ترجمة: الخليج الجديد 

ما يمكن استخلاصه من زيارة وزير الخارجية «جون كيري» ووزير الخارجية الروسي «سيرجي لافروف» الأخيرة إلى منطقة الخليج هو أن الولايات المتحدة قررت التخلي عن النهج الضيق لمفهوم «الدولة الإسلامية أولا»، وتبنى سياسة أوسع تشمل محاربة «الدولة الإسلامية» في جهد شامل استنادا مبني على التحرك، وعلى محمل الجد لتغيير ميزان القوى على الأرض في سوريا، وبالتالي دفع الحل السياسي إلى الأمام.

ومن الناحية النظرية، فإن تركيا تقدم للمعارضة السورية الأسلحة التي يحتاجون إليها، كما بدأت في تنفيذ خطة لإعادة هيكلة أجزاء وقطع من التمرد السوري في الشمال. وببساطة، فقد أخذ الأتراك مفاتيح شمال سوريا بموجب صفقة من شأنها أن تضعف كلا من «الدولة الإسلامية» و«بشار الأسد». وفي المقابل، سيتم منع حزب العمال الكردستاني من المناطق التي ليست لهم تاريخيا على أي حال.

التوليف بين خطة الولايات المتحدة «الدولة الإسلامية أولا» ونظيرتها التركية «الأسد أولا» هو أساس الاتفاق الثنائي الذي هو في الواقع لا يزال في طور التقدم. وبالنسبة للأتراك، فإن ظهور حزب العمال الكردستاني التابع لوحدات حماية الشعب قد غير موقف أنقرة إلى «الأسد وحزب العمال الكردستاني أولا» وجعل من الممكن بالنسبة للولايات المتحدة، فيما يتعلق باستراتيجيتها «الدولة الإسلامية أولا»، أن تدفع الأتراك لقبول الجمع بين كافة الاستراتيجيات. وحصل الأتراك على نصف استراتيجيتهم كمقدمة للنصف الثاني. وعلى ما يبدو من محادثات «كيري» الخليجية، هناك خطوات جادة لتقديم الشطر الثاني: «بشار الأسد».

جوهر التحول في الموقف تجاه سوريا يمكن إيجازه في نقطتين:

الأولى هي أن العرب وافقوا على قبول شيء أقل من لعبة محصلتها صفر. ولن يتم إخضاع مناطق «الأسد» وحزب الله وإيران في غرب سوريا بالقوة لحكم الأغلبية في دمشق. وبدلا من ذلك، سيكون لديهم قطعة نسبية من كعكة الحكومة المركزية.

والثاني هو أن كل هذه الأشياء لا يمكن أن تتحقق من دون خريطة طريق واضحة وجهود الجماعية للحصول على مشاركة «الأسد» وإيران. وللقيام بذلك، فإن ميزان القوة عليه أن يتحول، وهي العملية التي بدأت بالفعل.

وقد عادت الولايات المتحدة إلى مفهومها الأولي المتمثل في تغيير ميزان القوى لفرض حل سياسي على «الأسد» ومؤيديه. إن واشنطن لم تتخل تماما عن هذا المفهوم، ولكن بدت في الماضي القريب غير مهتمة بمتابعة ذلك بالقوة المطلوبة. الآن، وفي الوقت الذي لا توجد فيه مفاوضات نووية مع إيران، يبدو أن واشنطن قد قررت التحرك بقوة لتنفيذ المبدأ الأولي حيث هناك تقسيم معقد للعمل مع الحلفاء الإقليميين والدوليين لجلب «الأسد» إلى طاولة المفاوضات للحديث عن مستقبل سوريا من دونه وعصابته.

وهناك تكهنات بأن طهران أدركت أنها تواجه في الواقع مأزقا استراتيجيا في سوريا، وأنها تناقش حاليا إبرام صفقة. جوهر الصفقة هو تنظيم عملية انتقال تقترن مع الاقتراح الروسي. رحيل مخطط له للأسد، والقتال المشترك ضد «الدولة الإسلامية»، والحفاظ على حقوق العلويين في المناطق التي يتركزون بها. ولا يوجد أي دليل على أن طهران توصلت إلى قرار بعد.

كانت الركائز الأساسية لمحادثات الدوحة كالتالي: 1) رفض سيناريو تقسيم سوريا، حيث أنه سيخلق المزيد من عدم الاستقرار، ويخلق حالة لا نهائية من الحرب، 2) اعتماد المعايير التي وضعتها المبعوث الخاص للأمم المتحدة «ستيفان دي ميستورا» و موسكو، 3) العمل على ترسيم الحدود بشكل غير رسمي لمناطق النفوذ، 4) التفاوض بشكل منفصل لأول مرة مع لاعبين من العرب السنة والإيرانيين لتحديد الوضع النهائي لهذه المناطق من النفوذ، في حين يفتح الباب للمحادثات المباشرة في وقت لاحق (أشبه باتفاق الطائف)، 5) الانتخابات العامة في سوريا مع تفاهم مسبق بأن «الأسد» لن يتم تشغيله وأن الحكومة الجديدة سوف تشمل ممثلين عن جميع مكونات المجتمع السوري.

(اتفاق الطائف كان بمثابة اتفاق أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. وكان يقوم على تقسيم غير رسمي للبلاد إلى مناطق سيطرة طائفية وسياسية “طبيعية” جنبا إلى جنب في ظل حكومة مركزية مقسمة بين الطوائف).

ولكن مثل هذه الاستراتيجية تتطلب موافقة نهائية من جانبي الحرب على هذه الخريطة للطريق في سوريا؛ حيث يحصل كل قيصر على ما هو له، وتحصل سوريا على السلام. ويأتي مفهوم الطائف مفيدا في هذا السياق. وما حدث في الدوحة هو في الواقع خطوة أولى نحو مناقشة جادة حول تفاصيل هذه الصفقة.

ويستند مفهوم موسكو على بناء تفاهم إقليمي من شأنه أن يساعد في مواجهة الإرهاب. وإذا نجحت هذه الخطة، فإن انعقاد مؤتمر إقليمي يجمع كل الأطراف ذات الصلة، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة وروسيا، هو جوهر الجهود الروسية الجارية.

تركيا متحمسة. وفي طريق عودته من الصين، قال الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» هذا القول على موقف موسكو: «موقف بوتين الحالي تجاه سوريا هو أكثر تشجيعا من ذي قبل. اجتماعنا في باكو وبلادنا بعد محادثة هاتفية ترك لي انطباعا بأنه في طور تغيير موقفه. وقال انه لم يعد يرى أن روسيا ستدعم الأسد حتى النهاية. أعتقد أنه يمكن أن تتخلى عن الأسد».

وقال «كيري» في نيويورك، قبل أن يغادر مباشرة إلى جولته في الشرق الأوسط، إنه يأمل أن إيران ستنضم إلى مجموعة، تضم دولا إقليمية وأخرى دولية، تحدد الآن مستقبل سوريا «في مرحلة لاحقة».

لكن هذا يتطلب يدين تبادران بالموافقة والترحاب. فهل ستوافق إيران؟ وعند أي نقطة في تحول موازين القوى؟

هناك نوعان من الخيارات المتاحة لمعسكر الإيرانيين وحزب الله و«الأسد». الأول هو محاولة عرقلة الترتيب العربي الأمريكي الروسي. والثاني هو أن توافق على أن تكون من جهة ثانية محل ترحيب بها. وأغلب الظن أنهم سيحاولون تحقيق الأولى قبل الوصول إلى الثانية. الجميع يفعل.

ويحاول النظام السوري ومؤيديه بشكل جادي تحسين مواقعهم على الأرض والمماطلة لفترة أطول. أي هجوم مضاد تم شنه من جانب «الأسد» وأنصاره في الأسابيع الأخيرة. الزبداني، على سبيل المثال، هي مجال اشتباكات المعارضة وحزب الله التي لا هوادة فيها للسيطرة على هذه المدينة الاستراتيجية. ويشن النظام هجمات مضادة على العديد من الجبهات الأخرى في وقت واحد. وتحدث هجمات مرتدة في منطقة حلب والغاب وجسر الشغور وحتى تدمر.

ولذلك؛ فإن معسكر طهران «الأسد» في محاولة لتحسين حصته في صفقة الطائف. ولكن عند نقطة واحدة، سوف تتخلى طهران عن القتال والاندفاع إلى طاولة المفاوضات. متى يحدث ذلك؟ وفي لحظة خطوط التماس، التي تجري مناقشتها، يستقر هناك نوع من التكوين “الطبيعي”. وبدأنا بالفعل أن نرى في شمال سوريا. سوف يستغرق قدرا كبيرا من الوقت والكثير من القتال من أجل التوصل خطوط التماس شبه مستقرة. وبعبارة أخرى، فإنه سوف يزداد سوءا قبل أن يتحسن.

وسوف تقوم إيران والأسد بتحويط رهاناتهم من خلال تعزيز سيطرتهم على المناطق التي هي في معظمها علوية أو حتى التي تعتبر استراتيجية لحزب الله. أحد الأمثلة المعبرة على الأرض ظهار بوضوح في الزبداني. وكانت أحرار الشام تضغط في القرى الشيعية في ريف إدلب من أجل إجبار حزب الله على تخفيف الضغط على الزبداني، وهو أمر مهم لحزب الله وإيران. وقررت طهران التفاوض مع أحرار الشام. الشيء المضحك هو أن الوفد الإيراني طالب مقدما أن يترك السنة الزبداني تماما ويعرض سعر جغرافي مرتفع في مقابل هذه المدينة الاستراتيجية في مكان آخر. ورفض أحرار الشام. ولكن يظهر هذا المثال بوضوح أن هدف ايران هو العمل على خيار التقسيم كخط افتراضي في حالة إصرار العرب على خطة لعب لا ترغب بها طهران.

لقد فهم الإيرانيون ذلك في نهاية اليوم، وسوف يكون التقسيم تحت أي اسم آخر، المعركة الآن بين الخطة (ب) لإيران التي شرحناها في مرات سابقة على ميدل إيست بريفينج، وخطة المعارضة السورية (أ)، والتي تقضي بإخلاء أرضهم من أي وجود إيراني والحفاظ عليه موحدا. وسوف تساعد المعارضة إلى حد كبير في تعديل خطابها السياسي ووضعه على أساس الوحدة الوطنية والتعددية التي كانت دائما سمة من سمات الثقافة السورية.

وعلى الصعيد العالمي، يمكن للإيرانيين الحصول على صفقة أفضل الآن، في حين لا يميل ميزان القوى بشكل حاسم لصالح التحالف القوي الذي للتو تم تشكيله. ولكن في كثير من الحالات، تحمل الناس على مطاردة ذيولها الخاصة.

وسوف تسير الأمور بصورة أكثر أو أقل في هذه الدورة، وهذا يتوقغ على ما إذا كان الايرانيون سيقومون بمفاجأة خاصة من أجل قلب الطاولة رأسا على عقب. فكر في العراق ولبنان والبحرين أو شيء من هذا هم يعرفون ونحن لا نعرف. إن الإيرانيين محاصرون في سوريا. وأي شخص قد يصبح مصدرا للخطر في حالة حصاره. هل من  نقطة تحول في قواعد اللعبة؟

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز – ميدل إيست بريفينج

علامات

extras, سوريا, عربي
عرض التعليقات
تحميل المزيد