة مشروعات اقتصادية.

ويمكننا ملاحظة أن المناخ الذي حدثت فيه انتفاضة الخبز لا يماثل كثيرًا المناخ الحالي، فالحركة العمالية كانت في أوج قوتها وكانت الحركة الطلابية قوية كذلك، فشهد عام 1968م تحرك طلاب الجامعات في انتفاضتين متتاليتين، مرة تضامنًا مع العمال المتظاهرين ضد المتسببين في الهزيمة، ومرة أخرى ضد السياسة الجديدة في مجال التعليم، وفي عام 1972 عندما أعلن السادات أن العالم لا يتسع لحربين كبيرين بسبب اشتعال الحرب الهندية الباكستانية ملمحًا إلى أن الوقت غير مناسب لمعركة، تصاعدت أحداث رفض الحركة الطلابية لتصريحاته، والتي انتهت بانتفاضة للطلبة 1972- 1973التي يراها البعض ساهمت في تعجيل السادات لحرب أكتوبر امتصاصًا للغضب الشعبي.

أما عن حال الحركة الطالبية في مصر الآن، فحسب تقديرات منظمة العفو الدولية أن حملات الملاحقة والاعتقالات في مصر أدت إلى اعتقال أكثر من 41 ألف شخص اعتقلوا أو وجهت لهم اتهامات بارتكاب جرائم جنائية أو حكم عليهم في محاكمات غير عادلة. ومن بين هؤلاء آلاف الطلاب، الذين كانوا بالضرورة يمارسون العمل السياسي، ولهم دور في الحركة الطلابية المصرية، بل أصدرت منظمة العفو تقريرًا كان عنوانه كاشفًا ما وصلت إليه حالة الاعتقالات والقمع للشباب المصري: «سجن جيل: شباب مصر من الاحتجاج إلى السجن».

من ناحية أخرى كانت انتفاضة 1977م عفوية بشكلٍ أو بآخر، وامتلأت الميادين بالمتظاهرين كما امتلأت في ثورة يناير 2011، لم تتم الدعوة إليها من قبل أحزاب أو جماعات. ولكن «ثورة الغلابة» دعت إليها عدة صفحات على فيس بوك، من ضمنها حركة ضنك التي روجت لمصطلح ثورة الغلابة منذ عامين حيث دعت للتظاهر في 9 سبتمبر (أيلول) 2014، وبنفس الطريقة تمت الدعوة لثورة غلابة غدًا 11 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، فقط لأن تاريخ 11 نوفمبر (تشرين الثاني) مميز كما صرح أحد أصحاب الصفحات المروجة لها وهو مصطفى الحسيني – الصحفي بإحدى القنوات الأمريكية – بينما تبرأ أغلب النشطاء المعروفين من الترويج لها وممن يروجونها أيضًا، بل وصفوها بأنها مجهولة الهوية، واتهم بعضهم الأمن، وآخرون الإخوان بالدعوة إليها سرًا.

التأثيرات الاقتصادية: قرض البنك الدولي وسعر الدولار

حاولت مصر بعد ثورة يناير (كانون الثاني)2011م الاقتراض من البنك الدولي، سواء في بداية رضوخها لحكم المجلس العسكري عقب إزاحة مبارك، أو في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، ولكن لم يحدث في الحالتين لانتقال الحكم في الأولى من المجلس العسكري لمرسي، وفي الثانية لعزل الرئيس.

طلبت حكومة المجلس العسكري 3,2 مليار دولار، ومرسي 4,8 مليار دولار، والسيسي 12 مليار دولار. ومن اللافت للنظر أن عددًا من المثقفين ورجال الاقتصاد هاجموا سياسة مرسي الاقتصادية، وشنت الصحف هجومًا شديدًا إبان عهده تجاه الاقتراض وما يكبله للاقتصاد من قيود يحملها الفقراء ومحدودو الدخل، وحذروا حينها من وقوع ثورة «جياع». ومن ذلك الملف الذي نشرته المصري اليوم بتاريخ 16 يناير (كانون الثاني) 2013 في ذكرى «انتفاضة 1977» يماثل بين أوضاعها ودوافعها وبين الأوضاع التي كانت عليها مصر في ذلك التاريخ وارتفاع سعر الدولار الذي سيؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار وقرض صندوق النقد، ويتساءل هل تقع ثورة جياع في عهد مرسي نتيجة لكل ذلك؟

سعر الدولار ما بين «انتفاضة 77» و«ثورة الجياع 2016»

وصل سعر الدولار الأمريكي قبل تولي السادات الحكم عام 1967م إلى 38 قرشًا ثم ارتفع في عهده حتى وصل عام 1978م إلى 40 قرش – أقل من نصف جنيه مصري – أما في بداية عهد مبارك فقد وصل الدولار إلى 60 قرشًا، وفي نهاية عهده – 24 يناير (كانون الثاني) 2011 – وصل إلى 5,81 جنيهًا، وأثناء حكم المجلس العسكري ليصل 6,06 جنيهًا وفي عهد مرسي ارتفع في مايو (أيار) 2013 ليصل إلى 7.13 جنيهًا. وقد وصل الدولار – حاليًا – قبل قرار تعويم الجنيه لـ 16 جنيهًا مصريًا.

رجال حول السادات ورجال حول السيسي

من معالم اختلاف الرؤساء أيضًا اختلاف حاشيتهم، فيظهر تاريخيًا اختلاف كبير بين القيادات المحيطة بالسادات ومثيلتها المحيطة بالسيسي. ويعد تراجع السادات عن قراراته بعد اشتعال الشارع مباشرة دليلًا قويًّا على ذلك، ومن أمثلته ما كشفته مذكرات عبد المنعم القيسوني، رئيس الوزراء –في عهد السادات- للشئون الاقتصادية، إن الأمن القومي ومباحث أمن الدولة حذرا بإجماع الحضور في اجتماع يوم 13 يناير (كانون الثاني) 1977م وبالنص من أن «أي إجراء تتخذه السلطة تخاطب فيه بطون الشعب فإن هذا الإجراء سيؤدي إلى ثورة شعبية عارمة».

ويقابل ذلك الموقف الأمني إبان عهد السادات موقف السيسي في تصريحاته قبل إعلان قرار تعويم الجنيه وارتفاع أسعار الوقود فيقول: «لدينا خطة للنشر الجيش بمصر كلها خلال 6 ساعات لحماية الدولة». وعلى حين أن القيسوني في مذكراته أشار إلى عدم رضا بعض رجال الحكومة عن قرارات 77 التي فجرت الأزمة، فإن رجال حكومة السيسي يختلفون، فمثلا طارق عامر محافظ البنك المركزي صرح عقب توعيم الجنيه بأن المصريين كلهم سعداء من إجراءات تحرير سعر الصرف، «حتى مراتي النهاردة مبسوطة عشان الوديعة بتاعتها بتعمل فلوس». أما وزير المالية عمرو الجارحي فقد صرح بأن «زيادة أسعار المنتجات البترولية سيكون في صالح المواطن محدود الدخل، حيث إن أغلب الدعم يستفيد منه الأعلى دخلًا كما يرى».

ربما كانت الظروف الاقتصادية الحالية أكثر سوءًا مما كانت عليه إبان انتفاضة الخبز، ولكن كذلك ظروف الحراك السياسي ووجود قيادات طلابية وعمالية وحزبية تقود وتشارك في مظاهرات ما، أو تنظمها، أو تشارك فيها بعفوية انتفاضة الخبز أكثر سوءًا أيضًا. سواء ما أظهرته تقارير منظمة العفو من القمع العنيف للمعارضين الذي يصدر من جانب النظام، أو لأن المعارضين امتلأت بهم السجون بالفعل، حيث تم بناء 11 سجنًا جديدًا في مصر خلال ثلاث سنوات الماضية فقط، بلغت تكلفتها وفقًا لموقع الجزيرة نت في 2015 ما يقرب من 1,2 مليار جنيه. بالإضافة إلى أن غموض مطلقي الدعوة، وتبرؤ النشطاء السياسيين المعروفين منها، واتهام البعض «الأمن» أو «الإخوان المسلمين» بأنهم وراء هذه الدعوات، إن لم يكن يهددها بالفشل وبعدم الوجود من الأساس، فإنه يخبرنا بأننا أمام شيء لا يماثل انتفاضة الخبز بعفويتها وبقوة المشاركين فيها سواء من حركة العمال أو الحركة الطلابية، ولا يماثل كذلك العقلية الأمنية التي تتفهم جيدًا كيف أن البطون الجائعة يمكن أن تثور ثورة عارمة يجب أن يتقيها النظام الحاكم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد