عاشت مصر لمدة طويلة دولةً ذات تأثير قوي في القارة الإفريقية، إلا أنه مع أحداث ومستجدات الوضع في الشرق الأوسط، تحول جل اهتمام العلاقات الدولية للنظام السياسي المصري تجاه القوى الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ودول الإقليم الكبرى كإيران والسعودية.

وبالرغم من هذا الغياب الذي دفعت ثمنه دول صديقة مثل السودان والصومال وإرتيريا، إلا أن ثورة 25 يناير ألقت بظلالها على الكثير من مواقف الشعوب الإفريقية تجاه ما حدث في الـ18 يوم، وهي الفترة التي سماها الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا بالخروج من السجن الكبير، وشبه ذلك باليوم الذي غادر فيه السجن بعد 27 سنة من العيش وراء القضبان.

ولاعتبارات الوزن الذي تمثله القاهرة لدى حكومات وشعوب الدول الإفريقية، تعتبر العاصمة المصرية أحد المدن القليلة التي يسافر من خلالها زوار القارة الإفريقية، ولا ينافسها في ذلك سوى العاصمة الفرنسية باريس أو الدار البيضاء المغربية باتجاه دول غرب إفريقيا.

التأثير المصري في القارة قبل وبعد الثورة

وجاءت 25 يناير باعتبارها أحد الثورات التي هزت الكيان الاستبدادي، بعد نجاح الثورة التونسية في إبعاد زين العابدين بن علي، في دول المنطقة العربية والقارة الإفريقية، وتخوف عدد من الأنظمة السياسية من تكرار تجربة ثورات 1989 التي انطلقت من بولندا، لتتوسع نحو المجر وألمانيا الشرقية وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا، ليسقط الجدار الشيوعي بوسط وشرق أوروبا.

وحاولت المجلة الناطقة باللغة الفرنسية جون أفريك المتخصصة في الشأن الإفريقي، أكثر من مرة تشويه صورة الثورات العربية بدءًا بحصر السلوك في الإسلاميين المتطرفين، إلى الحديث عن الفوضى الخلاقة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، نهاية إلى تبشير الأفارقة بعودة العلمانيين إلى سلطة الحكم في تونس (عن طريق السبسي) ومصر (عن طريق شفيق) وفي اليمن (من خلال علي عبدالله صالح).

وكتبت المجلة الواقع مقرها الرئيسي في العاصمة الفرنسية باريس، في افتتاح عام 2016 مقالًا تحت عنوان (ماذا تبقى من الربيع العربي؟) مع صورة لمواطن عربي دمر بلده بيديه، وقامت نفس المجلة بربط الثورات العربية بالتحرك القطري وبالمجمع الإعلامي (الجزيرة).

دول القرن الإفريقي الأقرب إلى الثورة

ومع بدايات الثورات العربية، وخاصة لما انتقلت إلى مصر، تخوفت السلطات في الدول الإفريقية الواقعة بالشرق الإفريقي من تكرر التجربة لدى شعوبهم، وأبدت كل من إثيوبيا وإرتيريا وجيبوتي التي يعمر رؤساؤها لأكثر من عشر سنوات في الحكم، تخوفات كبيرة من تأثير الحراك العربي على عقول جماهيرهم.

ويعود هدا التأثير على دول جنوب مصر والسودان، للتركيبة الثقافية والتأثير الاجتماعي والقرب الجغرافي منها، بالإضافة إلى التقارب في الحكم بزمام السلطة في كل دولة، وهو التقاطع الذي يؤدي إلى نفس السلوك والمسار الشعبي في المطالبة بتحسين ظروف المعيشة، وتوسيع مجالات الحرية والديمقراطية.

وبالرغم من كل المؤشرات التي كانت تؤدي إلى تغير سياسي واجتماعي، إلا أن التحركات الشعبية لم تصل إلى مستوى الثورة بما كان يجري في مصر وباقي الدول العربية، ولعل من أهم أسباب ذلك حسبما جاء في تقرير لمركز الأهرام هو اتخاذ مجموعة من الإجراءات للحيلولة دون وصول تأثيرات الثورة إلى شعوب المنطقة، وهذا ما حدث كذلك في الجزائر والمغرب، في الجهة الغربية من المنطقة العربية.

واتهم الرئيس الإرتيري أسياس أفورقي (وصل إلى الحكم عام 1993)، الثورات العربية بأنها أعمال فوضوية، واعتبر الجهات الأجنبية هي من تقف وراءها، لاستهداف المنطقة العربية والإفريقية بالمزيد من الفوضى والتقسيم، ووصفها بغير النافعة على العالم العربي.

البشرة السمراء للثورة المخيفة للحكام

وفي العموم اتسمت مواقف الأنظمة الإفريقية، بالارتباك الشديد على مستوى صناع القرار، وتحول الحراك الشعبي العربي، خاصةً عند الإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك على أنه تهديد مباشر إلى هذه الأنظمة في ذاتها، واتسم سلوك الاتحاد الإفريقي في التعاطي مع الثورات في الشمال الإفريقي منذ البداية بالتردد والارتباك هو الآخر.

ويشترك غالبية القادة الإفريقيون مع الحكام العرب، في السيطرة على الحكم بالقوة، والإطالة في كرسي الحكم لعقود من الزمن، وهذا الشأن مع حسني مبارك ومعمر القذافي وزين العابدين بن علي، المبعدون من السلطة بعد رياح التغيير العربية، ونفس المشاهد تتكرر في أكثر من نصف القارة الإفريقية من دول على غرار أنغولا، والموزمبيق، وغامبيا، ونيجيريا، وموريتانيا، وبورندي، وغينيا الاستوائية، والكاميرون، وأوغندا، وزيمبابوي، والسودان، وإرتيريا والتشاد.

طالع كذلك: «ديناصورات» تحكم إفريقيا: أبرز 9 حكام أفارقة حكموا بلدانهم لأكثر من عقدين

وبالعودة إلى الاتحاد الإفريقي، الذي يصفه البعض بنادي المستبدين والانقلابيين، لم تتمكن المنظمة القارية من بلورة موقف واضح من الثورة التونسية التي اندلعت في نفس الفترة، حيث كان لها اجتماع دوري في مالاوي، وتجاهل بيان ختام الدورة الحراك الشعبي الذي امتد بعدها إلى مصر في الـ25 من نفس الشهر.

وتفاعلت دول عربية أقرب إلى العمق الإفريقي، مثل السودان ومورتيانيا مع أحداث الربيع العربي، وعرفت احتجاجات واسعة في الشوارع تندد بصعوبة المعيشة، والتضييق على الحريات، إلا أن السلطات أجهضت الحراك الاجتماعي بالمواعيد الانتخابية، وبعض الوعود الدستورية مثلما حدث في موريتانيا.

في حين عرفت ساحل العاج في نفس الفترة، تدخل عسكري لقوات أممية وفرنسية بعد الصراع الدائر بين الفائز في انتخابات ديسمبر (كانون الأول) الحسن واتارا والرئيس الأسبق لوران غباغبو، والذي تمسك بالسلطة غير معترف بنتائج المجلس الدستوري الإيفواري.

عرض التعليقات
تحميل المزيد