في العام الماضي، حققت ألمانيا فائضًا تجاريًا يقدر بنحو 217 مليار يورو (246 مليار دولار)، لتحل في المرتبة الثانية بعد الصين كثاني أكبر مصدّر في العالم. وقد جعل ذلك من ألمانيا بقعة مضيئة في اقتصاد منطقة اليورو المترنح، أو “قائدة النمو” كما وصفها وزير المالية الألماني. ولكن في الواقع، يشكل الفائض التجاري الألماني لب المشكلة بالنسبة لأوروبا. فبدلًا من أن يدفع ذلك عجلة الاقتصاد العالمي، إنه يسبب غرقه. والحل الأمثل لهذه المعضلة هو أن تغادر ألمانيا منطقة اليورو.

ولكن عادة ما يرد الألمان على تلك الاتهامات باستياء. يقولون، لدينا فائض تجاري لأننا ببساطة أكثر تنافسية من معظم شركائنا التجاريين. ويتساءلون: هل يمكنكم أن تلقوا باللائمة علينا لأن العالم يفضل شراء البضائع الألمانية المتميزة (دون أن نرغب بشيء في المقابل)؟ وعليه يجب أن تسير الأمور على هذا النحو: يتعين على سائر دول العالم أن تزيد من تنافسيتها وتعيد ترتيب أوراقها وأن تحاكي ألمانيا أكثر. وفي غضون ذلك، لا تكرهوننا لأننا متفوقون.

إلا أنه خلافًا لما يشاع، ليس هناك سبب على الإطلاق يربط بين التنافسية وتحقيق فائض تجاري. فكما أشار الاقتصادي الشهير ديفيد ريكاردو في عام 1817، فإن الأساس الأمثل للتجارة له ميزة نسبية وليس مطلقة. بعبارات أخرى، حتى لو تفوقت دولة ما في كل شيء، يتعين عليها تصدير أفضل بضائعها واستيراد ما لا تتميز فيه بشكل كبير. فوجود ميزة عابرة للحدود لديك لا يعني أن اتباعك سياسة اقتصادية جيدة يفرض عليك إنتاج كل شيء بنفسك، ناهيك عن البيع أكثر مما تريد في المقابل.

يحدث الفائض التجاري عندما تختار دولة ما أن تنفق أقل مما تنتج، وعندما يكون لديها فائض في المدخرات يفيض على احتياجات الاستدانة الداخلية. ثم تقوم بإقراض فائض المدخرات بتمويل دولة أخرى لمساعدتها على الإنفاق أكثر مما تنتج، وتشتري الإنتاج الزائد لدى المقترض، عن طريق إدارة العجز التجاري. صحيح أن الدولة ذات الإنتاج الكثيف ربما تمتلك الوسائل لتحقيق فائض في المدخرات، في حين أن الدولة ضعيفة الإنتاج قد تكون ميالة إلى الاقتراض بدلًا من جمع المدخرات التي تحتاج إليها. ولكن بشكل أساسي، لا ينشأ اختلال التوازن التجاري من الميزة التنافسية، ولكن من الاختيارات حول ما المقدار الذي يجب ادخاره وأين يجب توظيف تلك المدخرات.

هل من المنطقي إدارة اختلال في التوازن التجاري؟ بالطبع. ففي القرن التاسع عشر، أتاحت الثورة الصناعية البريطانية جني أرباح ضخمة من الإنتاج الكثيف، وقد استثمرت بعض تلك الأرباح في الولايات المتحدة. وقد ولد المال المقترض من الاقتصاد الأمريكي سريع النمو عوائد أعلى أكثر مما إذا كان قد تم استثمار تلك الأموال في بريطانيا، كما خلق سوقًا للبضائع البريطانية. يعتبر ذلك صفقة رابحة للجميع، لكنه قد يسلط الضوء على شيء يمكن نسيانه بسهولة: وهو أن إدارة فائض تجاري يعني تمويل عجز تجاري لطرف آخر.

عادة ما يطلق على أزمة منطقة اليورو مصطلح أزمة الديون. ولكن أوروبا ككل لم تكن تعاني من أزمة ديون خارجية، وإنما من أزمة داخلية، فالفائض التجاري الألماني والديون المتصاعدة في الدول الأوروبية هما وجهان لعملة واحدة. لقد ادخرت ألمانيا الكثير، وقد شجعتهم العملة الموحدة على إقراض شركائهم التجاريين في منطقة اليورو، الذين استخدموا المال المقترض لشراء البضائع الألمانية. وبحلول عام 2007، بلغ حجم الفائض التجاري الألماني 195 مليار يورو، نسبة 60% منه أتى من داخل منطقة اليورو. تطلق برلين على هذا “اقتصاد”، لكنه يصعب الجدال بأن فائض المدخرات الألماني قد جرى استثماره بالشكل الأمثل.

ثمة شيء ما يحتاج إلى التغيير، ولكن ما هو؟ في الظروف العادية، تسعى كل دولة إلى وضع سياستها المالية الخاصة، اعتمادًا على إجراء تعديلات على سعر الصرف لتحويل الطلب من تلك الدول التي لا يمكنها تحمله إلى الدول التي تتحمله. ولكن في ظل عملة موحدة، لا يمكن أن يحدث هذا. فبدلًا من ذلك، اضطر الدائنون الأوروبيون إلى خفض مستوى الطلب عبر مزيج من سياسات التقشف المالي وخفض الديون. وقد انخفض العجز التجاري مع ألمانيا بشكل كبير، ولكن كان ذلك عبر تقليص المشتريات وليس زيادة المبيعات. وقد رأت مجموعة دول PIIGS (البرتغال وإيرلندا وإيطاليا واليونان وإسبانيا) أن حجم تبادلها التجاري مع ألمانيا يتقلص لأكثر من الثلث. لذا فقد استعادت أوروبا توازنها على حساب النمو.

وقعت منطقة اليورو في فخ. فقد احتاجت بلدانها السير في اتجاهين منفصلين، ولكن في ظل عملة موحدة، لا يمكنها التحرك سوى بخطوات مقيدة. فبينما عاشت أوروبا في حدود إمكانياتها، واصلت ألمانيا الادخار أكثر مما تنفق، وذلك بدلًا من أن تدير الطلب المتزايد. وقد ساعد التيسير النقدي في مجرد توجيه الاختلالات الداخلية الأوروبية إلى الخارج.

منذ عام 2012، أتى معظم النمو الصافي للناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو من الصادرات، وهو دليل إضافي على ضعف الطلب المحلي الأوروبي كمحرك للنمو. إلا أن استراتيجية الاعتماد على الأمريكيين في زيادة الديون والمخاطرة بالسير في الطريق الذي سلكته اليونان ستبقى محل شك. من حيث المبدأ، يبدو تضيق العجز التجاري الأوروبي مع الصين أكثر منطقية. ولكن من الناحية العملية، اشتمل ذلك على استفادة ضئيلة من السوق الاستهلاكية الصينية العملاقة عوضًا عن بيع الآلات والبضائع الفارهة إلى سوق الاستثمار الصيني الهائل. والذي يتوقع أن يحافظ على الفائض التجاري الكبير مع الولايات المتحدة.

إذن ما الذي يجب فعله؟ إن الحل الأفضل، والذي من غير المرجح تبنيه، هو أن تغادر ألمانيا منطقة اليورو والسماح بإعادة تقدير المارك الألماني. وهنا، تقدم لنا تجربة بلازا أكورد التي حدثت في عام 1985 بعضًا من التشجيع، فبينما لم يساهم الين الياباني القوي بشكل كبير في إحداث الفائض التجاري الياباني، أثبت السلوك الألماني أنه أكثر استجابة للمحفزات المتجسدة في عملة ألمانية أقوى.

في العام الماضي، أثبت السياسيون الألمان استعدادًا أكبر لزيادة حجم الطلب عبر زيادة الحد الأدنى للأجور، وتخفيض سن التقاعد، وزيادة المعاشات، وهي خطوات قد تؤتي ثمارها، ولكنها مخاطرة قد تضر بمستوى الإنتاجية، والذي يشكل في نهاية المطاف مصدر قدرة ألمانيا على الاستهلاك. وعلى نحو متناقض، يرفض نفس هؤلاء السياسيين خفض الضرائب أو زيادة الإنفاق العام، والذي نتج عنه في عام 2014 وضع ألمانيا أول ميزانية فدرالية متزنة منذ عام 1969، وذلك قبل عام عما هو مخطط. وبالنسبة إلى معظم الألمان، فإن أي مقترحات بأن عليهم التخفيف من هذا الانضباط المالي يذكرهم بشبح التبذير الذي ضرب اليونان، ولكن يمكن التفكير في الأمر بطريقة أخرى. إن فائض المدخرات قائم بالفعل، السؤال هو: إلى أين يجب توجيهه؟ إن إقراضه داخليًّا للمساعدة في تعافي أوروبا ربما يكون مفضلًا على القذف به إلى الأجانب حتى يشتروا به بضائع لا يتحملون ثمنها بالأساس.

ومع تقدم متوسط عمر السكان، ربما يكون من السهل تفهم لماذا يلجأ الألمان إلى الادخار. ولكن ليس هناك سبب مقنع لتوجيه تلك المدخرات إلى الخارج، بينما ثمة حاجة أكثر إلحاحًا بكثير لتوظيفه في الداخل. إن النمو الذي تولده ألمانيا عن طريق تمويل الاختلالات التجارية، داخل وخارج منطقة اليورو، هو نتيجة خادعة. فإنه يجري إقراض النمو ولفترة قصيرة. وبالنسبة إلى ألمانيا وإلى العالم، تلك صفقة خاسرة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد