ماذا تعني استقالة الرجل الثاني في حزب حركة النهضة الإسلامية، والقيادي البارز في الحركة الإسلامية بتونس عمومًا، حمادي الجبالي، من حركة النهضة، في هذه المرحلة الانتقالية التي تمر منها البلاد؛ حيث تراجعت إلى الخلف حركة النهضة بعدما سلمت السلطة لحكومة تكنوقراط؟

الرجل الثاني في النهضة يستقيل

المتتبع لما يجري في تونس ما بعد ثورة 14 يناير سيطرح أكثر من سؤال حول تقديم الرجل الثاني في حركة النهضة الإسلامية استقالته في هذه المرحلة الحساسة، ليس في تاريخ تونس بل و”الحركة النهضوية” بالخصوص، وهي الاستقالة التي ذهبت القراءات إلى تفسيرها تارة بوجود أزمة داخلية في البيت “النهضوي”، نتيجة مجموعة من الأسباب والمعطيات الداخلية والخارجية، جعلت حركة النهضة تقدم على “التنحي” – وإن بطريقة سلمية – على السلطة لصالح حكومة تكنوقراط، تفاديًا للاصطدام مع قوى داخلية أو خارجية.

“وتارة أخرى تم تفسير استقالة الجبالي بأنها نابعة عن مواقف شخصية للرجل الذي قضى 16 سنة محبوسًا في سجون نظام زين العابدين بن علي، وهي تلك المواقف التي برزت بقوة بالخصوص قبل نحو سنتين من الآن (تحديدًا في 6 فبراير 2012) عندما قدم استقالته من رئاسة أول حكومة بعد الثورة، بعد اغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد”

بل وأعلن الجبالي عن حل حكومته والدعوة إلى تأسيس حكومة كفاءات مستقلة، وهو ما رفضته قيادة النهضة وقتها، واعتبره رئيس الحركة ومرشدُها راشد الغنوشي بمثابة “انقلاب أبيض” على حكم الإسلاميين، ما فُسر حينذاك بأنها أزمة حقيقية بداخل الحركة. وبعد انسحابه من الحكومة توارى حمادي الجبالي عن الأنظار، ولم يعد يظهر له أثر سواء في الحياة السياسية العامة أو على مستوى أنشطة الحركة.

يريد أن يكون الأول!

حمادي الجبالي وراشد الغنوشي



مباشرة بعد الإعلان عن استقالة الجبالي ذهبت بعض القراءات إلى أن الجبالي يضمر منذ مدة في نفسه رغبته في أن يكون الرجل الأول في الحركة، غير أن “تحكّم” الرجل القوي “المرشد” راشد الغنوشي في دواليب الحركة، جعل الجبالي يفكر نهائيًّا في المغادرة، على أمل التأسيس لتجربة جديدة، يستعد في إطارها للانتخابات الرئاسية المقبلة؛ وهذا الهدف الأخير – أي الترشح للرئاسيات – جعل البعض – من الخصوم السياسيين بالخصوص – لا يتردد في أن يصف ما يجري بداخل الحركة بأنه “تكتيك” لقيادة الحركة الإسلامية الأكثر شعبية وحضورًا في الساحة السياسية التونسية، التي وبعدما لم تعد الظروف والمعطيات المحلية والإقليمية تسير لصالحها، ولصالح تيار “الإسلام السياسي” خاصة فيما يتعلق بما جرى لـ”الإخوان” في مصر، أرادت أن تغير من قواعد اللعبة حتى تتجنب “الدعوات الاستئصالية” للإسلاميين التي انطلقت من تونس أولاً، ثم وصلت إلى مصر؛ حيث نجحت في “اجتثاث” الإسلاميين، إلى أن حلت ببعض الدول الخليجية المؤثرة، التي أعلنت صراحة “الحرب” على “الإخوان المسلمين” ومن يرتبط بهم!

ويجد هذا القسم من المتتبعين ما يشبه “التفسير” لما ذهب إليه في كون قيادة “النهضة” كانت أكثر استشعارًا للخطر الذي يداهم الإسلاميين، من “الإخوان” في مصر، وهو ما جعلهم لا يغامرون بالسيطرة على مقاليد السلطة التنفيذية بالكامل، بالرغم من النتائج الكاسحة التي حصلوا عليها في الانتخابات، وفضلوا بدل ذلك اقتسام السلطة في إطار ترويكا جمعت الإسلاميين بالليبراليين واليساريين، قبل أن تتنازل بشكل أكثر جذرية على السلطة لصالح حكمة تكنوقراط بقيادة المهدي جمعة، وذلك عندما اشتدت الأزمة السياسية التونسية، وتزايدت الأصوات المطالبة بـ”استيراد” النموذج المصري، الذي “أطاح” بالإخوان بتلك الطريقة التي يعرفها الجميع.

تكتيك من؟

حمادي الجبالي عندما كان رئيسًا للحكومة بجانبه راشد الغنوشي الزعيم التاريخي لحركة النهضة



الرجل وفي دفاعه عن اختياره التخلي عن الأمانة العامة لحزب حركة النهضة، فسر قراره بأنه نابع عن أمور “ذاتية وموضوعية” أحجم عن ذكرها لموقع “الصدى” التونسي، المقرب من حركة النهضة الذي نشر بيانًا لحمادي الجبالي يفسر فيه ما “أسباب” ما أقدم عليه؛ وهي الأسباب التي بقدر ما تجعل المتلقي والمتتبع، على حد سواء، لا يقتنع بها، فإنها ستزيد من ضبابية وغموض قرار الاستقالة، خاصة عندما يتعلق الأمر بنفيه رغبته في “الانشقاق” وتأسيس تجربة سياسية جديدة، وكذا حول الرغبة في الترشح للرئاسة في الاستحقاقات التونسية المقبلة، فلنحاول قراءة واستبيان ما بين سطور “بيان توضيح” استقالة الجبالي:

أولاً: فيما يتعلق بمسألة الانشقاق، يقول الجبالي “إن ابتعادي عن الأمانة العامة لا يعني بالضرورة تأسيسًا أو انخراطًا في حزب آخر فلست في حاجة للبحث عن هوية جديدة فثورتنا المباركة – أهدافًا ومعاني – تكفيني إطارًا لمواصلة خدمة بلادي وأمتي ولأن كل تشكيل حزبي هو وسيلة وليس غاية. ولأن الإضافة الحقيقية اليوم هي تعزيز التوافقات والمصالحات وتوسيعها من أجل التصدي لأعباء المرحلة المقبلة وهي كثيرة وخطيرة ولا تتحمل التجاذبات وخطوط الفرز القديمة”.

حمادي الجبالي



يبدو أن الجبالي قد حسم في مسألة تأسيس حزب وهو وإن كان لا يريد ذلك، فإنه يحبذ أن يكون “مستقلاً” مستقبلاً إذا ما قرر “خدمة بلاده وأمته”، أي إذا قرر الترشح للرئاسة، وهو المنصب الذي لم يتقلده بعد، وهو ما يشرحه فيما يأتي.

ثانيًا: ما يسميه “احتمال ترشحه للرئاسيات” القادمة، يؤكد الجبالي بأن ذلك “حق كفلته الثورة في دستورها الجديد لكل بنات وأبناء تونس”، قبل أن يضيف، أن ذلك “القرار” أو “الاختيار” “الهام” “لا يؤخذ نزوة أو شهوة وإرضاء لطرف دون خدمة هذا الوطن”. وحتى يبقي الباب مواربًا على احتمالات عدة فإن القيادي الإسلامي المستقيل من حركة النهضة يؤكد على أنه “لا يرى أن شروط وظروف” اتخاذه لمثل هذا القرار متوفرة ويبقى الأمر مفتوحًا في الوقت المناسب على كل الاحتمالات تغليبًا للمصلحة العليا للوطن”.

الخلاصة أن الجبالي الذي يرفض شرح أسبابه “الذاتية والموضوعية” للتخلي عن الأمانة العامة بحركة النهضة، خارج “إطار الحركة والإخوة بها” احترامًا لتقاليدهم، يحسم في مسألة التأسيس لتجربة حزبية أخرى، والتي إن كانت ولا بد أن تحصل فإنها ستنهل من نفس الأيديولوجيا “الأم”، وهو ما يرفضه بمبرر أن الثورة هي “الإطار” المفضل له حاليًا، في نفس الوقت الذي يترك المجال مفتوحًا حول إمكانية ترشحه للرئاسيات..

المتتبع في هذه الحالة يمكنه أن يسلم بوجود “تكتيك”، إن لم يكن من قِبل “النهضة” فعلى الأقل من قبل القيادي المستقيل منها حمادي الجبالي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد