“كاروشي” ذلك المصطح الذي دائمًا ما يشغل المسئولون وأوساط الرأي العام في اليابان، وأصبح في العقود الأخيرة من القضايا الصحية ذات الأبعاد والارتباطات الاجتماعية والاقتصادية الشائكة في اليابان، فوراء الإنجازات والأحلام التي حققها اليابانيون بعد انهيارها إبان الحرب العالمية الثانية، كابوس “الكاروشي” الذي بدأ يؤرق اليابانيون ممثلًا الجانب المُظلم لتقدم اليابان.

ولكن ماذا يعني “الكاروشي”؟ ومتى ظهر؟ ولماذا انتشر “الكاروشي”؟ وإلى أي مدى أصبح الكاروشي يمثل مشكلة رئيسية في اليابان؟ وكيف تعاملت الحكومة تجاهه؟ كلها أسئلة نجيب عليها في هذا التقرير:

 

1- ماذا يعني «الكاروشي» ومتى ظهر؟

 

Middle aged manager working alone in office at 9:30pm. Death from overwork, called Karoshi, has become major cause of concern.  (Photo by Kaku Kurita/The LIFE Images Collection/Getty Images)
الكاروشي يعني “الموت الناتج من الإفراط في العمل” وهو يعبر عن الموت الفجائي – بأزمات قلبية على سبيل المثال لا الحصر- نتيجة ضغوط العمل وشدة الإرهاق والقلق، وهو ما قد يؤدي أيضًا إلى الانتحار.

وتأتي البدايات الأولى لـ”الكاروشي” في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، ففي عام 1969 توفي موظف فجأة عن عمر يناهز 29 سنة، كان يعمل موظفًا في خدمة النشر لإحدى كبرى الجرائد اليابانية، نتيجة كثرة ضغوط العمل التي أدت إلى وفاته بأزمة قلبية ممثلًا بذلك أول حالة “كاروشي” في اليابان.
وللتوضيح بشكل أكثر تحديدًا لحالات الكاروشي، هناك مثال لعامل في أحد المطاعم، وكان يعمل 110 ساعات أسبوعيًّا، ولم يكمل عامه الـ34 حتى توفي فجأة بأزمة قلبية، وبذلك تمثل وفاته حالة “كاروشي”.
وفي الثمانينات ظهر ما يمكن أن نُطلق عليه أحد أنواع “الكاروشي”، وهو الانتحار بسبب الضغوط الناتجة عن الإفراط في العمل، والروتين، والمهمات المتكررة، وعدم التحكم في المهام.

شاهد هذا الفيديو الذي يوضح روتين العمل الذي جعل حياة الموظف الياباني كأنها كالأسطوانة التي تكرر نفسها يوميًّا:

 

2- ما الذي يجعل الموظفين يعملون حتى الموت بـ«الكاروشي»؟

تتعدد الأسباب التي تجعل من الموظفين في اليابان يفرطون في العمل، وليست كل الأسباب ناتجة لعوامل خارجية، فهناك أيضًا أسباب مرتبطة بدوافع داخلية.

ينتشر في اليابان ثقافة ترتكز على تقدير المتفانين في العمل، ليس هذا فحسب وإنما يصل الأمر إلى أن يُنظر إلى الشخص الذي يستنفذ أيام إجازته – المسموحة له أصلًا- بأنه شخص “ضعيف”، ويعتبر أحد أبعاد المشكلة أيضًا، هو خوف الموظفين وقلقهم من استياء زملائهم إذا ما ارتاحوا في أيام الإجازة.

وهناك ثقافة سائدة في اليابان تميل إلى الزيادة في العمل حتى لو كانت تلك الزيادة تطوعية غير مدفوعة الأجر، فدائمًا لا يذهب العاملون إلى بيوتهم – وبالأخص الشباب منهم- قبل مغادرة مدير العمل بالشركة، فحتى لو أنهى الموظف ساعات عمله ووجد رئيس العمل في الشركة يستمر في العمل ولا يغادره قبل مغادرة مديره.

أحد أهم الأسباب التي تؤدي لـ”الكاروشي” هو اعتماد أصحاب العمل إلى تمديد ساعات العمل الأساسية بساعات عمل إضافية يقوم بها نفس الموظفين، بدلًا من الاستعانة بموظفين جدد، هكذا يؤكد كويا ميامي، الخبير الاقتصادي في شركة للأوراق المالية في طوكيو.

كما أن توصيف العمل للموظفين ذوي الياقات البيضاء، يتجه إلى الغوض بإضافة عبارات تترجم على أن الموظف أن يعوض عمله أو عمل الفريق إذا أصابه تعطل.

3- أزمة «الكاروشي» في أرقام

 

“أنا لم أستطع رؤية أطفالي وهم يكبرون لأني كنت منشغلًا جدًّا، أتمنى لو يعود بي الزمن كي أعيش مع عائلتي بدل الانشغال الكامل بالعمل”.

هكذا يعبر “تروكي ياماشيتا” عن آماله التي أضحت مستحيلة، فالموظف الياباني صاحب الـ53 ربيعًا الذي اعتاد العمل ليل نهار، وكثرت رحلاته المرتبطة بالعمل كرجل مبيعات، لم يكن ينام سوى 3 ساعات في المتوسط بسبب ضغوط العمل، حتى سقط مُرهقًا بنزيف مفاجئ بشبكية العين أفقدته بصره.

ولكن ياماشيتا كان أوفر حظًّا من المئات أو الآلاف الذي يموتون أو ينتحرون بسبب ضغوط العمل.

وتتباين الأرقام بين المصادر الرسمية وغير الرسمية حول تحديد ضحايا “الكاروشي” في اليابان، إذ تفيد المصادر الحكومية في اليابان عن وقوع 400 كضحايا للكاروشي، بين متوفٍ ومنتحر، بينما يرى خبراء أن العدد أكبر من ذلك بكثير وقد يصل إلى 22 ألف حالة سنويًّا، ويمكن إرجاع تباين الأرقام إلى أن هناك الكثير من الحالات يصعب إثباتها.

وفي دراسة أجرتها الحكومة اليابانية على عام 2013، تبين من خلالها أن 16% من العاملين بدوام كامل لم يتخذوا أي إجازات مدفوعة الأجر، بينما الآخرون استراحوا عن العمل في نصف الأيام المسموحة لهم بالإجازة فقط، ويذكر أن عدد العطل في المناسبات للرسمية لليابان 16 يومًا سنويًّا، وقد يصل عدد أيام الإجازات مدفوعة الأجر إلى 18 يومًا سنويًّا في المتوسط، وأفادت وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية باليابان أن العاملين بدوام كامل قضوا 173 ساعة عمل إضافي في المتوسط لعام 2014.

وقد وصل عدد ضحايا “الكاروشي” لعام 2013 إلى 197 حالة بين متوفٍ ومنتحر، بحسب الرواية الرسمية. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن عددًا من البيانات الرسمية أفادت بأن العمل الزائد بشكل عام قد يكون أحد الأسباب للانتحار الذي بلغ 2323 حالة في 2013، ووصل عدد حالات الانتحار السنوي إلى أعلى تقديراته في 2011، بـ2689 حالة.

 

هذا فقط قمة جبل الثلج.

 

هكذا علق شنجرو واكي البروفيسير بجامعة ريوكوكو اليابانية، على الإحصائية الرسمية، مؤكدًا أن هناك كثيرًا من الناس الذين يموتون أو يمرضون بسبب العمل الزائد لدرجة يصعب إثباتها وحصرها.

وأفادت مؤسسة التعاون الاقتصادي والتطوير إن اليابان تأتي في المرتب الأولى للدول المتقدمة الذي يعمل الموظفين بها أكثر من 50 ساعة أسبوعيًّا، بنسبة 22.3 % من موظفيها، متفوقة بذلك على بريطانيا (12.7%) وأمريكا (11.3%) وفرنسا (8.2%).

 

4- جهود الحكومة للتخلص من الأزمة

 

في محاولة منه لحل أزمة الكاروشي وصفها البعض بـ”المـتأخرة”، أصدر رئيس الوزراء الياباني، “شينزو آبي” مشروع قانون لا يلزم الموظفين ذوي الياقات البيضاء الذين يربحون في المتوسط 88 ألف دولار سنويًّا، بالالتزام بعدد ساعات العمل المحددة، وتوقف على الإنتاجية والتميز في العمل كيفًا أكثر منه كمًّا، ولا يلزم أصحاب العمل بدفع أجور لعدد ساعات العمل الإضافي.

وتباينت ردود الأفعال حول هذا القرار إذ رحب به عدد من الأطراف من بينهم “كدنرن” – أكبر لوبي في السوق الياباني- لاعتماد العمل على الجودة والإنتاجية وإعطاء الأجور الإضافية للعاملين من ذوي القدرة الإنتاجية العالية كيفًا، مع السماح بشيء من المرونة بين مدير العمل والموظف في مدى الالتزام بعدد ساعات العمل الرسمية، كما أن تطبيق التعديلات القانونية ليست إجبارية وإنما ستتم بالتوافق بين مدير العمل والعاملين.

وفي المقابل، رفض البعض القرار ورأوا أنه لا يُلزم أصحاب العمل على دفع رواتب الوقت الإضافي، وهو ما سيسمح من وجهة نظرهم بزيادة الأزمة، فالعاملون سيعملون في وقت إضافي دون إلزام مدير العمل بتغطيته ماديًّا، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة ضحايا “الكاروشي”.

ويرون أن الحل في تغيير ثقافة عمل الشركات في اليابان التي تعتمد على استهلاك الموظف ذهنيًّا وبدنيًّا.

إجازات إجبارية

 

قدمت الحكومة اليابانية مشروع قانون للبرلمان – أبريل الماضي- يُقر فرض إجازة إجبارية مدفوعة الأجر ماهيتها، 5 أيام فأكثر سنويًّا للموظفين والعاملين، وتأمل الحكومة بأن يحصل الموظفين على 70% من إجازتهم المدفوع بحلول عام 2020.

وتسعى الحكومة اليابانية بخفض نسبة العاملين الذين يعملون أكثر من 50 ساعة أسبوعيًّا من 22.3% إلى 5% بحلول عام 2020.

اقرأ أيضا: كيف تعمل بذكاء لا بجد؟ 5 طرق علمية تشرح لك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد