711

في شركتها الاستثمارية الأنيقة المتخصصة في التوظيف، وفي مكتبها المكيف، الذي تقابل فيه العملاء الذين يتعاملون مع شركتها لتوظيف من يحتاجون من الموظفين لديهم في أعمالهم الخاصة، كانت رانيا – وليس هذا اسمها الحقيقي- تتأمل وضعها الوظيفي الجديد، ومن خلف المكتب الضخم الذي يحمل اسمها على لوحة خشبية باهظة الثمن وضعت عليه، والتي كانت قد أهداها لها زوجها عندما استلمت مكتبها الجديد، وأصرّ أن تكون اللوحة التي تحمل منصبها الجديد، وتقع عين عملاء شركتها عليها هدية منه هو؛ من وراء هذا المكتب ومن على كرسيها المريح بدأ كل شيء.

حديث الصباح والمساء

تلقف الكاتب والأديب محسن زايد الرواية الشهيرة «حديث الصباح والمساء» للأديب العالمي نجيب محفوظ، ليصنع منها مسلسلًا متكاملًا مكونًا من 28 حلقة، مدة الحلقة تصل إلى نحو 45 دقيقة، أخذ زايد الخطوط الرئيسية التي رسمها محفوظ، والمكونة لشخصياته لينسج منها شخصيات ذات تفاصيل إنسانية تعاينها فكأنك تعايش الشخصيات وتراها حولك.

ربما كان المحور الأهم في رواية ومسلسل «حديث الصباح والمساء» شخصية جليلة، وجليلة هي ابنة مرسي الطرابيشي، وزوجة الشيخ الأزهري «معاوية»، وهي الشخصية التي عمّرت في المعالجة الدرامية للقصة من الأجيال الأولى حتى نهاية الحلقات، دون أن يُعرف لحياتها المليئة بالمفارقات نهاية.

على الجانب الآخر، في الرواية كان مصير «جليلة» في سياق مختلف عن المعالجة الدرامية؛ حيث بدأ مع طعونها في السن وكسر الكبر لنشاطها مع بلوغها 105 أعوام، وانتهى بموتها على أريكتها وحيدة بعد أن فقدت حاستي السمع والإبصار، واعتمدت على الأنامل للتواصل مع الأفراد، وعلى ابنتها «شهيرة» في التعاطي مع الحياة، لتلفظ أنفاسها الأخيرة وحيدة ومحاطة بالعشرات من قطط ابنتها «شهيرة»، بعد أن بلغت من العمر 110 سنة.

كانت جليلة هي تلك الشخصية التي تعيش في الحياة على أطراف أصابعها، وتفاعلها الحقيقي يكمن في عالم الغيبيات الذي تتورط فيه شعوريًّا، أكثر من تورطها في الحياة المادية، التي تتعاطى معها فقط بمقدار ما يستلزم أمرها وأمر أبنائها.

كانت جليلة ترى دومًا عالمًا من اللامرئيات ماديًّا، ابتداءً من رؤية المنتقلين من الحياة، وصولًا إلى تعاملها مع الجن، الذي ظلت تشاكسه ويشاكسها حتى قرب انتهاء الحلقات الأخيرة من المسلسل، وكانت جليلة تتلقف خبر ما سيجدّ في حياتها وحياة من حولها من الغيب، إذ كان حديث قلبها وأحلامها تنبئها دومًا بخبر ما هو آت، فكانت تعرف من حان أجل انتقاله من الدنيا برؤية منامية تراها، وكانت تبشر هذا أو تلك بتغير سيجد في حياته رأته هي في منامها.

«جليلة» الواقعية بين الجاذبية الاجتماعية والاضطهاد

والواقع أن جليلة لا تعيش فقط بين سطور صفحات رواية محفوظ، ولا فقط بين مشاهد حلقات مسلسل زايد، فهناك الكثير من النماذج الحقيقية جدًا بيننا، والتي تحمل الكثير والكثير من شخصية «جليلة» المدهشة.

كانت رانيا تنظر إلى عيون زملائها فقط، لتعرف كامل ما يمرون به وما يدور بخلدهم، بدأ الأمر يأخذ حيز الجدّ في ذهنها حينما أصبحت تسمع بداخلها كلمات وتعرف أنها تدور بخلد أحدهم، لتجده بعد دقائق وربما لحظات أتى ليكررها على مسامعها، تعاملت مع الأمر في البدء كصدفة، وفسرته بأنها خبرت زملائها خبرة حياتية عميقة، بسبب وجودها وتعاملها معهم في الكثير من المواقف المختلفة، تمكنها من معرفة ما يفكرون به قبل أن تنطق ألسنتهم به، لكن الأمر يتطور أكثر فأكثر، فتقف بظهرها لتسمع كلمات يرددها شخص ما تعرفه، لتلتفت لتجده وراءها فعلًا، فأي خبرة حياتية تلك التي تجعلها تشعر بما يحدث وراءها؟

بدأ الأمر يدخل في الطور غير الاعتيادي لديها، حينما بدأت الأيام تصبح تجسيدًا لما تراه في أحلامها، فما يحدث من مواقف ومن تقابله من أشخاص، وما يحدث في أماكن تبعد عنها بمئات الكيلومترات، تراه في البدء في أحلامها، ثم لا تفاجأ به كثيرًا حينما تجده يتكرر أمامها ماديًّا.

الآن رانيا توقن أن هناك أمر ما غير عادي، وفي نطاق ضيق جدًّا من التعاملات مكنها هذا الأمر غير العادي من اكتساب مكانة خاصة لدى زملاء العمل والصديقات المقربات، الذين أصبحوا يعرفون أمر رانيا، والتي كانت تصرّ دومًا أن تنعته بأنه «سر»، ولا يجب أن يطلع عليه أحد سوى المقربين فقط. ما فوجئت به رانيا هو تمكنها من قراءة الفنجان أيضًا، وهو الأمر الذي لم تدرسه، ولم يعلمها إياه أحد، لكنها أرادت أن تجرب الأمر ذات مرة، لتجد نفسها تخبر زملاءها بأمور حقيقية في حياتهم لم تكن تعرفها، ولا تدري من أين أتت بها، تقول رانيا لنفسها إن الأمر برمته ربما يكون مصادفة، ولكنه حتى الآن صادق أكثر مما ينبغي.

لم تكن أمل تخشى كثيرًا عمتها التي تعيش وحيدة في أحد البيوت البعيدة في صعيد مصر، تحديدًا في محافظة نجع حمادي، هو ليس بيتًا بعيدًا عن العاصمة فقط، لكنه أيضًا بيت بعيد عن القرية التي تقطن بها أمل مع والديها وإخوتها.

كان كل صغار العائلة، وحتى كبارها يخشون العمة، لكن أمل تحب مجلسها كثيرًا، وتحب أن تذهب لزيارتها زيارات مطولة، رغم ما تتكبده من قطع المسافة الطويلة، وقلق أن تنسى نفسها في متعة الجلوس إلى عمتها ويسرقها الوقت ولا تجد مواصلات تعود بها إلى بيتها.

لا أحد كان يزور العمة تقريبًا، الجميع يخشونها، فقط لأنها لا ترى الجالس إليها وحده، ولكنها ترى أيضًا من حوله ممن لا يراهم هو، فتلقي السلام على العابرين، وترد عليهم السلام، وهو ما كان يثير رعب إخوة أمل وأبناء عمومتها، لكن أمل كانت تحب كثيرًا أن تراها عمتها، ومن عينيها تقول لها إن زميلتها في العمل التي تشاجرت معها كانت هي المخطئة في حقها، وإن أخاها ما كان يقصد أن يثير ضيقها في الموقف الذي أحدثه معها، كل هذا دون أن تنبت أمل ببنت شفة، ودون أن تقص لعمتها أيًا من هذه الأحداث.

على عكس رانيا التي دعمت قدراتها الخارقة علاقاتها الإنسانية والمهنية، فإن القدرات الخارقة لدى العمة فرضت عليها شكلًا من أشكال العزلة، فهي الآن يتجاوز عمرها الستين، لم تحظ بأبناء يهونون عليها الوحدة؛ لأنها في الأساس لم تحظ بزوج بسبب إشاعة أنها لديها خلل عقلي ما، وهي الآن ما بين كونها تثير سخرية الصغار أو خوفهم وهروبهم منها وعدم رغبتهم في زيارتها.

«قدرات غير عادية»

خلال 133 دقيقة يحاول داوود عبد السيد مؤلف ومخرج فيلم «قدرات غير عادية» أن يبرز أن هناك قدرات غير عادية قد يجدها أحدهم في نفسه، ولا تتركه تلك القدرات حتى يطمسها هو بيدي، مثلما فعلت «حياة» التي قامت بدورها الفنانة نجلاء بدر، التي وجدت أنه شاق جدًّا أن يختلف أحدهم عمن حوله، فأرادت أن تطمس قدراتها الروحية، وّأن تنتقل وابنتها «فريدة» للعيش في مكان لا يعرفهما فيه أحد، لتفاجأ بأن فريدة تحمل قدراتها أيضًا، ولكنها تتعامل معها بطفولة شديدة ولا حذر.

تنبئ فريدة صديقتها التي تلعب معها أنهما لا بد أن يحتميا الآن من المطر الذي سينهمر بعد قليل، رغم أنه لم يكن يوجد أي علامات توحي بأن المطر سيهطل؛ حيث كانت الشمس ساطعة، ليركز عبد السيد على وجه الطفلة وهي تنظر لفريدة مندهشة بعدما يهطل المطر بالفعل.

في تصريحات صحافية يقول الدكتور عبد الهادي مصباح، أستاذ المناعة، زميل الأكاديمية الأمريكية للمناعة: «ربما شاهدنا على مر السنين بعض الناس الذين يتمتعون ببعض القدرات الخارقة الخاصة التي لا تتوافر لدى الإنسان العادي على الإطلاق، فقد شاهدنا على شاشات التلفزيون من يستطيع أن يأكل الزجاج، ويمشى على النار ويدخل المسمار أو السكين في جلدة وعضلاته دون أن ينزف نقطة دم واحدة، وآخر يستطيع أن يسحب سيارة نقل، أو يوقف طائرة هليكوبتر بحبل يشده بأسنانه، بينما يستطيع أحدهم أن يقفز من عمارة عالية دون أن يصاب بأي خدش أو كسر».

ويضيف مصباح: أن القدرات الخاصة تُعد هبة من الله، إلا أن هناك بعض التمارين العقلية والذهنية التي تساعد على صفاء الذهن، بحيث يمكن تشغيل بعض المراكز العليا في المخ، التي لا تعمل في الظروف العادية، وحتى الآن لم يستطع أحد الوصول إلى تفسير علمي واضح لمثل هذه الظواهر الخارقة والغريبة.

فلقد استطاع أحد مرضى السرطان ويدعى «تولي بوركان» أن يقهر الورم الذي يئس الأطباء من شفائه من خلال إرادته التي جعلته يوقظ جهازه المناعي لكي يتصدى لهذه الخلايا الخبيثة، وذلك من خلال تمرينات ذهنية وعقلية وإيمانية، وكان له الشفاء الكامل، وبعد ذلك ألف كتابًا بعنوان «الموت من أجل الحياة» يشرح فيه تجربته ويصف كيف يمكن أن يرتقي الإنسان بقدراته، ويدرب إرادته لكي ينشط القدرات الكامنة في عقله، والتي لا يستخدمها معظم البشر، لكي يكتسب مثل هذه القدرات الخاصة؛ فالمخ البشري عند معظم الأشخاص لا يعمل بكامل قدراته وإمكاناته إلا عندما ينتبه الإنسان إلى أسلوب تنشيطه واستغلاله.

10% فقط

«الإنسان يستخدم 10% فقط من قدراته العقلية» كان هذا هو المنطلق الذي بُني عليه فيلم «Lucy»، وهو فيلم خيالٍ علميّ وإثارة فرنسي أمريكي من إخراج  لوك بيسون وكتابته، تصل مدة عرضه إلى نحو 90 دقيقة، رغم أن هناك دراسات تشير مؤخرًا إلى أن الإنسان يستخدم كامل طاقته وقدرة قشرته الدماغية، حتي أثناء نومه تظل القشرة الدماغية في حالة عمل.

يكشف الفيلم ما يمكن للمرء أن يفعله إذا وصل استخدام 100% من قدرة دماغه، فمنذ فترة ظهرت نظرية تؤكد بأن البشر لا يستخدمون سوى نسبة ضئيلة من قدرة الدماغ، ولعدة قرون افترض الكثير من العلماء ما يمكن أن يحدث عندما يصبح للإنسان القدرة على استخدام كل قدرات عقله، أي أن يكون قادرًا على إطلاق 86 بليون خلية عصبية دفعة واحدة، ليمكن وقتها أن يصبح شخصًا في الواقع يفوق طاقة البشر.

من خلال مادة كيميائية محظورة تسربت عن طريق الخطأ في جسد لوسي، والتي هي سكارليت جوهانسن، بدأ جسدها في التطور، وأصبحت تتمتع بقدرات دماغية خارقة ، فأصبحت لوسي تشعر بكل شيء حولها، الفضاء والهواء والاهتزازات والناس وحتى الجاذبية الأرضية، كما تطورت لديها الصفات الخارقة بما في ذلك التخاطر، والتحريك الذهني، وتوسيع نطاق المعرفة والسيطرة على كل شيء حولها.

«أوريليان هايمان» طالب في جامعة «دورهام» البريطانية، يبلغ من العمر 22 عامًا، وبحسب ما يشير موقع ديلي ميل، يستطيع هذا الشاب تذكر الأحاديث التي دارت في أي يوم من حياته، الملابس التي كان يرتديها، البرامج التليفزيونية التي شاهدها أو حتى أغاني البوب التي اعتاد سماعها في زمن مضى، باختصار، يستطيع ذلك الطالب تذكر كل شيء.

ظهرت قدرة «أوريليان» عندما كان في سن 11 عامًا، ليبدأ العلماء في إجراء دراسات على دماغه، ليكتشف الباحثون أن ذكرياته طويلة الأجل يتم تخزينها في كلٍ من الفص الجبهي الأيمن والأيسر، خلافًا لباقي البشر الذين يخزنون ذكرياتهم في فص الدماغ الأيمن فحسب، وهو الأمر الذي عزز حيوية الاحتفاظ بالذكريات، وساهم في سرعة استرجاعها دون جهد.

يصنّف علم باراسيكولوجيا على أن علم «الظواهر الخارقة»، كونه يعمل على تطوير قدرات الإنسان الروحية، ويعد التخاطر أو استشراف بعض الأحداث المستقبلية أو اكتشاف الأمراض، بعض القدرات الموجودة داخل المرء، والتي من بينها ما يطلق عليه «الحاسة السادسة»، ويرتقي بها الشخص بنفسه من خلال تمارين عدة، حسب الاختصاصي في علم باراسيكولوجيا، الكويتي الدكتور مكي إبراهيم، الذي أكد لموقع الإمارات اليوم أن «تطوير تلك القدرات لا يتعارض مع الدين»، مضيفًا أن تقنيات الباراسيكولوجيا تسهم في تحسين تعامل الإنسان مع كل ما يعترضه في الحياة، ما يعني أنه ينعكس إيجابًا على حياته ككل.

تقابل «جليلة» التي قدمت دورها في المسلسل الفنانة عبلة كامل بقدراتها وما تقتنع به من أفكار ومعتقدات موجة غضب عارمة من زوجها الشيخ «معاوية» رجل العلم الأزهري، والذي يقابلها في كثير من مواقف حلقات المسلسل بالاستغفار من أفعالها والتبرؤ مما تقوله، ومواجهتها بأنه ضلال وعدم وعي، تلك المقابلة الجافة بين حالين، والتي تكاد تنتصر فيها «جليلة» في مشهد رغبة الشيخ «معاوية» الهرب بأسرته حينما كان مطاردًا أمنيًا لتواجهه «جليلة» بحزم أنها لن تهرب لتصبح في حمى أحد؛ فقط لأن فوقها الحامي الستّار في إشارة للذات الإلهية، ليتراجع معاوية عن موقفه من الهرب.

تحظى «جليلة» بقبول جماهيري واسع، لتوشك أن تصبح هي البطلة الفعلية للرواية الشهيرة وللمسلسل الذي يكاد يكون أشهر، وليبقى من هم «جليلة» في الحياة الواقعية يُذكرونا بتلك الشخصية التي جسدت القدرات الروحية، والذهن الصافي من خلال امرأة بسيطة لا تعرف عن علوم الطاقة والباراسيكولوجي شيئًا.

تعليقات الفيسبوك