ودَّعت جنوب أفريقيا أكثر من 100 شخص فقدوا حياتهم في الشوارع والميادين العامة عقب اندلاع الاضطرابات وأعمال العنف الأسبوع الماضي، وذلك بعد أن انتشرت المظاهرات المنددة بحبس الرئيس الجنوب أفريقي السابق يعقوب زوما، بعد أن حكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة 15 شهرًا لاتهامه بإهانة القضاء وازدراء المحكمة بسبب رفضه المثول للمحاكمة في القضايا الموجهة إليه.

نشأت أعمال الشغب أولًا في مقاطعة كوازولو ناتال؛ وهي المدينة التي ولد فيها يعقوب زوما، ثم انتشرت إلى مقاطعات أخرى مثل: مبومالانجا، وجوتنج، وكوازولو ناتال، وكاب نورثرن، وتعرضت المستودعات والمتاجر للنهب في العاصمة الاقتصادية جوهانسبرج وديربان.

ما دفع الحكومة الجنوب أفريقية بفرض حالة الطوارئ، ونشر عدد ضخم من قوات الشرطة والجيش التي تعاملت مع الاحتجاجات بإطلاق القنابل الصوتية، والأعيرة المطاطية، والرصاص الحي أحيانًا من أجل احتواء الموقف.

Embed from Getty Images

شرطة جنوب أفريقيا تطلق قنابل الغاز على المحتجين

حالة الفوضى هذه تسببت أيضًا في إغلاق المراكز الصحية التي تمنح المواطنين اللقاحات المضادة لفيروس كورونا المستجد، ويذكر أن جنوب أفريقيا تعاني من الموجة الثالثة من الجائحة، وقد سجلت عدد حالات تجاوز المليونين منذ بداية الجائحة حتى الآن. 

لكن.. ما الذي أثار كل هذه الاحتجاجات في جنوب أفريقيا؟

الشرارة الأولى التي ألهبت الاحتجاجات كانت من مؤيدي يعقوب زوما، الذي اعتلى أعلى منصب في الدولة منذ عام 2009 حتى عام 2019، لكنه خرج من الحكم بطريقة غير شريفة، عندما قُدّم ضده عدد كبير من الاتهامات بالفساد، والرشاوى، واستغلال نفوذه لتحقيق أهداف شخصية؛ حتى أن القضاء الجنوب أفريقي وجّه إليه تهمة قد تكون الأولى في التاريخ، وهي «اختطاف الدولة»!

يعقوب زوما لم يكن المسئول الجنوب أفريقي الوحيد الذي مثل أمام القضاء، بل ضمت قائمة الاتهام عددًا كبيرًا من الوزراء، والمسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى في الحكومة التنفيذية، والسلطتين التشريعية والقضائية، فضلًا عن عدد كبير من رؤساء ومديري الشركات المملوكة للحكومة الجنوب أفريقية، والذين طالتهم تهم الفساد والتربح الشخصي بالتعاون مع يعقوب زوما نفسه. 

واشتعلت القضايا منذ البداية بسبب حديث الصحافة منذ سنوات عن نفوذ عائلة جوبتا ذات الأصول الهندية، والتي استطاعت من خلال الرشاوى التأثير على قائمة طويلة من المسئولين الحكوميين للتهرب من الضرائب والحصول على مناقصات حكومية، وشراء شركات حكومية بأسعار قليلة، وقالت الصحافة: إن نفوذ عائلة جوبتا كان يمتد إلى حد التأثير على قرارات يعقوب زوما، ليقوم بتعيين مسئولين ووزراء يخدمون مصالحهم.

الأخوان جوبتا المتهمان بالضلوع مع زوما في تهم الفساد – مصدر الصورة: تايم

قائمة الاتهامات أيضًا ضد زوما ضمت تهمًا قبل أن يصبح رئيسًا للدولة، مثل اتهامه بتلقي رشاوى خلال عقد صفقة سلاح عام 1999 لصالح الحكومة الجنوب أفريقية عندما كان وقتها نائب الرئيس، وكانت هذه التهمة في العام الأول لتعيينه في هذا المنصب. ومن الجدير بالذكر أن هذه هي القضية الأولى التي وضعت زوما قيد التحقيق، وكانت بداية الطريق لاكتشاف بقية الجرائم.

كانت مظاهرات مؤيدي زوما هي الشرارة التي ألهبت الاحتجاجات، إلا أن الشارع الجنوب أفريقي كانت له مطالب وسجل احتجاجات أخرى، مثل اشتعال الأسعار بسبب انخفاض قيمة العملة بعد الهبوط الكبير الذي شهده الاقتصاد؛ فضلًا عن ارتفاع نسبة البطالة إلى معدلات غير مسبوقة.

ففي العام الماضي شهدت جنوب أفريقيا أكبر انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي السنوي منذ عام 1946، مع انكماش بنسبة 7% في الاقتصاد، ووصلت نسبة البطالة إلى 32.6% في الأشهر الثلاثة الأولى من 2021 فقط.

وتقول التقارير إنه على عكس ما كان متوقعًا أن تكون جائحة فيروس كورونا المستجد هي السبب، بل إن السياسات الاقتصادية التي اتبعتها حكومة زوما أثرت على الاقتصاد، وجعلت من وجود خسائر اقتصادية مستقبلية أمرًا حتميًا، ثم جاءت الجائحة التي جعلت الخسارة أكثر حدة.

وكيف استجابت الحكومة الحالية لما يحدث؟

صرح الرئيس الجنوب أفريقي الحالي سيريل راما فوزا قائلًا: «إن العنف كان مخططًا له مسبقًا»، وصرح الكثير من المسئولين في الحكومة الحالية أيضًا أن أعمال العنف ليست تلقائية، لكن لم يخرج رد رسمي حتى الآن يشير بأصابع الاتهام نحو زوما والأطراف المؤيدة له، أو بمعنى أصح الأطراف التي استفادت من فترة حكمه. 

وفي السياق نفسه نشرت صحيفة «بي بي سي» البريطانية تحليلًا يؤكد التصريحات الحكومية بأن أعمال العنف كانت مُدبرة. ويعرض التحليل إستراتجية الفوضى التي يُتهم مقربون من الرئيس زوما في التخطيط لها.

Embed from Getty Images

الرئيس الجنوب أفريقي الحالي سيرير رامافوزا

ويقول الكاتب في تحليله: إن عمليات الاحتجاجات بدأت في حرق عدد كبير من شاحنات النقل بمدينة كوازولو ناتال في الأيام الأولى للتمرد، ثم تلتها مباشرة عملية إغلاق ممنهجة للطرق الحيوية، بين ميناء ديربان، ومدينة جوتنج، التي تعتبر القلب النابض للاقتصاد الجنوب أفريقي. وأن هذه الخطوة كان الهدف منه إيذاء الاقتصاد الذي كان يعاني بالفعل من الفساد وأضرار الجائحة العالمية.

أمر مهم آخر يجب ذكره هنا وهو أن يعقوب زوما يتمتع بدعم قوي من قبيلة الزولو، التي تعتبر أكبر فئة عرقية في جنوب أفريقيا. فجماعة الزولو لها «ملك» يحكمها، وحكومة داخلية تسير أمورها السياسية والاقتصادية، كما أن لها ظهيرًا شعبيًا قويًا يمتد عمره إلى قرون منذ بداية الاستعمار البريطاني، إذ كانت هي التي تكافحه.

وأشارت العديد من التحليلات إلى أن قبيلة الزولو كانت من ضمن الأطراف التي خطت للاضطرابات التي حلت بجنوب أفريقيا في الأيام الماضية، بل إن عناصرها مَن نظموا عمليات العنف وقطع الطرق الحيوية لكي تظهر الحكومة الحالية بشكل ضعيف، وتُقدم حكومة يعقوب زوما كأنها المنقذة من حالة الانقسام في البلاد.

لكن ميسوزوو زولو ملك قبيلة الزولو نفى تلك الاتهامات، وخرج للصحافة مطالبًا بتهدئة الأوضاع، بالإضافة إلى تأكيده على أهمية التشاور والتقارب بين جميع الأطراف لعودة السلام إلى شوارع جنوب أفريقيا مرة أخرى.

فهل انتهت صفحة الاضطرابات الجنوب أفريقية، أم أن مؤيدي يعقوب زوما، وأنصاره، ومن استفاد من «اختطافه للدولة» سيعيدون الكرة مرة أخرى، ويشعلون فتيل الأزمة حال إدانته في تهم الفساد والحكم عليه؟ وهل من الممكن أن تواجه جنوب أفريقيا قلاقل حرب أهلية؟ هذا ما قد يتضح خلال الأيام والأسابيع القادمة.

دولي

منذ 9 شهور
«فورين بوليسي»: عنف الشرطة في جنوب أفريقيا لا يفرِّق بين أسود وأبيض

المصادر

تحميل المزيد