إلى عدوّي الذي يستحقُ الاحترام، محمد جواد ظريف. *هنري كيسنجر موقعًا إهداءه لظريف.

«صمدت إيران ضدّ الولايات المتحدة وضدّ إرادتها 40 عامًا، وأعتقدُ أنها ستصمدُ 40 عامًا أخرى». هذا ما صرَّح به وزير الخارجيّة الإيراني السابق جواد ظريف قبل شهرين في «مؤتمر الدوحة» بكلمات دبلوماسيّة يُلطّف فيها كلّ مرة حدّة خطابات المرشد الأعلى. وأعلنَ ظريف بالأمس استقالته عبر حسابه على «إنستجرام» ليثير عدّة تساؤلات عن سبب الاستقالة وتوقيتها، والأهم ما سيعقبها. في هذا التقرير نستعرضُ حياة ظريف العمليّة ومساهماته في السياسة الخارجية الإيرانيّة.

ثوريٌّ إيرانيّ في أمريكا

عائلة ثريّة يُمارسُ فيها الأب وصايته على الأبناء بمنعهم من التلفاز والراديو وحتّى الجرائد، ويقطعُ عنهم كل ما يمتّ للسياسة بصلة ليُبقيهم بَعيدين عن التيارات الثوريّة في إيران. زيارة زملاء المدرسة في بيوتهم ممنوعة ويرافق الأبناء حارس الحديقة من وإلى حافلة المدرسة. في هذه العائلة وُلدَ محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيرانيّ الذي أعل استقالته من منصبه ليلة أمس.

وُلد ظريف عامَ 1960 ليشهدَ في إيران عقدين سياسيين من التوتر والتغيير قبيل الثورة الإسلاميّة عام 1979. منعزلًا عن زملائه في الثانويّة اتجه ظريف للكتب، وفي تلك الفترة تعرَّف على علي شريعتي وأفكاره الثوريّة، وقرأ قصص صمد بهرنجي الكاتب اليساريّ المُعارض للشاه. تهرَّب ظريف من الخدمة العسكريّة بمساعدةٍ من صديق لوالده يعمل في السافاك، جهاز استخبارات الشاه)، وسافرَ فورًا للولايات المتحدة عامَ 1977 ليبدأ دراسته في جامعة سان فرانسيسكو بتخصص هندسة الحاسوب.

Embed from Getty Images

وفجأة تواصل معه زميلٌ سابق وخريج من نفس مدرسته الثانويّة في طهران؛ ليبدأ ظريف بذلك تواصله مع اتحاد الطلاب المسلمين في بيركلي، ويتعرّف فيه على ثلّة من الإيرانيين أمسكت بزمام السلطة في إيران بعد الثورة، منهم من سيصير رئيسًا لإيران فيما بعد، أكبر هاشمي رفسنجاني.

بعد وفاة رفسنجاني.. هل بات الإصلاح في إيران ضربًا من الماضي؟

أنهى ظريف مرحلة البكالوريوس في العلاقات الدوليّة وتابع دراساته العليا في الجامعة نفسها بالتخصّص ذاته. وأثناء دراسته سحبَ نظام الخميني مُمثلي إيران مَمن عينهم الشاه وأُرسل بدلًا عنهم ثوريّون لا يتقنون الإنجليزيّة و«لا يعرفون ما الأمم المتحدة» كما يقول ظريف. وكانت هذه فرصته للانخراط المباشر في العمل السياسيّ؛ إذ عُيّن في البعثة الإيرانيّة الدائمة للأمم المتحدة، وبحكم تواجده في الولايات المتحدة اكتسبَ لغة انجليزيّة قوية جعلته في منصب مستشارٍ للبعثة.

 هكذا تعلم الإيرانيّ السياسة في عقر دار عدوه

دخلَ ظريف بتعيينه دبلوماسيًا في الأمم المتحدة عالمَ الدبلوماسية والسياسيّة في أكبر تجمّع للدبلوماسيين حول العالم؛ الأمم المتحدة، وفيها احترف العمل الدبلوماسيّ بعدَ أن دخلها فقيرَ التجربة هو وفريق البعثة، إذ لم يكن للثورة الإسلامية كوادرُ دبلوماسية جاهزة.

فيديو قديم لظريف عامَ 1988 كعضوٍ في البعثة الدبلوماسيّة الإيرانية للأمم المتحدة.

يقول ظريف في كتابٍ عن سيرته الذاتيّة أنّ الحرب الإيرانية العراقية لفتت انتباهه لـ«قوانين الحرب». فدرسَ الماجستير مرةً أخرى وألحقه برسالة دكتوراة بعنوان «الدفاع عن النفس في القانون والسياسة الدوليّة». ولاحقًا دمجَ ظريف في خطابه مصطلح «الدفاع عن النفس»، الذي صارَ كلمة مفتاحيةً في خطابه، مع الإلحاح على كونه «في إطار القانون الدوليّ».

تسألون لماذا نطوّر صواريخًا باليستيّة؟ كيف لإيران أن تُدافع عن نفسها؟… قُصفنا ثماني سنوات بالكيماويّ ـ من صدام ـ وانخرسَ الجميع عنّا. قد تودّون نسيان ذلك وهذا ما لا يمكننا فعله. *جواد ظريف

في لقاء مع ظريف في واشنطن سأله المُحاور عن رده على تهديد أمريكيّ بإغراق القوارب الإيرانيّة في الخليج العربيّ، وبعد ضحكةٍ ساخرة أجابَ ظريف: «جنودنا وبحّارونا يبعدون أميالًا قليلة عن سواحلنا، أما جنودكم فيبعدون عدة آلاف الأميال عن سواحلكم، ثم ينزعجون من إشعار قواربنا لكم بأن لا تقتربوا من مياه إيران.. مصالحنا هناك، وستظلُّ هناك. أنتم تقتربون منّا لا نحن!».

وفي عدّة مقابلات أخرى يُذكّر ظريف الأمريكيين بالحقيقة الجغرافية البسيطة: «نحن هنا في وطننا، لا أنتم. ولذا سيظلُّ نفوذُ إيران فيها قائمًا».

صعود ظريف بين نيويورك وطهران

عاشَ ظريف 18 عامًا في أمريكا التي يُنادي الإيرانيّون بالموت لها في كل تظاهرة. ودرسَ في جامعاتها وتعلّم الدبلوماسية في أروقة الأمم المتحدة في نيويورك. صعدَ ظريف ليصيرَ مستشارًا لوزير الخارجيّة الإيرانيّ عامَ 1988، وبعدَ أربعة أعوام صارَ نائبًا له في الشؤون القانونيّة والدوليّة من طهران، وعادَ بعد ذلك ممثلًا دائمًا لإيران في الأمم المتحدة حتى عام 2007.

نحتَ روحاني مصطلحًا جديدًا في السياسة الخارجيّة عامَ 2013 بمقالةٍ نشرها على صحيفة «واشنطن بوست»، يقولُ فيها إن الوقت قد حان لإيران لتدخلَ في «تفاعل بنّاء» مع العالم. ورسمَ بوضوح في أي اتجاه ستكون سياسته الخارجيّة:«العالم تغيّر.. لم تعد السياسة لعبةً صفرية بَل مساحة متعددة الأبعاد يتزامن فيها التعاون والتنافس».

أخذَ ظريف على عاتقه تنفيذ هذه السياسة الانفتاحية لآخر مداها، مؤكدًا على الانفتاح على العالم، والغرب تحديدًا، ضمنَ تواصل «مشترك» و«متساوٍ»، كشركاء.

جواد ظريف، وزير الخارجيّة الإيرانيّ المستقيل (يمين) مع وزير الخارجية الأمريكية السابق جون كيري (يسار)، قبيل مؤتمر صحافيّ في النمسا، عامَ 2016. مصدر الصورة: ويكيبديا.

قادَ ظريف ملف البرنامج النووي ومفاوضاته. ولأول مرة فُتح تواصل مباشر بين إيران والولايات المتحدة منذ الثورة عامَ 1979، وانطلقت معه منذ 2013 محاولات التوصل لاتفاق نووي انتهت بتوقيع الاتفاقيّة النووية بين إيران ومجموعة «دول 5+1»؛ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وروسيا والصين، وآخرهم ألمانيا. ودخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ مطلعَ 2016 لتُرفع العقوبات عن إيران بعدها ويتنفّس الاقتصاد الإيراني من جديد. لكن سرعان ما انهار الإنجاز الدبلوماسيّ.

ينظرُ المُحافظون للأمور على عكس روحاني، الثقة بالغرب خطأ استراتيجيّ. ثم جاء انسحاب ترامب من الاتفاقية في مايو (أيّار) العام المنصرم دليل على صحة ادّعاءات المحافظين وحدثًا لابتزاز ظريف وروحاني، وإثباتًا لوجهة نظرهم في التفاوض مع الخارج.

إلزام بالبقاء أم خروج نهائي؟

الخبر الرسمي الأكيد: تقدَّم ظريف باستقالته للرئيس روحاني. لكن ما سر التوقيت؟ وما سبب الاستقالة؟

يُحيل أحد التحليلات سبب ذلك للضغط الشديد الذي يتعرّض له ظريف من جناح المُحافظين في إيران، أو بسبب استبعاده من جلسة استقبال بشار الأسد، الذي قدم لطهران في زيارة مفاجئة أمس 25 فبراير (شباط) الجاري، واجتمعَ معه عدد كبير من المسؤولين الإيرانيين، بدءًا من القائد الأعلى للبلاد، آية الله علي خامئني، إلى قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري، وغيرهم من المسؤولين.

وكان علي فاييز، مدير مشروع إيران في «مجموعة الأزمات الدوليّة»،  قد طرحُ سيناريو رفضِ روحاني لاستقالة ظريف، وهو ما حصلَ بالفعل قبل ساعات؛ ما قد يُلزمه بالبقاء في منصبه رغمًا عنه، وقد حصل من قبل في فترة أحمدي نجاد، إذ ألزم بالبقاء في منصبه رغمَ رفض ظريف لذلك.

والسؤال الحقيقيّ إذا ما كانت استقالة ظريف تعني تحوّلًا في اتجاه السياسة الإيرانية الخارجيّة من الانفتاح للانغلاق، وهل يعني خروجه الموت النهائي للصفقة النووية؟ كلّ ذلك سيتضح في الأيام القادمة.

بعد استقالته من الخارجية الإيرانية.. من هم المرشحون لخلافة ظريف؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد