جاء من بلاد الأتراك، وعمل طباخًا، وتدرج من العبودية حتى شغل أرفع المناصب العسكرية في دولة الخلافة العباسية، فأصبح قائدًا للشرطة، ثم قائدًا للحرس الشخصي للخليفة، وتمتع بثقة الخليفة العباسي المعتصم ومن بعده الواثق حتى أصبح أداة قتل في يديهما، وكان أحد أعضاء مجلس اختيار المتوكل على الله لتولي الخلافة العباسية بعد وفاة أخيه الواثق، إلا أن المتوكل أراد أن يكسر شوكة الأتراك ويضعف سيطرتهم على الخلافة العباسية، فبدأ به وسجنه حتى مات عطشًا؛ إنه إيتاخ الخزري.

الطباخ إيتاخ الخزري يبدأ مشوار صعود سلم المجد

عندما تولى الخليفة العباسي المعتصم بالله الخلافة العباسية، استكثر من غلمان الأتراك في الجيش، وجلبهم من بلاد ما وراء النهر، وكانت بلاد ما وراء النهر (تضم حاليًّا جمهوريات أوزباكستان، وطاجكستان، وقيرغيزستان، وتركمانستان، وكازخستان) تدخل في إطار ما يسمى تركستان، وهو اسم جامع لجميع بلاد الترك، وكان العباسيون يجلبون الأتراك إما عن طريق أسواق النخاسة، حيث يبيع الأتراك أبناءهم أو بناتهم ليتمكنوا من رعاية باقي الأبناء، أو عن طريق الجزية والخراج، فكان الأمراء يرسلون الأتراك للخليفة على شكل جزية إلى خزانة الخلافة العباسية، وكذلك كان الأتراك يصلون إلى أرض الخلافة العباسية عن طريق غزو بلادهم، أو أنهم يقررون الذهاب بأنفسهم للانضمام لجيش الخلافة العباسية.

كان إيتاخ غلامًا تركيًّا من قبيلة الخزر (إحدى قبائل الترك) يعمل طباخًا، لكنه كان يتمتع بمظهر رجولي شديد ينم عن قوته وبأسه، فاشتراه الخليفة المعتصم عام 199هـ/ 813م، ورفع قدره بعدما تولى الخلافة العباسية عام 218هـ/ 833م. أسند الخليفة المعتصم إلى إيتاخ معونة سامراء مع إسحاق بن إبراهيم (وسامراء مدينة عراقية بناها الخليفة المعتصم بالله عام 221هـ/835م لتكون عاصمة دولته بعد بغداد، وتقع حاليًّا في محافظة صلاح الدين العراقية)، كما ولاه قيادة إحدى الفرق الثلاث التي دخلت بلاد الروم إلى عمورية 223هـ/ 838م (تقع عمورية في غرب آسيا الصغرى الأناضول حاليًا).

وقد شغل إيتاخ منصب صاحب الشرطة في سامراء في عهد المعتصم، وأصبح قائدًا للحرس الشخصي للخليفة، وفي عام 227هـ/ 842م، بعث الخليفة المعتصم إيتاخ إلى الموصل (مدينة عراقية) لمحاربة جعفر الكردي الذي تمرد على الخليفة وقتل الوالي.

دينار المعتصم بالله ضرب ببغداد عام 225هـ
دينار المعتصم بالله الذي ضرب ببغداد عام 225هـ. مصدر الصورة: ويكيبيديا

وفي الليلة التي توفي فيها المعتصم عام 227هـ/ 842م، بويع ابنه هارون الواثق بتولي الخلافة، واستمر إيتاخ في منصبه في خلافة الواثق، كما تولى الجيش والبريد والحجابة ودار الخلافة.

إيتاخ.. أداة قتل في يد المعتصم والواثق

بعد تولي الواثق الخلافة العباسية، عامل إيتاخ وقادة الجيش الآخرين من الأتراك أنهم عصب القوة في الدولة ويده التي يقمع بها الأعداء، وكان الخليفة المعتصم قد عين إيتاخ واليًا على اليمن عام 225ه/840م، فعزله الواثق منها، وعينه حاكمًا لمصر في عام 230هـ/ 245م، لكنه عين حرثمة بن النادر الجبالي مكانه، وفي عهد الواثق، عُين إيتاخ في ولايات خراسان والسند والولايات الفرعية في دجلة، كما تحكم في الجيش بفرقه من المغاربة والأتراك والبريد وأُسند إليه الحجابة (منصب يشبه السكرتير الخاص، وكان موضع ثقة الخليفة ومحط أسراره) ودار الخلافة.

وكما جاء في تاريخ الطبري، فإن المعتصم والواثق كانا إذا أرادا قتل أحد، فعند إيتاخ يُقتل، وبيده يُحبس، فمثلًا، اكتشف الخليفة المعتصم خيانة العباس بن المأمون في معركة عمورية، بعدما لامه عجيف بن عنبسة على عدم توليه للخلافة بعد أبيه المأمون ومبايعته للمعتصم حتى اقتنع بإزاحة عمه المعتصم عن الخلافة العباسية وأن يأخذ البيعة، وتمكن من أخذ بيعة عدد من الأمراء.

وحينما اكتشف المعتصم الأمر، أمر بقتل العباس، وجعل أمر باقي المتآمرين وأمراء البيعة بيد إيتاخ، فعذبهم، وكان بينهم عجيف بن عنبسة الذي علق على رقبته حملًا كبيرًا من الحديد فوضعه خلال رحلة العودة على بعير بلا وطاء (أي فراش) حتى مات، كذلك قيل إن إيتاخ قد أُمر بتعذيب وقتل أولاد المأمون من سندس فور عودته.

وبالإضافة إلى ذلك ففي عام 232هـ/ 847م، ساعد إيتاخ الخليفة المتوكل في القضاء على الوزير ابن الزيات، فقد بعث إيتاخ يدعو ابن الزيات للحضور، ثم قيدت إقامته في منزل إيتاخ، وصودرت أملاكه، وعُذب حتى مات.

وفاة الواثق وبداية النهاية

عندما مرض الخليفة الواثق، سأله المحيطون به أن يولي العهد من يراه صالحًا لأمور الخلافة العباسية، لكنه رفض قائلًا: «لا أتحمل أمركم حيًّا وميتًا»، وأدى ترك ولاية العهد شاغرة إلى زيادة نفوذ الأتراك حتى وصل إلى التحكم في منصب الخلافة، وعندما توفي الواثق في 232هـ/ 847م، حضر إلى دار الخلافة مجلس الشورى أو المجلس الأعلى المتولي أمور الخلافة ليحددوا من يتولى أمور الخلافة العباسية، وكان أعضاء المجلس هم: إيتاخ التركي، ووصيف التركي، وعمر بن فرج التركي، ومعهم الوزير محمد بن الزيات، والقاضي أحمد بن أبي داوود، وأحمد بن خالد بن أبي الوزير، ويتضح أن نصفهم من الأتراك.

اجتمع مجلس الشورى وبينهم إيتاخ في دار الخلافة العباسية، وعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق في بادئ الأمر، إلا أن وصيفًا التركي قد أبدى اعتراضه لحداثة سن ابن الواثق، فاتفقوا معًا على تولية أبو الفضل جعفر المتوكل أخو الواثق ليصبحوا أصحاب فضل عليه لأنه كان ضعيفًا في فترة خلافة أخيه.

دينار ذهبي مصكوك في عصر الخليفة العباسي المتوكل
دينار ذهبي مصكوك في عصر الخليفة العباسي المتوكل. مصدر الصورة: ويكيبيديا

ورغم أنه تولى الخلافة بمساعدتهم، إلا أن المتوكل أدرك خطر دخول الأتراك المتزايد في أمور الخلافة، فقد كان الجيش في عهد المتوكل مثلما كان عليه في عهد الواثق والمعتصم اللذين سبقاه في الخلافة، حيث ضم العديد من الفرق من بينها الأتراك.

بدأ المتوكل يحتاط من الأتراك، وأراد أن يضعف شوكتهم ويحجم نفوذهم، فأحاط نفسه بتكتلات جديدة، ونقل العاصمة من العراق إلى دمشق، وأقام فيها، ونقل الدواوين إليها ليحيط نفسه بالعرب بدلًا عن الأتراك.

من قائد جيوش الخلافة العباسية إلى أسير

وزع المتوكل الولاية بين أولاده الثلاثة: محمد المنتصر، ومحمد المعتز، وإبراهيم المؤيد، وفي تلك الأثناء، كان المتوكل قد ولى إيتاخ مصر والكوفة والحجاز والبريد والحجابة ودار الخلافة محاولًا إضعاف شوكة الأتراك، وأسند المتوكل مهام إيتاخ إلى وصيف التركي، ولكن هذا أثار حقد بقية الأتراك، فصادر المتوكل أموال وصيف.

كان إيتاخ آنذاك لا يزال يتولى أمور الجيش بفرقه كما في عهد الواثق، فسعى المتوكل للتخلص منه، وأراد المتوكل أن يبعد إيتاخ عن سامراء لأنه لن يمكنه قتله في سامراء بين قومه وجنده، فبعث إليه من يشير عليه بالاستئذان للحج عام 234هـ/ 848م، فطلب إيتاخ الإذن من المتوكل، فأذن له، وأرسل معه الكثير من الجنود والغلمان.

وقيل إن سبب تخلص المتوكل من إيتاخ كان محاولة إيتاخ قتله، فحسبما ورد في تاريخ الطبري، بعدما تولى المتوكل الخلافة العباسية، ذهب للتنزه وأسرف في الشرب، فعربد على إيتاخ (عربد السكران أي ساء خلقه وآذى الناس من حوله)، فأراد إيتاخ قتله، وعندما علم المتوكل صباحًا بما حدث، اعتذر إليه، وبعث إليه من يشير عليه بالحج.

لما انتهى إيتاخ من الحج، واتجه نحو العراق، بعث المتوكل إليه رسولًا يبلغه أن أمير المؤمنين يريده أن يدخل بغداد ويقعد في دار خزيمة بن خازم، ويقابل الناس ويوزع عليهم الهدايا، ولما اقترب إيتاخ من دار خزيمة، أًبعد عنه غلمانه، ودخل الدار ومعه منهم ثلاثة فقط، وكان المتوكل قد أمر بجعل الدار سجنًا لإيتاخ.

نُقل إيتاخ بعد ذلك إلى منزل إسحاق بن إبراهيم مقيدًا بالحديد في عنقه ورجليه، وجيء بولديه منصور ومظفر، وكاتبيه ليكونوا جميعًا رفقاء في السجن، وعُومل إيتاخ ومن معه بالشدة مما أدى إلى وفاته عام 235هـ/ 849م، بينما ظل ولداه في السجن طيلة فترة خلافة المتوكل، وأطلق سراحهما في خلافة المنتصر، وورد في «تاريخ الرسل والملوك» للطبري إن موت إيتاخ كان بسبب عطشه الشديد، فكلما تناول طعامه، طلب الماء، إلا أنه مُنع من نيل طلبه حتى مات عطشًا.

الأتراك يسطرون نهاية الخليفة المتوكل

شعر كبار الأتراك بالقلق من المتوكل، وخشوا أن ينصب لهم المكائد ويتخلص منهم واحدًا تلو الآخر. فكر الأتراك في أن يستعينوا بالمنتصر بن المتوكل للتغلب على أبيه، بعدما أوغر الوزراء قلب المتوكل ناحية ولده المنتصر كي يعزله من ولاية العهد، فقد كانوا يميلون إلى ابنه الثاني المعتز.

هنالك، خاف المنتصر على الخلافة العباسية أن تفوته، وتولى الأتراك التجهيز لقتل المتوكل، فأعدوا مجموعة من الجنود في مقدمتهم باغر التركي حارس الخليفة، فدخلوا القصر وضربوه بالسيوف، وضربوا وزيره الفتح بن خاقان حتى ماتا، وبايع القادة الأتراك المنتصر لولاية الدولة في الليلة ذاتها التي قتل فيها والده.

وفقًا لما جاء في بحث نفوذ الأتراك السياسي في العصر العباسي الثاني، هناك عدة مصادر تنفي اشتراك المنتصر في قتل والده، وأكدت براءته مستندين إلى قول نُسب للخليفة المنتصر يصف فيه الجنود الأتراك للفضل بن المأمون قائلًا: «هؤلاء قتلة الخلفاء، قتلني الله إن لم أقتلهم، وأفرق شملهم بقتلهم المتوكل».

تاريخ

منذ سنة واحدة
بداية عسكرة الدولة الإسلامية.. قصة اغتيال المتوكل العباسي وتوابعها

المصادر

تحميل المزيد