هل سبق أن شممت شيئًا مألوفًا حتى شعرت أنه يعيدك إلى الماضي، إلى إحدى ذكرياتك الأولى؟ هل سبق وأثرت فيك رائحة البسكويت المخبوز الطازج، أو إحدى أكلات جدتك، أو نوع معين من الكريم الواقي للشمس بعد شتاء طويل، فكيف تشعر؟

يستطيع العلم أن يشرح الرابط بين الذكريات المهمة والروائح المرتبطة بها. طالما اعتقد الباحثون أن الذاكرة العرضية – الذكريات التي تمتلكها لأحداث معينة – تتألف من المعلومات المُرَكبَة من كل حواسك (البصر، والسمع، والشم، والتذوق، واللمس) لكن محاولة فهم كيف تصبح هذه المعلومات الحسية جزءًا من الذاكرة، أو كيف تؤثر على قدرتك لتذكر حدثٍ ما، هو أمر أكثر تعقيدًا.

بالنظر إلى طريقة تركيب الدماغ، وجد الباحثون أن المعلومات الشَمية- المعلومات المرتبطة بالشم والتي تُنقل إلى الدماغ عن طريق العصب الشمي- تتخذ طريقًا مختلفًا في الدماغ عن الطريق التي تتخذها باقي المعلومات المُدخَلة من الحواس الأخرى. فمعظم المعلومات الحسية تمر أولاً بمنطقة في الدماغ تُسمى المهاد وذلك قبل أن يتم تفسيرها بواسطة مناطق الدماغ الأخرى المتخصصة لاستقبالها. يستقبل المهاد المُدخلات من مصادر عديدة ثم يوجهها للجزء الصحيح من الدماغ. ويعتبر العلماء أن هذه هي الخطوة حين يصبح الشخص على علم ووعي بشيء ما يختبره.

*تسليط الضوء على المهاد في الدماغ البشري (المصدر: ويكميديا كومنز)

عندما يتضمن الأمر الروائح فإن المعلومات الشمية تمر عبر الذاكرة الشمية، وتعالج بعض أجزاء الدماغ أولًا. هذا يعني أننا في الواقع نعالج محتوى أي رائحة ونتذكرها قبل أن ندرك بوعي ماهية تلك الرائحة. يتصل مركز الشم في الدماغ وهو القشرة الشمية بشكل قوي بمنطقتين آخرتين في الدماغ وهما الجهاز الحوفي واللوزة الدماغية. تؤدي كلتا المنطقتين دورًا مهمًا في المكونات العاطفية لتكوين واستعادة الذاكرة.

ولفهم التأثير المحتمل لهذا الاتصال، عرَّضَت مجموعة من الباحثين بعض الأشخاص لروائح معينة وأشرطة فيديو شديدة العاطفية في نفس الوقت. بعد أسبوع، أُعطِيَ المتطوعون بعض الإشارات التلميحية لأصوات أو صور أو روائح من التجربة السابقة هكذا وقد طُلِب منهم استدعاء قدر ما يستطيعون من تفاصيل. إن الأشخاص الذين تم تذكيرهم بالرائحة من الأسبوع الفائت؛ استدعوا تفاصيل عن التجربة العاطفية أكثر من الأشخاص الذين أعطوا محفزات سمعية وبصرية.

سألت مجموعة أخرى من الباحثين بعض المتطوعين تأليف قصة في عقولهم لتكون رابطًا إما بين صورتين أو بين صورة ورائحة معينة. قام العلماء بالمسح الضوئي لأدمغة المتطوعين أثناء عملية تكوين هذه الروابط، ثم بعد ذلك عندما طُلِب من المتطوعين استدعاء القصة التى ألفوها لأنفسهم، وجدوا أن نفس الجزء الذي كان نَشِطاً في القشرة الشمية عندما تم تعريض المتطوعين للروائح أول مرة؛ كان نشطًا مرة أخرى أثناء عملية التذكر- حتى لو لم تكن الرائحة فعلًا هناك.

ما معنى هذا بالنسبة للروائح التي نتعرض لها والأشياء التي نتذكرها كل يوم؟

سألت مجموعة من العلماء في السويد بعض الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين ال 65 و ال 80 أن يصفوا الذكريات التي ترد على عقولهم بعد تعريضهم لمحفز معين. كانت هذه المحفزات إما 20 رائحة أو 20 رائحة بأسمائها أو فقط أسماء ال 20 رائحة. تتبع الباحثون عدد الذكريات التي تم استحضارها مع كل محفز، مثل كم كان عمر الأشخاص وقت حدوث هذه الذكريات، كيف كان شعورًا ممتعًا، وكم شعروا أنهم عادوا بالزمن.

بالرغم من أن المحفزات التى كانت بأسماء الروائح أدت إلى ذكريات أكثر؛ فإن الأشخاص الذين تم تعريضهم للروائح فقط شعروا بالمتعة أكثر وشعروا أنهم على الأرجح عادوا بالزمن، ليس هذا فحسب، بل أيضًا استعادوا ذكريات من سنٍ أصغر.

فكر في الأمر في سياق الروائح الخاصة بموسم العطلات، وعلى حسب مكانك من العالم وبأي عطلات تحتفل. هذه الروائح قد تكون شمعات محترقة أو أشجارًا دائمة الخضرة، قرفة، أو أي رائحة أخرى. وأيًا كانت العطلة فعندما تغمرنا روائح الموسم، فإن القشرة الشمية وذاكرتنا العرضية قد يعودان بنا حيث ذكريات الطفولة. فكر في هذا المرة القادمة عندما تخبرك فيها جدتك عن المرة الأولى التي تناولت فيها خبز الزنجبيل بينما هي طفلة. تستطيع أن تشرح لها الرحلة التي مرت بها هذه الرائحة عبر القشرة الشمية، متصلة بالمهاد، وقد تم استحضارها غالبًا في مراكز العواطف بالدماغ لتستدعي هذا الشعور القوي بالحنين، أو ربما فقط ستستمع إلى القصة.

 

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد