تحت عنوان «النهوض بتنمية أفريقيا من خلال الناس والتكنولوجيا والابتكار» استضافت مدينة يوكوهاما اليابانية، أواخر أغسطس (آب) الماضي، الدورة السابعة لمؤتمر قمة طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية (TICAD)، الذي تقوده حكومة اليابان منذ عام 1993، واستضافته بمشاركة الأمم المتحدة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والبنك الدولي، ومفوضية الاتحاد الأفريقي.

يمثل هذا المؤتمر «حجر الزاوية لجهود طوكيو الإنمائية في القارة»، كما يصفه جوناثان بيركشاير ميلر، وهو زميل زائر في معهد اليابان للشؤون الدولية في طوكيو، عبر دورية «فورين بوليسي». ومنذ إطلاقه قبل 26 عامًا، تطوّر ليصبح «منتدى مفتوحًا وشاملًا ومتعدد الأطراف لحشد الدعم الدولي وتعزيزه من أجل السلام والأمن والتنمية في أفريقيا»، على حد قول موقع أخبار الأمم المتحدة. 

من «مانح» إلى «شريك».. اليابان أمام مفترق طرق في أفريقيا

تتطلع قمة هذا العام إلى عقد شراكة أكثر شمولًا مع أفريقيا، وتعزيز العمل مع القطاع الخاص في التنمية المستدامة والبنية التحتية الحيوية، تطبيقًا للهدف الذي أعلنه رئيس الوزراء شينزو آبي في المؤتمر السابق، الذي استضافته كينيا عام 2016، قائلًا: «تريد اليابان من الدول الأفريقية أن تنظر إلى طوكيو بوصفها شريكًا وليس مجرد مانح».

Embed from Getty Images

وطوكيو ليست جديدة على الاستثمار في أفريقيا؛ فلأكثر من 30 عامًا، ركزت جهودها على توفير المنح الاقتصادية للبلدان الأفريقية. لكن بعدما كانت طوكيو تركز جهودها في الأساس على توفير مساعدات التنمية في القارة، بدأت تعيد توجيه الدفّة الآن لعدة أسباب: 

أولًا: نظرًا إلى حجم أزماتها الاقتصادية المحلية، تجد طوكيو صعوبة كبيرة في التنافس مع اللاعبين الآخرين في القارة، خاصة الصين، من حيث مقدار التمويل الذي تستطيع ضخه في شرايين القارة. 

ثانيًا: تدرك طوكيو أن مساعدتها لدول القارة يجب أن تكون مرتبطة مباشرة بمصالح سياستها الخارجية، ومنها تعزيز رؤيتها لمنطقة المحيط الهادئ-الهندي الحرة والمفتوحة (FOIP)، والتي تلعب فيها أفريقيا دورًا مهمًّا.

ولتحقيق هذا التحوُّل بنجاح، تركز طوكيو على توفير بنية تحتية عالية الجودة، تشمل: توسيع محطة الطاقة الجوفية في كينيا، وتعزيز البنية التحتية للإذاعة الرقمية في بوتسوانا. 

وضخت طوكيو 1.5 مليون دولار في أبريل (نيسان) الماضي، لتمويل أنشطة استقرار المجتمع في شمال شرق نيجيريا التي مزقتها الحرب. ومن خلال «منح مساعدة مشروعات الأمن الإنساني على المستوى الشعبي»، توفر التمويل لمختلف مراكز اكتساب المهارات والتدريب في جميع أنحاء كينيا.

وتعهد رئيس الوزراء شينزو آبي في أغسطس الماضي، في كلمته الافتتاحية أمام القادة الأفارقة المجتمعين في مؤتمر طوكيو، بأن يستثمر القطاع الخاص الياباني 20 مليار دولار في أفريقيا على مدى ثلاث سنوات.

وتسعى طوكيو أيضًا إلى تدريب 3 آلاف شخص، على مدى ستة أعوام، في إطار برنامج تنمية الموارد البشرية في أفريقيا، وبالتالي سيكون هناك المزيد من الأشخاص في القارة يمكنهم المساهمة في تعزيز العلاقات التجارية في أفريقيا.

هل يصمد الأقزام أمام التنين الصيني في أفريقيا؟

على الرغم من علاقات اليابان القوية في أفريقيا، خاصة مع الجزائر، ونيجيريا، وجنوب أفريقيا، فإنها تكافح لمواكبة الإنفاق السخي الذي تضخه الصين. صحيحٌ أن الاستثمارات المباشرة في القارة ليست قليلة، إذ بلغت 9 مليار دولار بحلول عام 2017، إلا أنها تظل متواضعة بالنظر إلى حجم الاستثمارات التي قدمتها الصين، وبلغت 43 مليار دولار، بحلول نهاية عام 2017، وفقًا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. 

ووفقا لوزارة الشؤون الخارجية اليابانية، استثمرت البلاد 20 مليار دولار في القارة من 2016 إلى 2018، لكن هذه الأرقام لا تتناسب مع نشاط الصين التي تستثمر بكثافة في القارة. بل انخفضت الصادرات اليابانية إلى أفريقيا بمقدار النصف تقريبًا، على مدى العقد الماضي، حتى أصبحت قيمتها لا تتجاوز الآن حوالي 7 مليار دولار فقط. في الوقت ذاته، نمت التجارة الصينية بوتيرة سريعة، حتى تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار في عام 2018، إلى جانب استيراد سلع بقيمة 100 مليار دولار من أفريقيا.

هذا الفارق الكبير يتزايد بمرور الوقت؛ نظرًا إلى تراجع الإنفاق الياباني، ومضاعفة الاستثمارات الصينية بأكثر من الضعف، على مدى الأعوام الخمسة الماضية، وهو اتجاه ترجح دورية «فورين بوليسي» أن يستمر. وعلى الرغم من أن الاستثمارات المباشرة التراكمية في أفريقيا لا تمثل سوى 20% من حجم تجارة بكين التي بلغت 204 مليار دولار، وفقًا لوزارة التجارة الصينية. إلا أنها عندما تقترن باستثمارات الولايات المتحدة (حوالي 50 مليار دولار في عام 2017)، فإنها تتجاوز بكين بمراحل. 

وتعد الصين أحد أكبر المستثمرين في أفريقيا، فقد تفوقت على فرنسا والهند والولايات المتحدة باستثماراتها في السكك الحديدية والتصنيع والتلفزيون. وبينما تحولت اليابان إلى الداخل، لإعادة بناء اقتصادها المتعثر، كانت الصين تعزز التجارة مع الدول الأفريقية، كما ترصد جريدة جنوب الصين الصباحية. لكن بيركشاير ميلر، نائب مدير معهد ماكدونالد لورير، يؤكد احتمالية أن تتعاون بلدان أخرى «متشابهة التفكير» في المستقبل لتعزيز قوتها التنافسية ضد الصين، مثل: فرنسا، وهولندا، والمملكة المتحدة، والهند، يمكن وهي الدول الخمس التي يزيد مجموع استثماراتها في القارة عن 250 مليار دولار، أي خمسة أضعاف الاستثمارات الصينية. 

هذا لا يعني أن هذه الدول جميعها لديها اهتمامات متطابقة في المنطقة، لكنه يسلط الضوء على شيئين؛ أولًا، أن هناك بابا مفتوحًا لمزيد من التقارب مع الشركاء ذوي المصالح المشتركة، وثانيًا، ثمة مبالغة في تقدير هيمنة الصين على بيئة الاستثمار في القارة. 

التنين الصيني السخي.. ليس «فاعل خير» في أفريقيا!

«الجودة اليابانية».. تكلفة أعلى من أن تتحملها الدول الأفريقية

تأمل اليابان أيضًا في الاستفادة من «الشعور المتزايد في أفريقيا بأن وضع كل البيض في سلة بكين ليس بالأمر الحكيم»، كما تقول صحيفة «واشنطن بوست». وبدلًا من مناطحة الصين رأسًا برأس، حاولت أن تميّز نفسها عن بكين من خلال تأكيد جودة البنية التحتية التي يمكن أن تبنيها في أفريقيا.

لكن هذه النظرية الجذابة تصطدم بتعقيدات الممارسة العملية، ذلك أن الدول الفقيرة، التي تعاني من عجز كبير في البنية التحتية، لا تشعر في الغالب أنها قادرة على تحمل تكاليف الجودة التي تتعهد بها اليابان.

هذا ما يجعل الشركات اليابانية – التي اشتهرت بحذرها في اتخاذ القرارات- ترى مخاطر كبيرة وعوائد غير جذابة نسبيًّا في أسواق أفريقيا الصغيرة والمجزأة في كثير من الأحيان، كما يقول رازيا خان، كبير الاقتصاديين لدى «بنك ستاندرد تشارترد» لشؤون أفريقيا. 

Embed from Getty Images

لمواجهة هذا التحدي، تعهد آبي بتقديم «دعم غير محدود» للاستثمار والابتكار والمشروعات وريادة الأعمال، من خلال الشراكة مع المؤسسات المالية المحلية لوضع خطة جديدة للتأمين التجاري، على سبيل المثال. وسلط الضوء على عدة مبادرات يابانية مثل: قمر صناعي لمراقبة حصاد المحاصيل وموارد المياه في رواندا، وتوظيف الأمهات العازبات والجنود الأطفال السابقين لصنع أكياس ملونة في أوغندا، ومد أول كابل بحري يربط أنجولا بالبرازيل.

وأبرز أيضًا مساهمة طوكيو في دعم الرعاية الصحية والتعليم في أفريقيا، وكذلك تنظيف مدن النفايات، وتطهير الأراضي من الألغام، وأعلن عن مشروع لتدريب ضباط الشرطة والقضاة والمدعين العامين أيضًا.

ما الذي تمتلكة أفريقيا وتريده طوكيو؟

تسعى طوكيو لتوظيف «علاقاتها التاريخية القوية في أفريقيا لدعم مصالحها السياسية والأمنية المتطورة هناك»، كما قال الباحث جوناثان بيركشاير ميلر لشبكة «سي إن إن». 

وتستقطب أفريقيا اهتمام المجتمع الدولي بوصفها «أكبر حدود القرن 21»، حسبما أورده الموقع الرسمي للحكومة اليابانية. وتتمتع أفريقيا، التي تضم أكثر من 1.2 مليار نسمة في 54 دولة، بسوق ضخمة وموارد طبيعية وفيرة. وفي السنوات الأخيرة، اجتذبت الظروف السياسية المستقرة نسبيًا استثمارات أجنبية مباشرة وعززت الاستهلاك المحلي، ما أدى إلى تغيير كبير ونمو ديناميكي في الاقتصاد الأفريقي. ويتوقع آبي دعمًا أفريقيًّا لقضيتين قديمة وجديدة:

القضية القديمة: تتمثل في أن طوكيو تأمل في أن تساعد شراكتها مع الدول الأفريقية في الحصول على دعم من أعضاء «TICAD» الآخرين لإصلاح الأمم المتحدة، خاصة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. فلطالما سعت طوكيو، أحد أكبر مانحي الأمم المتحدة، للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، وحثت الدول الأفريقية، من بين دول أخرى، على مر السنين على دعم موقفها. وتشكل القارة محورًا أساسيًّا في هذه الحملة، بالنظر إلى عدد الأصوات (54) التي تمتلكها الدول الأفريقية في الأمم المتحدة. 

القضية الجديدة: دعم رؤية طوكيو لمنطقة المحيط الهادئ-الهندي الحرة والمفتوحة (FOIP)، وتوحيد المنطقة وراء مبادئ التجارة الحرة وحرية الملاحة، وسيادة القانون، واقتصاد السوق، وهو ما يعني جزئيًّا حشد دم مناوئ لمبادرة الحزام والطريق الصينية، كما تفسره «واشنطن بوست». بيد أن اليابان كانت حريصة على عدم فكرتها في صوب التحدي المباشر للصين، إدراكًا منها أن الدول الأفريقية لا تريد أن تضطر إلى الاختيار بين اليابان والصين.

مترجم: أفضل فرص الاستثمار في أفريقيا تجدها في هذه الدول

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد