هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

اجتمع سياسيّون عراقيون ودبلوماسيون أجانب مع أعضاء من الكونجرس الأمريكي ومع نواب أوروبيين، في مؤتمر للمشروع الوطني العراقي المعارض بالعاصمة الفرنسية باريس، في منتصف 2016. وأعلن انتخاب جمال الضاري رئيسًا للجنة المركزية للمشروع، وهو شيخ قبيلة زوبع العراقية.

أثار المؤتمر جدلًا بسبب وجود أمريكيين فيه، وهم سياسيون من الدولة التي غزت العراق عام 2003 ودمَّرت الحياة السياسية فيه. ويدعو الضاري المجتمع الدولي لمواجهة أزمة «الإرهاب» في العراق بمسارين، عسكري وسياسي، لوضع نظام سياسي جديد في العراق بعيدًا عن المحاصصة الطائفية، بينما يُلقي باللوم على طرفين فيما وصل إليه العراق: الولايات المتحدة الأمريكية بغزوها للعراق عام 2003، وإيران التي لم تفوِّت الفرصة وأصبحت الأقوى نفوذًا في البلاد.

في هذا التقرير نُلقي الضوء على تحرُّكات الضاري مع لوبيات واشنطن للدفع برؤيته عن العراق للأمام وللترويج له شخصيًّا.

زعيمٌ سنيّ يندِّد بطهران في «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»

تبدأ أوّل عقود جمال الضاري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، مع شركة «سانيتاس إنترناشونال – Sanitas International»، لتنفِّذ له خدمات إعلامية وضغطًا سياسيًّا، ولكن لفترة قصيرة لم تستمر لأكثر من ستة شهور وانتهت في 30 أبريل (نيسان) 2016.

عقد الضاري يأتي باسم مركز أبحاث «سفراء السلام للعراق»، وهو مركزُ يترأسه الضاري. عملت الشركة بشكل أساسي على تشبيك الضاري بوسائل إعلام أمريكية كبرى لنقل رؤيته السياسية للعراق وللترويج لشخصه.

جزء من كلمة للسياسي العراقي جمال الضاري، عن انسحاب القوات الأمريكية من العراق.

فمثلًا، نسَّقت الشركة للضاري نشرَ مقالات رأي في موقع «ذا هيل»، أحدها عن تشريع جاستا الذي يسمح بمحاكمة مسؤولين من دول أجنبية منها السعودية، بتهم المشاركة في أنشطة إرهابية ضدَّ المصالح والمواطنين الأمريكيين.

وينتقد مقال الضاري تمرير التشريع ونزعه للسيادة (والحصانة القانونية) عن الدول التي يريد مواطنون أمريكيون محاكمتها، ويقول إن المشرِّعين الأمريكيين فاتهم أنّ القانون سيكون منفذًا لمحاكمة الولايات المتحدة وجنودها ومتعاقديها ممن شاركوا في احتلال العراق وقتلوا من العراقيين.

ويرى الضاري أنَّ «صعود الميليشيات الإرهابية» مثل «تنظيم القاعدة» و«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» جاء نتيجةً للفوضى التي أحدثتها أمريكا في العراق، وينهي المقال بالدعوة للتراجع عن التشريع لأنه يأتي على عكس ما يحبِّذ حلفاء الولايات المتحدة الإقليميون، مثل تركيا والأردن وباكستان، بجانب المملكة العربية السعودية.

كما نُشر له مقالٌ آخر في نهاية 2016، بعد فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية، دعا فيه ترامب لـ«قيادة السياسة الأمريكية في العراق باتجاه جديد». كما يلوم الضاري الرئيس الأمريكي باراك أوباما وسياسته تجاه العراق، ويقول إنه سلَّم الملف لنائبه جو بايدن من اليوم الأول، وبعث بسفيرٍ لا يتكلَّم العربية ولا يريد حتى أن يفهم العراقيين، وحذَّر ترامب من الوقوع في أخطاء سلفه.

ومثل غيره من شيوخ السُّنَّة العراقيين، يندِّد الضاري بسكوت الولايات المتحدة لسنواتٍ عن نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق، وصمتها عن حكمه «الاستبدادي» لسنوات انتهت بصعودٍ شرس لتنظيم «داعش»، ويؤكد أن السنة هم المفتاح للقضاء نهائيًّا على «الإرهاب».

وقد نسَّقت الشركة للضاري تواصلًا مع صحيفة «واشنطن بوست» التي نشرت له مقال رأي يتحدث فيه عن موقف السنة، وأهل مدينة الفلُّوجة العراقية، من تنظيم «داعش» ويؤكد فيه أنهم ضده، ولكنهم أيضًا ضد «الميليشيات المدعومة من طهران». وتواصلت الشركة للضاري مع «نيويورك تايمز»، ونشرت له فيها مقال رأي: «سلِّحوا السنة للحفاظ على الموصل»، وموضوعه واضحٌ من عنوانه.

من أنشطة شركة «سانيتاس إنترناشونال» لصالح جمال الضاري، ويظهر هنا تواصلها مع وسائل إعلام أمريكية للترويج لمقال عن خطط الولايات المتحدة لاستعادة الموصل من تنظيم داعش. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

وتذكر وثائق الشركة تواصلًا وحيدًا مع الكونجرس، باجتماعها لصالح الضاري مع مكتب السيناتور مايك راوندز، عضو لجنة القوات المسلحة، في أكتوبر (تشرين الأول) 2015. ومن اللافت للنظر أن الشركة لم تذكر تلقّيها لأي مقابل مادي لأنشطتها، على خلاف المعتاد لما يتطلبه القانون الأمريكي.

وتكشف سجلات وزارة العدل الأمريكية عن عقد في 19 مايو (أيار) 2016 مع شركة «نيلسون مولينز ريلي سكاربوروج – Nelson Mullins Riley & Scarborough»، دفع فيه الضاري 90 ألف دولار أمريكي، ولكنّ الوثائق لا تذكر أي تفاصيل عن أنشطته، عدا عن التنسيق لعقد اجتماعاتٍ مع سياسيين في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ويأتي هذا العقد باسم «جمعية سفراء السلام للعراق»، وقد تأسَّست الجمعية في لاتفيا عام 2014، ويرأسها الضاري، وتسعى للتواصل مع الجهات والحكومات الدولية المعنية بالوضع العراقي.

مارك الصالح.. رجل سنة العراق في واشنطن

وفي تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» في أبريل 2017، ذكرت أن الضاري جاء في زيارة لواشنطن لمدة 10 أيام لم يستطع فيها الاجتماع بأي مسؤول من إدارة ترامب لمناقشة مستقبل العراق بعد الحرب على «داعش»، وأنَّ اجتماعاته اقتصرت على الكونجرس.

وقد نسَّق لهذه الزيارة عام 2017 رجل الأعمال العراقي الأمريكي، مارك الصالح، وهو مستشار سياسي للضاري ولشخصيات سنية أخرى، مثل السياسي طارق الهاشمي، نائب رئيس وزراء العراق سابقًا.

مارك الصالح، رجل أعمال عراقي أمريكي ينفِّذ خدمات ضغط سياسي لجهات سنية عراقية مختلفة.

يعمل مارك الصالح من واشنطن لصالح عدة جهات سُنّية عراقية، ومقابل مبالغ كبيرة يوصلهم بمسؤولين في البيت الأبيض، ووزارة الخارجية الأمريكية، والكونجرس، وهذا ما فعله مع الضاري، بالإضافة للضَّغط للتخلُّص من التدخل الإيراني في العراق و«ميليشيات الإرهاب الإيرانية»، والضغط على أمريكا لـ«حظر قوات الحشد الشعبي الموالية لطهران».

ونسَّق الصالح زيارةً لواشنطن للضاري في شهر أبريل 2017، ولربما هي الزيارة نفسها التي ذكرتها «نيويورك تايمز»، وتذكرُ سجلات الصالح في وزارة العدل الأمريكية تنسيقه للقاءات مع الخارجية الأمريكية ومع «الدوائر الدبلوماسية» والسفارات في واشنطن.

أخذ الصالح مقابل خدماته منذ مطلع 2017 قرابة 290 ألف دولار، ولم نستطع التوثق إذا ما استمرت علاقة الصالح بالضاري حتى الآن.

الضاري يوظِّف أحد قادة اللوبي المناصر لإسرائيل

دقَّ جمال الضاري أبواب واشنطن بقوة منذ أغسطس (آب) 2016، مستعينًا بـ«مجموعة واشنطن ستراتيجي – Washington Strategy Group»، وهي شركة محاماة وضغط سياسي مختصة بشؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية.

رئيس الشركة هو جويل روبين، المدير التنفيذي للمؤتمر اليهودي الأمريكي منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وتُعرِّفه منظمته بأنه ناشط يهودي من عائلة «وفيةٍ لإسرائيل»، ويذكر أنه شارك في مخيم صيفي في أول كيبوتس (مستوطنة زراعية) في فلسطين قبل الاحتلال، واسمه كيبوتس «دغانيا ألف».

والمؤتمر اليهودي الأمريكي هو أحد المنظمات القديمة المناصرة لإسرائيل، والساعية لتعزيز علاقاتها وارتباط مصالحها بالولايات المتحدة.

وعملَ روبين في فترة أوباما نائبًا لمساعد وزير الخارجية للشؤون التشريعية، وهو مكتب مسؤول عن التنسيق بين وزارة الخارجية والكونجرس بشأن التشريعات التي تهم الكيانين، وهو دبلوماسيٌّ عمل على ملف الشرق الأوسط في الخارجية الأمريكية منذ عهد إدارة الرئيس بوش الابن.

ومن آخر المناصب السياسية التي تولاها روبين كانت في حملة بيرني ساندرز، المرشح الديمقراطي التقدمي للانتخابات الرئاسية عام 2020، وكان مسؤولًا عن التواصل مع المجتمع اليهودي الأمريكي.

بدأت الشركة بتنفيذ خدماتها في سبتمبر (أيلول) 2016، لتبدأ باجتماع مع آن باترسون، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى آنذاك، والسفيرة الأمريكية إلى مصر سابقًا، وكان الاجتماع للترويج لمؤسسة الضاري ولإبلاغها برغبته في الاجتماع بمسؤولين أمريكيين.

هذا الاجتماع واتصالات أخرى يبدو أنها تمهيد لزيارة الضاري في 2017، فمثلًا اجتمعت الشركة مع موظفين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب ليروِّج لمؤسسة الضاري واحتمالية زيارته لواشنطن. ورافق ذلك اتصالات مع مكاتب نواب جمهوريين، أهمهم إيد رويس، رئيس لجنة العلاقات الخارجية؛ لإشعارهم بقدوم الضاري ورغبته بالاجتماع بهم.

وتمهيدًا لزيارة الضاري لواشنطن، اجتمعت الشركة مع جوي بينينجتون، نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون العراق، وهو دبلوماسي مخضرم عمل سابقًا في موسكو وأنقرة، والأهم عمله قنصلًا عامًا في أربيل (2013- 2015)، وهي عاصمة إقليم كردستان العراق، وقد تكرر تواصل الضاري ووكلائه لاحقًا مع بينينجتون.

ومن اللافت للنظر في هذه الفترة، تواصل الشركة أكثر من مرة مع مكتب شؤون إدارة الهجرة بالخارجية الأمريكية، لمناقشتهم بإجراءات سفر أحد الأشخاص، ولم يُفصح عن هويته.

زيارة جمال الضاري لواشنطن

بدأت زيارة جمال الضاري، التي نسقت لها شركة «واشنطن ستراتيجي»، باجتماعٍ مع «مركز التقدم الأمريكي»، مركز الأبحاث الليبرالي الديمقراطي، تليها مقابلة إعلامية مع وكالة «رويترز»، ثم جلسة حوارية مع عدة وسائل إعلامية: صحف «واشنطن بوست»، و«وول ستريت جورنال»، و«نيويورك تايمز»، وأخيرًا شبكة «سي إن إن».

واجتمع الضاري في زيارته بعدة شخصيات ديمقراطية، منهم النائبان: تيد دتش، زعيم الأقلية في اللجنة الفرعية عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وزميلته تولسي جابارد، من لجان القوات المسلحة والخارجية، وأخيرًا السيناتور إد ماركي، عضو لجنة الشؤون الخارجية.

ويبدو أن الزيارة استمرت لأكثر من 10 أيام؛ إذ تابعت الشركة التنسيق لها مع مسؤولين أمريكيين حتى 18 أبريل 2017، منهم بيتر شيا، مسؤول مكتب العراق بوزارة الخارجية، وهو دبلوماسي مختص بالشرق الأوسط، ونسقت الشركة لاجتماعات مع شخصيات أخرى مثل نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون العراق، وبعد انتهاء الزيارة وزَّعت الشركة موادًا ترويجية لأنشطة الضاري.

جمال الضاري

السياسي العراقي جمال الضاري في زيارة لوزارة الخارجية، مع بيتر شيا، مسؤول مكتب العراق بالوزارة، ودبلوماسي مختص بالشرق الأوسط. مصدر الصورة: الصفحة الرسمية لجمال الضاري على «فيسبوك».

وتابعت الشركة التواصل مع مسؤولي الخارجية الذين اجتمع بهم الضاري، وتواصلت أيضًا مع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة، وهو مسؤول عن جمع استخبارات مالية وتنفيذ العقوبات الأمريكية الاقتصادية والتجارية، وتابعت الشركة تواصلها مع المكتب لاحقًا حتى نهاية 2018 على أقل تقدير.

مع كبار الكونجرس في زيارةٍ أخرى

بدايةً من الربع الأخير لعام 2017، تواصلت الشركة مع أعضاء كبار ومهمين في الكونجرس، فاجتمعت مرة مع مكتب النائب الديمقراطي إليوت أنجل، أحد حيتان الديمقراطيين في الكونجرس، وأحد المناصرين الأقوياء لإسرائيل.

واجتمعت الشركة أيضًا مع مكتب السيناتور بيرني ساندرز، أحد كبار شيوخ الديمقراطيين بالكونجرس والمرشح السابق للرئاسيات، وتقول الوثائق إن هذه الاجتماعات كانت لمناقشة شؤون العراق.

عاد الشيخ جمال الضاري في زيارة أخرى لواشنطن في أبريل 2018، ليعقد اجتماعًا مع ستيني هوير، ثاني أرفع نائب ديمقراطي بمجلس النواب، وضمَّ الاجتماع شخصيات أخرى مثل السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي، من لجان المخصصات، المسؤولة عن المساعدات، ولجنة العلاقات الخارجية.

ومعهم في الاجتماع النائب الديمقراطي سيث مولتون، من لجنة القوات المسلحة والميزانية، وهو جندي مشاة سابق شارك في الحرب على العراق رغم اعتراضه عليها، ويرى أن غزو العراق كان خطأً، ولكنه لا يؤيد سحب القوات منها، وفي الوقت نفسه لا يؤيد زيادتها.

وحضر أيضًا زميله النائب جيمي راسكين، من لجان القضائية والرقابة والإصلاح الحكومي، وهو ممن يؤيدون تدخلًا أمريكيًّا أقوى في سوريا والعراق، لا الاكتفاء باستخدام سلاح الجو وفقط.

/
جمال الضاري مع النائب الديمقراطي جيمي راسكين، من لجان القضائية والرقابة الإصلاح الحكومي، مصدر الصورة: الصفحة الرسمية لجمال الضاري على فيسبوك

ولا تذكر الوثيقة أية اجتماعات أخرى للضاري في زيارته الثانية لواشنطن، وفيما يبدو أنه لم يستطع الوصول لشخصيات من مجلس الأمن القومي الأمريكي الذي قال سابقًا إن الاجتماع بموظفيه سيكون أفضل من الاجتماع بأعضاء الكونجرس.

وبعد هذه الزيارة للضاري، تابعت الشركة تواصلها مع مسؤولي العراق في وزارة الخارجية، وبدأت بالتنسيق لزيارة جديدة له تمَّت في ديسمبر (كانون الأول) 2019، واقتصرت مثل الزيارات السابقة على اجتماعات مع الكونجرس واجتماع واحد مع وزارة الخارجية الأمريكية.

وانتهى التعاقد بين الشركة والضاري في 29 أبريل 2020، وأخذت الشركة مقابل خدماتها العديدة 388 ألف دولار أمريكي، بحسب وثائق وزارة العدل الأمريكية.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

تحميل المزيد