خلال السنوات الماضية، كانت اليابان تحتل ثالث أكبر اقتصاد في العالم وتخطو بخطى ثابتة نحو الثورة الصناعية الرابعة؛ أما الآن، يشهد الاقتصاد الياباني حالة من الركود، نتيجة لانتشار الفيروس التاجي المستجد المسبب للمتلازمة التنفسية «كوفيد-19»، لم يشهدها منذ عام 2015؛ إذ انكمش الاقتصاد في الربع الأول من العام الحالي 2020، وهو الانكماش الثاني على التوالي، بوتيرة سنوية قدرها 3.4% من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار) الفائت.

تشير توقعات مجموعة «جولدمان ساكس» المالية، إلى أن الاقتصاد الياباني يتجه نحو انكماش قياسي قدره 22%، وذلك نتيجة لتطبيق إجراءات الطوارئ التي اتخذها رئيس الوزراء شينزو آبي في طوكيو وأوساكا لمكافحة جائحة الفيروس التاجي؛ ووفقًا للتقرير؛ فإن الانكماش الحالي هو الأكبر منذ أكثر من خمسين عامًا، أي منذ بداية قياس الناتج المحلي الإجمالي عام 1955. فكيف يرى خبراء الاقتصاد مستقبل اليابان؟

«توقفوا عن الابتكار».. القادم قد يكون أسوأ

في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت حكومة رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، عن حزمة المساعدات المالية الحكومية التي قدرت بـ120 مليار دولار بهدف مكافحة آثار انتشار الفيروس التاجي، التي حدت من إنفاق المستهلكين ونمو الأعمال؛ هذا إلى جانب تخفيف أثر ارتفاع ضريبة المبيعات من 8 إلى 10% في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. على الرغم من ذلك، لم تستطع حزمة المساعدات المالية من أن تحول دون الانكماش الاقتصادي، والذي يتوقع الخبراء أن يكون هو الأكبر منذ بداية قياس الناتج المحلي في خمسينيات القرن الماضي.

كان الاقتصاد الياباني يعاني بالفعل من أثر الإعصار المدمر الذي ضرب اليابان في أكتوبر 2019، والذي كان الأقوى منذ 60 عامًا. إذ خصص رئيس الوزراء آبي أكثر من 6 مليون دولار للتعامل مع أزمة إعصار «هاجيبيس»، وكان مسؤولو الاقتصاد متفائلين بشأن تخفيف آثار الإعصار، إلا أن الاقتصاد الياباني تعرَّض لهزة عنيفة أخرى قبل أن يتعافى، تمثلت في الضرائب المرتفعة والإغلاق التام في مواجهة الوباء الجديد، وهو الأمر الذي جعل اليابان على شفا ركود كامل، بحسب الخبراء.

كان الإغلاق التام؛ يعني إغلاق المدارس والشركات والمحال التجارية، وتأجيل دورات الألعاب الرياضية، هذا إلى جانب «العمل عن بعد» بالمنازل، للاستغناء عن استخدام وسائل النقل العامة التي عادةً ما تكون مزدحمة، كل هذا لأجلٍ غير مسمى. بالطبع كانت النتيجة كارثية على الاقتصاد الياباني؛ الذي من المتوقع أن يتعرض لآثارٍ وخيمة.

يشير التقرير إلى أن الصادرات اليابانية قد تأثرت لشهور من جراء انتشار فيروس «كورونا» المستجد؛ إذ انخفض الطلب الصيني على الصادرات وتوقف التدفق المستمر للسياحة على إثر الإغلاق الكامل في دول العالم، مما تسبب في انكماش اقتصادي في الربع الأول من هذا العام.

(الاقتصاد الياباني يعاني من الركود لأول مرة منذ 2015)

عن ذلك تشير «نيويورك تايمز» إلى أن الاقتصاد العالمي سيتعرض لصدمة طويلة الأمد، خاصةً مع الغموض المحيط بتوقيت انتهاء الجائحة؛ إلا أن اليابان ستعاني بوجهٍ خاص، وذلك لاعتمادها على الصين كأكبر شريك تجاري لها؛ إذ يعتمد المصنعون اليابانيون على الشركات الصينية لتوريد منتجاتهم، هذا إلى جانب كون الصين مصدرًا رئيسيًّا للأفواج السياحية لليابان. 

هذا بالإضافة إلى تعرض «سوق السيارات» الياباني لهزة عنيفة؛ بحسب جريدة العرب «الاقتصادية» الدولية، إذ اعتمد تاريخ صناعة السيارات اليابانية، على قدراتها الابتكارية، وهو السوق الذي يعاني حاليًا اضمحلالًا، بحسب تصريح المهندس جيمس هيدر لـ«الاقتصادية»، وهو استشاري سابق في شركة رولزرويس. فيقول: «إذا أردنا التعرف إلى آخر الابتكارات اليابانية؛ فعلينا العودة إلى ثمانينيات القرن الماضي».

شكَّلت صناعة السيارات حجر الزاوية في الاقتصاد الياباني لعقودٍ طويلة، إذ تعد من أكثر الصادرات اليابانية ربحية، وقد كانت اليابان أكبر مصنع للسيارات في العالم بحلول عام 2000، وهو النجاح الذي واصلته حتى الربع الأول من 2008، قبل أن تنال «الأزمة المالية العالمية» من الأسواق، ويتراجع الإنتاج الياباني أمام نظيره الصيني، ويواصل التراجع لتصبح اليابان اليوم ثالث أكبر منتج للسيارات بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وهو التراجع الذي من المرجح أن يستمر، بل يفسح المجال إلى لاعبين جدد في «سوق السيارات»، أكثر حيوية ونشاطًا.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
بعيدًا عن صراع أمريكا والصين.. كيف تنظر اليابان لجارتها التي سحبت بساطها؟

بحسب هيدر، جاءت تلك التوقعات نتيجة بطء انتقال «الابتكار الياباني» إلى السيارات الكهربائية التي تمثل اليوم مستقبل صناعة السيارات في العالم، وهو ما يشكل تحديًا صخمًا أمام الصناعة اليابانية. خاصةً بعدما تراجعت مبيعات السيارات في اليابان نحو 30% في مارس الفائت.

هل تصمد «اليابان» أمام الأزمة الاقتصادية الحالية؟

يشير تقرير وكالة «بي بي سي» الإخبارية في مايو (أيار) الفائت، إلى أن اليابان تواجه حاليًا تحديًا فريدًا يتمثل في «ركود اقتصادي» موجود بالفعل منذ عقود، في مقابل ازدهار اقتصاديات المنافسين، مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية. هذا بالإضافة إلى توقف حركة التصدير، وما ترتب عليه من تراجع علامات تجارية كبيرة، مثل شركات السيارات «تويوتا» و«هوندا»، مما يترتب عليه معاناة الاقتصاد الياباني على المدى القصير. فهل تنجح اليابان في التغلب على تلك المعوقات والعودة، أم تخسر موقعها كأكبر ثالث اقتصادٍ عالمي؟ 

(عن الركود الاقتصادي)

يجيب تقرير «نيويورك تايمز» عن هذا السؤال، مُشيرًا إلى أن الاقتصادات العالمية ستشهد انتعاشًا في الربع الثالث من العام، وهو ما يقابله تعافٍ للاقتصاد الياباني، بحسب التوقعات؛ رغم ذلك لم يقدم التقرير تقييمًا شاملًا لما ستصبح عليه اليابان في المستقبل؛ لكن من المتوقع أن تشهد انتعاشًا اقتصاديًّا مع انعقاد دورة الألعاب الأوليمبية لعام 2021، وذلك بعدما اضطرت إلى إلغاء الدورة الحالية مع تفشي «كوفيد-19»، وما ترتب عليه من تفاقم الأزمة.

على الرغم من أن توقعات الخبراء تشير إلى أن الاقتصاد الياباني سيواجه حالة انكماش قد تصل إلى 22% في الربع الثاني من العام، تحديدًا من أبريل (نيسان) وحتى يونيو (حزيران) الحالي؛ فإن التوقعات قد شملت أيضًا العديد من الاقتصادات المنافسة؛ مثل الولايات المتحدة الأمريكية، التي من المتوقع أن يصل الانكماش الاقتصادي بها إلى 25% في الربع الثاني من العام، وهو أكبر انكماش للاقتصاد الأمريكي منذ «الكساد الكبير» في ثلاثينيات القرن الماضي.

 بحسب التقرير؛ على الرغم من كون الاقتصادي الياباني هو الأول في الوصول إلى حالة الركود، يؤكد الخبراء أن اليابان استطاعت أن تحتوي الأزمة بشكلٍ أفضل من الاقتصاديات الأولى في العالم؛ الولايات المتحدة والصين؛ إذ شهدت الصين في الربع الأول من العام هي الأخرى انخفاضًا ملحوظًا في معدل النمو الاقتصادي وصل إلى 6.8%. لذا، يتوقع معظم خبراء الاقتصاد أن تقع الدولتان في ركود اقتصادي مستمر لربعين متتاليين من العام خلال الأشهر القليلة المقبلة.

عصر «ما بعد كورونا».. هل ستواكب اليابان احتياجات العالم الجديد؟

كانت ثقافة «إدمان العمل» جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الياباني؛ فيه تعتمد عوامل النجاح على الذهاب إلى المكاتب وإظهار الجد في العمل عن طريق تمضية ساعات إضافية في المكاتب والشركات؛ رغم ذلك أجبرت الجائحة الأخيرة اليابان على قضاء وقت أطول في المنزل، مما جعل الشركات والأفراد يسعون لتعويض ساعات العمل المهدورة؛ نتيجة لذلك أظهرت أحدث استطلاعات الرأي اليابانية، أن ما يقرب من 50% من الشركات قد تحولت إلى العمل عن بعد جزئيًّا أو كليًّا بشكلٍ مبدئي، وهو ما قد يؤثر في الأشكال التقليدية للأعمال على المدى البعيد؛ إذ بدأت الشركات تدرك أن جزءًا كبيرًا من الوظائف يمكن أن ينجز عن بعد، دون التأثير في خط سير العمل، بل على العكس، يعمل النظام الجديد على التوسع في نظام ساعات العمل الإضافية بما يخدم المؤسسات والشركات.

في مسحٍ شمل أكثر من 10 آلاف شركة يابانية؛ توقع أكثر من 63% من الأشخاص موضوع البحث أن فيروس «كورونا» سيؤثر سلبيًّا في أداء أعمالهم. رغم ذلك، يمنح العمل عن بعد عبر شبكة الإنترنت فرصًا لأعمال تجارية جديدة، ويفتح باب التفكير في ثقافة العمل لساعاتٍ طويلة، وهو ما قد يترتب عليه إعادة نظر إلى الأدوار التقليدية.

يشير بنك المعلومات الياباني «تيكوكو»، إلى أن أزمة «كورونا» قد أجبرت الشركات اليابانية والمدارس التعليمية، والسفن البحرية، وقطاعات السياحة على تحمل ما يصل إلى 1.2 مليار ين – وهو ما يعادل 11 مليون دولار- من الديون. كان الاقتصاد الياباني، بحسب التقرير، يعتمد على إقامة «دورة الألعاب الأوليمبية» والبارالمبية (الأولمبية لذوي الإعاقات) في طوكيو عام 2020، وذلك ليحقق ما يحتاج إليه من انتعاش السوق الياباني؛ إلا أن الأزمة الأخيرة قد حالت دون ذلك؛ وبالتالي يحتاج الاقتصاد إلى تعويض ما، قد يتمثل في نقل الأعمال التجارية إلى الإنترنت من خلال «المتاجر الإلكترونية»، والاستفادة من التكنولوجيا في العمل عن بعد لساعات طويلة للحفاظ على استمرارية الاقتصاد، وهو الأمر الذي على الشركات والمنظمات والأفراد فعله لتجاوز الأزمة؛ استعدادًا لعصرِ «ما بعد كورونا».

«الأسوأ قادم»، كان هو عنوان تقرير «نيويورك تايمز» في مايو الفائت، والذي تناول التوقعات الخاصة بمستقبل اليابان ما بعد الأزمة الحالية؛ إذ يشير إلى أن حالة الركود التي يعاني منها الاقتصاد الياباني ستستمر لربعٍ ثالث من «النمو السلبي»، وذلك حتى نهاية يونيو الجاري.

العالم والاقتصاد

منذ 6 شهور
من الكساد الكبير إلى كورونا.. ما الدروس الاقتصادية التي علمها لنا التاريخ؟

منذ بداية أزمة «كوفيد-19»، عملت بعض الشركات اليابانية الرائدة على تطبيق سياسة «العمل عن بعد»، كان منها شركة «باناسونيك» وشركة «يونيتشارم» للخدمات الصحية، إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ أصبحت مجموعة الخدمات والأعمال تدار عبر شبكة خدمات الإنترنت الواسعة؛ بدايةً من برامج «وزارة الصحة» والاستشارات الطبية، وصولًا إلى متاجر بيع «سلسلة المانجا» – القصص المصورة اليابانية الشهيرة- وهو ما ساهم في تغيير النظرة السلبية التقليدية المصاحبة للعمل عن بعدِ في المجتمع الياباني؛ رغم ذلك يشير تقرير «المنتدى الاقتصادي العالمي» إلى أن تلك الجهود المبذولة لتخفيف حدة الجائحة؛ لن تحمي الاقتصاد الياباني من الأضرار الجسيمة للوباء، لكنها تشكل خطوة ضرورية على طريق المستقبل. فهل تتمكن اليابان من العبور إلى عصر «ما بعد كورونا»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد