«الجزائر أفضل من أمريكا وأفضل من السويد» و«درستُ مع أنجيلا ميركل»، هذه أمثلةٌ لبعض التصريحات الساخرة للأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، جمال ولد عباس، الذي يثير جدلًا في الجزائر، لكن الخرجة الأخيرة لولد عباس أثناء سؤاله عن المكان الذي يؤدي فيه صلاة التراويح، وإجابته بالقول إنّه لم يصلِّ في المساجد منذ تسعينات القرن الماضي – إبان العشرية السوداء التي عصفت بالجزائر – واكتفاؤه بالصلاة «خلف التلفزيون» خلّفت موجة سخريةٍ كبيرةٍ من رئيس الحزب الحاكم، في الأسطر التالية نضعك عن قرب في صورة الأمين العام لحزب «جبهة التحرير الوطني» جمال ولد عباس.

ولد عباس.. طبيب مقرّب من بوتفليقة يقود الحزب الحاكم

بعد أزمة عاصفةٍ في المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني، أعلن في 27 من أكتوبر (تشرين الأوّل) من عام 2016 عمار سعيداني – الذي كان سببًا في الإطاحة برجل المخابرات الجنرال محمد مدين – استقالته من الأمانة العامة للحزب الحاكم، بعد شغله للمنصب طيلة ثلاثة سنوات، وعزا سعيداني أسباب استقالته لأسباب صحية، مضيفًا في اجتماعه مع اللجنة المركزية للحزب، والتي كان ولد عباس أحد أعضائها: «أقدم أمامكم استقالتي، وأصر على الاستقالة؛ للمصلحة العامة للحزب والبلاد».

ليشرف بعدها سعيداني على انتخاب خليفةٍ له، وهو ما فتح الباب أمام ولد عباس للعودة للظهور من جديد بعد عهدةٍ خافتة في مجلس الأمة. وبحكم أنّه الأكبر سنًا بين أعضاء اللجنة المركزية تمت تزكية ترشح ولد عباس أمينًا عامًا للحزب الحاكم.

وُلد جمال ولد عباس يوم 24 فبراير (شباط) 1934 بمحافظة تلمسان الجزائرية، وهي نفس المحافظة التي ولد بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. يقول ولد عباس عن نفسه أنّه شارك في الثورة الجزائرية منذ انطلاقها، وحكم عليه بالإعدام غيابيًا، وهي التصريحات التي فندتها المجاهدة الجزائرية «جميلة بوحيرد» في تصريحات لها لجريدة الجمهورية المقربة من السلطة في الجزائر، وهي التصريحات التي أغضبت ولد عباس، وجعلته يؤلب وزير الإعلام والاتصال الجزائري «جمال كعوان» ضد الجريدة العمومية.

استفاد ولد عباس من منحة دراسية إلى ألمانيا الشرقية عام 1957 منحته إياها جبهة التحرير الوطني، وهناك درس الطب، وتخصص في أمراض الصدر والحساسية ومكافحة داء السل، وتخرج عام 1964؛ ليعمل رفقة بعض الأطباء الجزائريين على تأسيس الاتحاد الطبي الجزائري، والذي تولى رئاسته عام 1989، وأعيد انتخابه مرّات عدة، إضافة إلى عضويته في المجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب منذ عام 1981.

بعد عودته إلى الجزائر بعد الاستقلال، تولّى ولد عباس مهامًا عديدةً في مؤسسات الدولة الجزائرية، فقد انتخب سنة 1974 عضوًا في المجلس الشعبي الولائي لمحافظة سيدي بلعباس (غرب الجزائر)، ثم نائبًا في البرلمان الجزائري سنة 1982، وأعيد انتخابه نائبًا عام 1987 لعهدةٍ ثانية مكلّفًا هذه المرّة برئاسة لجنة الشؤون الخارجية والتعاون، بالموازاة مع ذلك تمّ انتخابه عضوًا في اللجنة المركزية للأفلان منذ عام 1988. وبُعَيد نشوب الأزمة السياسية في الجزائر عقب وقف المسار الانتخابي سنة 1991، ودخول الجزائر في حربٍ أهلية؛ تولى ولد عباس رئاسة لجنة الشؤون الخارجية والجالية الجزائرية في الخارج من 1994 إلى 1997.

ومع مجيء بوتفليقة للسلطة وفوزه بالانتخابات الرئاسية ربيع سنة 1999، وبحكم الصداقة التي تربط الرجلين، مُنِح ولد عباس مناصب وزارية عدة، أبرزها وزارة التضامن الوطني بين عامي 1999 و2001، ثم بين عامي 2007 و2008، ووزارة الصحة وإصلاح المستشفيات بين عامي 2010 و2012، ليغادر ولد عباس الحكومة عام 2012 بعد احتجاجات واسعة مست قطاع الصحة، ثم يعينه بوتفليقة لاحقًا عضوًا في الثلث الرئاسي بمجلس الأمة؛ ليشغل منصب نائب الرئيس بالمجلس، ومع مطلع سنة 2015 أصبح ولد عباس عضوًا في المكتب السياسي للحزب الحاكم.

وبعد مدٍ وجزرٍ، ومعارك شرسة، قرّر الأمين العام لجبهة التحرير الوطني السابق عمار سعيداني تخلّيه عن منصبه، في مفاجأة كبيرةٍ لم يتوقعها آنذاك أحد، وهي الاستقالة التي رُبطت برغبة بوتفليقة في التخلص من سعيداني بعد تجاوزه للخطوط الحمراء، خصوصًا بعد الأزمة التي حدثت بين سعداني ورئيس جهاز المخابرات الجنرال توفيق، باتهامه بالتآمر على استقرار البلاد وعلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؛ ليخلف الطبيب المقرب من بوتفليقة الدكتور جمال ولد عباس سعيداني على رأس الأفلان يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 بصفته أمينًا عامًا بالنيابة حتى سنة 2020، وتطبيقًا للقانون الانتخابي لحزب جبهة التحرير، فقد عاد منصب الأمين العام بالنيابة إلى ولد عباس باعتباره الأكبر سنًّا، وذلك بتزكيةٍ من طرف أغلبية أعضاء اللجنة المركزية (أعلى هيئة قيادية في الحزب) التي انعقدت في دورة عادية.

اقرأ أيضًا: صراع السلطة ينتقل إليها.. ماذا يحدث في مؤسسة الجيش بالجزائر الآن؟

أكبر من ميركل بـ20 عامًا لكنه «درس معها الطب»!

منذ تربعه على المشهد السياسي في الجزائري، باعتباره أمينًا عامًا للحزب الحاكم في البلاد، لم يخلُ خطاب وتصريح ولد عباس من الجدل، مهاجمًا تارة خصومه، ومبالغًا تارة أخرى في وصف إنجازات بوتفليقة، فما إن ثبّت نفسه على كرسي الأمانة العامة للأفلان (الحزب الحاكم في الجزائر) حتى خرج بتصريحٍ مثيرٍ بالقول: إن «الرئيس بوتفليقة سيشفى قريبًا، وسيقف ويمشي على رجليه خلال أشهر».

لم يتوقف لسان ولد عباس عن النطق بالتصريحات الكوميدية؛ ليصل الأمر هذه المرّة إلى زعمه أنّه درس مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في نفس الجامعة الألمانية «لايبزغ»، رغم أنها تصغره بـ20 سنة، فهو من مواليد 1934، وهي من مواليد 1954، وهو التصريح الذي شهد تهكمًا شديدًا لدى الجزائريين، بحكم فارق السنّ بينهما، إضافةً إلى كون المستشارة الألمانية درست وحصلت على دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية، بينما درس ولد عباس الطب وتخرج طبيبًا عام 1964، وسبق أن صرّح من قبل أنه «أقدم طبيب في الجزائر».

استمرت خرجات ولد عباس بالقول مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي أنّ الجزائر أفضل من دول شمال أوروبا، كالسويد، الدنمارك، والنرويج في مجال الدعم الاجتماعي، مؤكدًا أن الجزائر تنفق ما يقارب 13% من ميزانية التجهيز في حين تلك الدول لا تتجاوز 2%، وهي التصريحات التي فجّرت سخرية كبيرة من الأمين العام للأفلان إلى حد ردّ حساب السويد الرسميّ على موقع «تويتر» بالقول: «لا يظهر ذلك في الإحصاءات العالمية».

لم تكتف تصريحات ولد عباس بالتحرش بالسويد ليخرج مرةً أخرى بزعمه في لقاء حزبي أن الجزائر أفضل من أمريكا، وأنها تستطيع نقل الماء الصالح للشرب من مدينة إلى أخرى في الصحراء الجزائرية، وأنّ أمريكا ليس لها شهداء، مثل العربي بن مهيدي، ومصطفى بن بولعيد، ليتفرد ولد عباس بمدح إنجازات بوتفليقة بالقول: إنّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة «لايتكلم، ولا يتحرك كثيرًا، ولكنه رجل المعجزات».

وسبق لولد عباس ان صرّح في مهرجان شعبي في ولاية بسكرة (جنوب شرقي الجزائر) أن صرّح أن الصحابي عقبة بن نافع الذي يعتبر من أبرز قادة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، هو «مِلكٌ لجبهة التحرير الوطني لوحدها»!

وفي منتصف شهر رمضان الجاري وأثناء سؤاله من طرف بعض الصحافيين عن المكان الذي يصلي فيه صلاة التراويح، ردّ ولد عباس بالقول أنه لا يصلي في المساجد منذ العشرية السوداء، ويكتفي بالصلاة بالمنزل خلف الشاشة.

«بوتفليقة سيفوز بـالعهدة الخامسة.. وأنا سأبقى على رأس الأفلان حتى 2034»

وسط حديثٍ عن وجود خلافاتٍ بين أعضاء المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني حول «العهدة الخامسة»، قام الأمين العام للحزب جمال ولد عباس بإجراء تغيير جذري في المكتب، يعتبر أكبر عملية تغيير تمس الهيئة القيادية العليا للحزب، وجاء التغيير حسب ولد عباس بناءًا على طلب الرئيس بوتفليقة، وشمل التغيير الإطاحة بـ15 عضوًا يعتبرون من القدامى وإطارات الحزب المتكون من 19 عضوًا، فيما احتفظ بأربعة أعضاء فقط من التشكيلة السابقة.

يأتي هذا التغيير قبل أقل من سنة على موعد الانتخابات الرئاسية المنتظرة في الجزائر ربيع سنة 2019؛ إذ يطمح الحزب إلى الحفاظ على مقاليد الحكم، وبدأ جديًا لهذا الغرض حملة ترويجية وانتخابية، من أجل ترشيح رئيس الحزب عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، استهلها أمينه العام جمال ولد عباس بإعلانه عن ميلاد تنسيقية طلابية تحت مسمى «جيل بوتفليقة»، مشكلةً من ستّة تنظيمات طلابية من أصل تسعة تنظيمات معتمدة، والتي تم تشكيلها في إطار مبادرة «إحصاء إنجازات الرئيس».

كما طالب ولد عباس في كثيرٍ من المناسبات «بالاستمرارية في مهمة الرئيس مثلما بدأها عام 1999»، وكان ولد عباس قد صرّح في أبريل (نيسان) الماضي حول مسألة ترشح بوتفليقة: «الرئيس استطاع أن ينجز ويحقق الكثير من المكاسب»، مشيرًا إلى أن الحزب بدأ صياغة وثيقة من ألفي صفحة تبرز وجهة صرف الألف مليار دولار، منذ اعتلاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سدة الحكم عام 1999، وكشف ولد عباس أن بوتفليقة أعدّ تصورًا ورؤية مستقبلية للجزائر وخطة طريق لمرحلة 2020 إلى 2030.

وعن مستقبله كأمينٍ عام للحزب الحاكم، وردًا على محاولات خصومه بالإطاحة به، كشف ولد عباس عن عزمه البقاء أمينًا عامًا للحزب حتى سنة 2034، وهي السنة التي سيبلغ فيها عمره قرنًا، وقال «سأبقى عسّاسًا – حارس – على باب الأفلان لمنع الفوضى».

مُعارضو ولد عباس يستعدون للانقلاب عليه

بعد موجة من الهدوء خلّفتها استقالة سعيداني من الأمانة العامة، عاد الصراع مجددًا ليدق باب الأمانة العامة للحزب الحاكم في الجزائر، تمثل الصراع في عودة كلٍ من الأمينين العامين الأسبقين للأفلان كلًا من عبد العزيز بلخادم وعمار سعيداني للظهور مجددًا عازمين على الإطاحة بالأمين العام، فبلخادم أثار الهجوم على ولد عباس منتقدًا خطابه وطريقة إدارته للحزب، كما نظّم خرجات ميدانية إلى عدّة محافظات من أجل توعية أعضاء اللجنة المركزية لسحب البساط خلال الدورة العادية للجنة المركزية والمناداة بتنظيم مؤثمر استثنائي يطيح من خلاله بولد عباس، أمّا سعيداني فبدأ في جمع توقيعات أعضاء اللجنة المركزية للإطاحة بولد عباس، وبدوره دعا عبد الرحمان بلعياط، المنسق السابق للمكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني وأحد معارضي ولد عباس، الرئيس بوتفليقة إلى التدخل من أجل إصلاح مسار الحزب.

من جهته قرر عضو مجلس الأمة (الغرفة السفلى للبرلمان الجزائري) عبد الوهاب بن زعيم، رفقة أعضاء من اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، مقاضاة الأمين العام للحزب جمال ولد عباس، أمام المحكمة الإدارية بتهمة عدم احترام القانون الأساسي والنظام الداخلي للأفلان، وأضاف بن زعيم قائلًا: «ولد عباس غير شرعي وليس منتخبًا، والكل يعلم أن هذا الأخير تم تعيينه مباشرة بعد استقالة عمار سعداني من الحزب، وهذا لتسيير المرحلة الانتقالية التي لا يجب أن تتجاوز مدتها الشهر الواحد وفقًا للنظام الداخلي للأفلان».

وكان ولد عباس قد شبّه معارضيه بـ«الحيوانات السباتية التي تنام لفترة معينة، ثم تصحو وتقرر المعارضة»، وقصد المسؤول الأول في الحزب الحاكم خصومه السياسيين الذين يحاولون سحب الثقة منه عن طريق عقد دورة طارئة للجنة المركزية لحزب (الأفلان)، وأضاف ولد عباس بأنه غير مبال بالتحركات التي تستهدفه وتستهدف الحزب، قائلًا: إنه مع الرئيس بوتفليقة، ولدي قناعة بمبادئه، مستعينًا بعبارة «هُنا يموت قاسي»  أي: هنا سأبقى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد