جلس رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في مقعده بمنتدى الشرق الاقتصادي الروسي الذي أُقيم في مدينة فلاديفستوك الروسية في سبتمبر (أيلول) الماضي، ثم خطّ بيده جُملة على ورقة جانبية، وبابتسامته المعهودة سلّم هذه الورقة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

كتب على الورقة أنّه مستعد لحلّ القضايا العالقة بين الجانبين، وتحديدًا لتوقيع اتفاق سلام لإنهاء مُشكلة الجزر الأربع المتنازع عليها بين الدولتين. هذه الخطوة من الجانب الياباني تدخل في جُملة من التحركات اليابانية التي شهدتها الفترة الأخيرة تجاه خصوم اليابان، وخصوم حليفها الأمريكي، ليبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد دفع بفضل سياساته العدائية، أو تلك التي يسميها «الحمائية»، نحو توحيد صفوف المختلِفين سياسيًا.

اليابان وأوروبا.. «يد واحدة» لمواجهة عقوبات ترامب

في البداية، جمعت الرغبة في الالتفاف على العقوبات الأمريكية – المفروضة على إيران – أوروبا مع اليابان؛ فقد قرّرت أوروبا بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو ( أيار) 2018، وإنشاء كيان قانوني بغية تسهيل المعاملات المالية مع إيران بعيدًا عن السطوة الأمريكيّة.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الياباني في قمّة الاتحاد الأوروبي

لكن تحركات عدّة تُشير إلى حِرص اليابانيين على تقارب أكبر مع الاتحاد الأوروبي، وتكوين علاقات متينة بينهما، خصوصًا بسبب السياسة الأمريكية في عهد ترامب، إذ يحرص قادة الاتحاد الأوروبي على توطيد العلاقات التجارية مع اليابان لمواجهة الرئيس الأمريكي في حال شنه حرب تجاريةعالمية، ويسعى قادة الاتحاد الأوروبي إلى خلق جبهة موحدة ضد الولايات المتحدة بشأن الرسوم الجمركية، وكذلك نحو تشكيل تحالفات – 28 بلدًا، و500 مليون نسمة، وأكبر سوق واحدة في العالم – في تحد واضح لسياسات واشنطن.

وكان من أبرز هذه التحركات مؤخرًا  توقيع طوكيو مع أوروبا في يوليو (تموز) 2018 اتفاقية للتجارة الحرّة وُصفت بالأكبر، وقال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك: «وقّعنا على أكبر صفقة تجارية ثنائية على الإطلاق. وهذا عمل ذو أهمية استراتيجية هائلة للنظام الدولي القائم على القواعد، في وقت يشكّك فيه البعض في هذا الأمر، نحن نرسل رسالة واضحة بأننا نقف معًا ضد الحمائية».

Embed from Getty Images

رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر في طوكيو لحضور قمة الاتحاد الأوروبي واليابان

كما أن هذا الاتفاق يحقق إنجازًا كبيرًا لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بعد نكسته الداخلية، إثر تخلّي أمريكا عن اتفاقية تجارية كان قد ناضل من أجلها، تقوم على استخدام برنامج النقاط التجارية الذي تقوده الولايات المتحدة كرافعة خارجية لفرض التغيير على الأجزاء غير المنتجة من الاقتصاد الياباني، ومع خذلان واشنطن لآبي، ستمكّنه الصفقة مع الاتحاد الأوروبي من أداء ذات المهمة، كما ستتيح هذه الاتفاقية انخفاض الرسوم الجمركية اليابانية على الجبن الأوروبي واللحوم؛ مما يمكن المنتجون اليابانيون من تحسين قدرتهم التنافسية أو الخروج من العمل.

وتُعدّ اليابان ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي في آسيا بعد الصين؛ إذ يمثّل الاتحاد الأوروبي واليابان معًا حوالي ثلث إجمالي الناتج المحلّي للعالم، وكانت اليابان تصدّر إلى الاتحاد الأوروبي أكثر مما تستورد منه، ولكن العلاقات التجارية أصبحت أكثر توازنًا خلال السنوات الأخيرة.

صراع الزعامة في آسيا.. هل تنتصر الصين وروسيا أم الولايات المتحدة الأمريكية؟

جزر الكوريل.. تعاون رغم الخلافات

ليس من السّهل سدّ الفجوة في المواقف الرئيسة للجانبين، والمشكلة صعبة

كانت هذه الكلمات إقرارًا واضحًا وصريحًا من وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف لنظيره الياباني الذي تحدث إليه في موسكو حول عثرة قضية جُزُر الكوريل الجنوبية الأربع المتنازع عليها منذ 70 سنة بين البلدين، والتي تؤكّد طوكيو ملكيّتها، فيما تُصرّ موسكو على أن الجزر جزء من الاتحاد السوفيتي السابق.

لكن بالرّغم من إقرار كلّ من اليابان وروسيا على تعقيد قضية الجزر، إلّا أنّ البلدين قرّرا تطوير علاقاتهما، ويتّجه البلدان إلى تحسين علاقاتهما بشكل متدرّج وبراغماتي، وكما قال لافروف نفسه: «التنمية الاقتصادية قد لا تضطرّ إلى انتظار حل للنزاع الإقليمي». فيما قال وزير الاقتصاد الياباني هيروشيغي سيكو، والمشرف على التعاون الاقتصادي مع روسيا: «أنا بصفتي وزيرًا عن قضايا التعاون الاقتصادي مع روسيا وتوحيد جهود الحكومة اليابانية، مستعدّ لمواصلة الجهود الرامية لتجميع وتحسين خُطّة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين بلدينا».

Embed from Getty Images

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الياباني

وترغب طوكيو في التقارب مع موسكو في ظل المعطيات التي تُفيد باتّساع الدور الروسي تجاه العديد من القضايا الدولية المرتبطة بآسيا في المستقبل، كذلك موسكو معنية بتعزيز محورها في آسيا عبر إنشاء شراكات جديدة، لإثبات أن روسيا ليست معزولة عن المسرح الدولي، ومن السهل تحقيق التقارب الروسي الياباني وخلق علاقات أوثق بين البلدين، وفي وقت تريد موسكو تنويع اعتمادها الاقتصادي الإقليمي على بكين، تملك طوكيو مهمة تسهيل ممرات النقل العابر القصيرة إلى أوروبا، مما يحفز الدولتين على مواصلة مسارهما الحالي إلى أقصى حد في قضايا سياسية واقتصادية، ولذلك أنشأت صندوقًا بقيمة 880 مليار دولار لتعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية في الشرق الأقصى الروسي، واتفق البلدان على الاستثمار في التقنيات الطبية والتنمية الحضرية، كما افتتحت اليابان مركز إعادة التأهيل الياباني في فلاديفوستوك في مايو (آيار) 2018 الذي أفاد 2400 مريض روسي في استخدام خدمات إعادة التأهيل وفقًا المعرفة اليابانية وخبراتها.

ويقول مدير الدراسات اليابانية في معهد «أميركان إنتربرايز»، مايكل أوزلين أن «رغبة اليابان في إقامة علاقات أوثق مع روسيا، سواء لتحقيق التوازن ضد الصين أو تلبية احتياجاتها الاقتصادية يمكن أن تقدّم طريقًا إلى الأمام بالنسبة للولايات المتحدة»، مضيفًا: «الدبلوماسيون وصانعو السياسات الأمريكيون مهووسون بدور روسيا المتسبب في المشاكل في أوروبا، فهُم لا يدركون أن روسيا تملك الكثير من الأهداف الأمريكية في آسيا، من حماية حريّة الملاحة، إلى احتواء كوريا الشمالية النووية، من أجل المساعدة على التوازن ضد الصين القوية».

وبالعودة إلى قضية الكوريل الجنوبية الأربع، فإنّ ما يُضائل من احتمالية التوصل إلى اتفاق إقليمي بشأنها، هو التخوف الروسي حال إعادة الجزر إلى اليابان وفقًا لإعلان عام 1956 من قضية تركيب قواعد أمريكية في جزيرتين من جزر الكوريل الأربع، فحتى وعد آبي بعدم نشر قواعد عسكرية أمريكية في الجزيرتين في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 في سنغافورة لم يطمئن الروس. إضافة إلى القناعة الروسية بأنّ التوصّل إلى اتفاق بشأن الجزر لن يستلزم بالضرورة تدفّقًا ضخمًا من الاستثمارات من اليابان، التي لا يُظهر قطاعها الخاص اهتمامًا كبيرًا بالسوق الروسية، في مقابل ذلك لا تثق الدوائر الدفاعية اليابانية بموسكو، ولا تعتقد أن أي اتفاق من شأنه أن يجعل روسيا توقف النشاط العسكري حول اليابان.

كيف سيصبح شكل العالم حين تصبح الصين القوة الأولى؟

طوكيو«تخفض جناحها» لبكين

أريد أن أرتقي بالعلاقات بين اليابان والصين إلى عصر جديد، والتحول من المنافسة إلى التعاون؛ فاليابان والصين جارتان وشريكتان، لن نُصبح تهديدًا لبعضنا البعض، علاقات البلدين عادت إلى مسار طبيعي * كلمات رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي على الأرض الصينية التي زارها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

لم يكن التصريح السابق مجرد كلام ودي دبلوماسي من مسؤول ياباني في زيارة للصّين، فقد وقّعت الصين واليابان اتفاقيات تجاوزت 30 مليار دولار في هذه الزيارة، إذ رافق آبي في زيارته ألف ممثّل عن شركات يابانية، جاءوا لتطبيع العلاقات مع الصين لمنافسة الشركات الأوروبية والأمريكيّة.

ويأتي ذلك بعد استشعار كلّ من اليابان والجارة والشريكة الصين – حسب وصف آبي – أهميّة خروجهما من مأزق الضغط الأمريكي الذي كان سببًا في تعميق الخلافات بينهما طيلة العقود السبعة الماضية، وخاصة بعد تولّي دونالد ترامب الرئاسة الأمريكية واكتشاف خطر سياساته على الاقتصاد العالمي الذي تُشكل فيه اليابان والصين قوتين عظميين.

وتُدرك اليابان جيدًا أن استمرار تطوير علاقاتها مع الصين والدول المجاورة من شأنه أن يُحقق لها الاستقرار والسلام الأمني والسياسي في آسيا والمجتمع الدولي عمومًا، كما أنها تؤمن أن الاعتماد الاقتصادي والشراكة الحقيقية بينهما القائمة على تبادل المنفعة من شأنه أن يكبح جماح عدوانية الصين ويجعلها أكثر مرونة، خاصة في ظل اعتماد الحزب الشيوعي الصيني على النمو الاقتصادي، وهو ما يُطمئنها باستمرار محافظة بكين على علاقات سليمة معها باعتبارها قوة عظمى تستطيع الهيمنة على مناطقهم ضمن سعيها لتحقيق أمنها واستقرارها.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي (يسار) يصافح رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ

وعلى أرض الواقع، بدأت الدولتان في تحقيق الأهداف الاقتصادية من التقارب بينهما، فاليابان بدأت من بوابة السياحة فعمدت إلى استقطاب السائحين الصينيين، وتُشير التقديرات أن الصين خلال العام الماضي كانت أكبر مصدر للسياحة لليابان، ووصل عدد السائحين إلى 7.36 مليون سائح من الصين شكلوا مصدرًا مهمًا من مصادر الدخل، فيما عمدت الصين إلى جذب الشركات اليابانية إلى العمل والاستثمار في أقاليمها، لتحقيق أقصى استفادة ممكنة لنمو اقتصادها، خاصة في ظل الضغط الأمريكي بزيادة الرسوم الجمركية من 10-25 % على الواردات الصينية والمُقدرة بـ 200 مليار دولار.

Embed from Getty Images

رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي

وحسب صحيفة «غلوبل تايمز» الحكومية الصينية، فإنّه على الرغم من أن تأثير الولايات المتحدة القويّ في العلاقات الصينية اليابانية، فإنه يبقى محدودًا»، وحسب الصحيفة الصينية فإنه «إذا كانت بكين وطوكيو تنويان التخطيط لمستقبل العلاقات الثنائية بينهما بناء على نمط سلوك واشنطن، لما نجم عن ذلك سوى الضياع».

وتعود الخلافات الصينية اليابانية إلى القدم، فبينهما حروب أخطرها الحرب الصينية-اليابانية الأولى التي نشبت عام 1894، وانتهت في 1895، وهناك الحرب الصينية اليابانية الثانية التي احتلت فيها اليابان كامل الجزء الشرقي من الصين مع هونغ كونغ البريطانية – في ذلك الوقت – خلال الحرب العالمية الثانية، ولم ينته الاحتلال إلا سنة 1945 بهزيمة اليابان في تلك الحرب، كما عادت الخلافات حين استحوذت اليابان في سبتمبر 2012 على مجموعة من الجزر غير المأهولة في بحر الصين الشرقي التي تدعي الصين السيادة عليها.

التنين الصيني السخي.. ليس «فاعل خير» في أفريقيا!

المصادر

s