الهدوء يسود حي بولي في العاصمة الإثيوبية، ليلة معتادة لقوات الأمن الوقائي تقوم بمهمةٍ روتينةٍ لحماية أحد المنازل. لكنّ زيارة مفاجئة قطعت هذا الهدوء، ليس هدوء الحيّ فحسب، بل هدوء إثيوبيا بالكامل. الزائر هو قائد الشرطة الفيدرالية، أتي طالبًا من عناصر الأمن الوقائي إخلاء مواقعهم. قائد الأمن الوقائي رفض مغادرة موقعه، فالأوامر غير شرعية أتت في وسط الليل. مُضيفًا أنّه لن يترك ساكن المنزل، جوهر محمد، فريسةً لـ«وحوش الليل» على حد قوله.

نُشرت تلك الواقعة عبر تسجيل صوتي على صفحة صاحب البيت، جوهر محمد. أثار التسجيل تنديدًا بلغ حدّ الصدام مع قوات الشرطة في إقليم «أوروميا» الذي ينتمي له جوهر، أودت تلك المصادمات بنفوس قرابة 100 فرد. لم يكن غريبًا رد الفعل الشعبيّ، فجوهر محمد ناشط سياسي ومدير شبكة إعلامية تحمل اسم «أوروميا». غير أن من غير الممكن حصر رد الفعل في مجرد الدفاع عن شخص جوهر محمد، بل إن الإقليم يستأنف حدثًا بدأه منذ 2014.

احتجاجات ضخمة ضد قبضة الدولة، ثورةٌ على حالة القمع الذي فرضته الحكومة. بدأت تلك الاحتجاجات رفضًا على قيام الحكومة بمصادرة أراضي داخل الإقليم لإنشاء مشروع سكنيّ ضخم لن يكون لأبناء الإقليم منه شيء. ثم امتدت لتطالب بمبدأ المساواة في توزيع الثروات، ورفض مبدأ استخدام العنف باعتباره خيارًا تلقائي لحل الخلافات السياسية. المظاهرات التي كانت أول شراراتها في 2014؛ كانت أبرز نتائجها في 2018 إسقاط نظام الحكم. فمنحت تلك التظاهرات إثيوبيا فرصةً لبداية عهد جديد، ثم وضعت آبي أحمد في منصبه الحالي رئيسًا للوزراء، والأهم أنها قدّمت اسم جوهر محمد باعتباره ناشطًا من أبناء الإقليم والثورة.

لكن الاحتجاجات عادت مرةً أخرى لتُقدم اسم جوهر محمد، رمزًا معارضًا ترفض الجماهير المساس به، وترى في ذلك انتكاسةً صريحة على طريق الديمقراطية، وعودةً إلى ما ثاروا عليه، وتغيّر في سياسات آبي أحمد الذي اختاروه. إضافةً إلى كون الأمر يمثل شعورًا عامًا عند أنصار آبي أحمد، فإنه يمثل شعورًا شخصيًا عند جوهر محمد؛ فهو رفيق آبي أحمد، ومهندس صعوده لرئاسة الوزراء.

جوهر محمد.. الشيطان والملاك

إذا أردت أن تعرف معلوماتٍ عن وضع داخلي لدولةٍ ما، فالأفضل أن تبحث في مواقعها وقنواتها الإعلامية، لكنّ التنقيب وراء جوهر محمد قد يكسر هذه القاعدة. الكثير من الأحاديث الإعلامية وفي وسائل التواصل الاجتماعي تهاجمه. يزداد الأمر تعقدًا بوجود أفلام وثائقية قصيرة تهاجم الرجل هجومًا شرسًا. يتناغم ذلك الهجوم مع هجومٍ آخر رسمي يقوده آبي أحمد؛ فقد عرّض آبي أحمد بازدواجية جنسية جوهر، ووصفه بالمنتمي لوطنين. ثم وصمه بأنّه هو المُحرض وراء الأزمة التي تعيشها إثيوبيا حاليًا. كذلك امتد الأمر شعبيًا ليُوصف جوهر محمد بالشيطان المُتجسد في هيئة آدمي.

 

لكن بالذهاب للجهة الأخرى، جهة أنصار جوهر محمد، نجد حديثًا عن شابٍ نذَر نفسه لإثيوبيا. فهو يدافع عن حق إثيوبيا كلها عبر دفاعه عن حقوق الأوروميا في الحرية والعدالة والمساواة. الانقسام بين الفريقين يؤكد أن الوصول لمرحلة الوحدة الإثيوبية التي يريدها رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد يجب أن يمر عبر بوابة جوهر محمد، لا أن يتجاوزه، أو يحاول قمع أنصاره كما فعل، كما أن الانقسام يخبرنا أيضًا أن حقيقة جوهر محمد قد تتوه وسط هذا التناقض الإعلامي، لذا فيجب أن نتتبع محطات حياته الواقعية، وتصريحاته التي نطقها بنفسه، ولا تحتمل السقوط في فخ التأويل بين المؤيد والمُعارض.

في قريةٍ صغيرة وُلد جوهر لوالدٍ مسلم وأم مسيحية أرثوذكسية، ثم تزوج من مسيحية بروتستانية. مجموعة من الاختلافات الجذرية تخبرنا بما يقوله جوهر عن نفسه بأنّه يؤمن بعدم وجود أي خلافٍ أو نزاع لا يمكن التغلب عليه بحوار هادئ ومفاوضات ناجحة. تلك القناعة اكتسبها من والدٍ مُقاوم وجدٍ مشهور بين الأورمو بالحكمة. ثقل جوهر تلك القناعات بالدراسة الأكاديمية في الكلية العالمية في سنغافورة وتخرج فيها عام 2005. حطّ رحاله في الولايات المتحدة لدراسة العلوم السياسية فحصل على شهادةٍ فيها من جامعة ستاتفورد، وأضاف لها عام 2013 شهادةً أخرى في حقوق الإنسان من جامعة كولومبيا.

ولعل التنوع في المنزل الذي نشأ به جوهر، ثم التنوع في البلدان درس بها إلى جانب تعدد المجالات التي درسها، هو ما منحه شعورًا بالقضية الإنسانية عامةً دون الوقوف على العِرق والدين. ويمكن القول إن ذلك سبب توجهه للمجال الإعلامي منذ عام 2003، عندنا أنشأ شبكة أوروميا الإعلامية التي تطورت على مر السنوات وزادت مراكز بثَها وتعددت اللهجاب التي تبث بها كذلك. جوهر في حفل تأسيس الشبكة قال إن تدشين المحطة الإعلامية بمثابة تحرير لفضاء أوروميا، وأضاف أنّ مهتمه ومهمة المحطة من فصاعدًا هى تحرير أرض أورميا.

الناشط الأناركي.. رائد الاحتجاج الإلكتروني

حين وُلدت مواقع التواصل الاجتماعي لم يتركها جوهر، فبات متابعوه على «فيسبوك» أكثر من مليون متابع، ومتابعوه على «تويتر» قرابة 150 ألفًا. سخّر جوهر مواقع التواصل لجعل كافة أنصاره مراسلين صحافيين، فتوسعت قاعدته الشعبية وزاد الوعي بين أنصاره وفرض وجوده على الساحة الإثيوبية أكثر فأكثر.

المحطة الإعلامية ومنشوراته على المواقع التواصل صارت هى العقل المُوجه لوعي الأورومو ولاحتجاجاتهم طوال أربع سنوات. عبر جوهر محمد استطاع شعب الأورومو أن يُقدّم للقيادات السياسية مطالب واضحة، والأهم أنها مطالب اتفق عليها الجميع، فكأنما أعاد الأورومو اكتشاف قدرتهم على الاتفاق والوحدة.

كذلك أقدم جوهر على فعلٍ «أناركيّ» بمساعدة مجموعة من أنصاره ذوي القدرة التقنية العالية. استطاع المخترقون الولوج لحواسيب المقر الرئيس لوزارة التعليم الإثيوبية وحذف نماذج الامتحانات التي اقترب موعدها أثناء الاحتجاجات. ظهر بعدها جوهر يطالب بتأجيل الامتحانات حتى يستعد لها أبناء الأورمو الذين شغلتهم الاحتجاجات، ولم تجد الوزارة بدًا من الموافقة.

هذا النوع الجديد من التظاهر والاعتراض لم يدخل إثيوبيا أو إقليم الأورمو إلا على يد جوهر محمد. فخسرت التحليلات السياسية التي راهنت على أن احتجاجات الأورومو سوف تُقمع في أيامها الأولى. استمرت التظاهرات وتوسعت ودخلت في إضراب عام شلّ العاصمة أديس أبابا. وُضعت العاصمة في حرج أمام المظاهرات التي تسجل نجاحًا يومًا بعد الآخر فارتكب النظام مجزرة «أريشا» لرد الاعتبار، لكن المجزرة أخذت الأحداث إلى نقطة اللاعودة.

حارس مرمى «كيرورو» وأبيها الروحي

رأس الحربة في التنظيم والحشد الإلكتروني كانت «كيرورو»، منظمة شبابية ولدت وترعرت بعيدًا عن أنظار الأمن الإثيوبي، تُعرف نفسها بأن مؤسسة مقاومة. منسقو المجموعة يعتبرون جوهر «الأب الروحي»، فيقول متحدثهم أنّه هو من أمدهم بالتحليلات السياسية التي بنوا مواقفهم بناءً عليها. ثم شبّهه بحارس المرمى في فريق كرة القدم، فالحارس يقوم بتوجيه اللاعبين من مكانه، لكنّ باقي الفريق، يقصد أعضاء كيرورو هم من يقومون بالهجوم. من جهته قَبِل جوهر تصريحاتهم، وذكر أنّه يعتبر نفسه أخًا لهم.

لكن الأبناء تمردوا على أبيهم الروحي حين نفد صبرهم من سياسة آبي أحمد. لم يُحرضهم جوهر، بل يمكن القول إنّه حاول كثيرًا كبح جماحهم كي لا تهتز التجربة الديمقراطية الناشئة. لكن الشباب وجدوا مطالبهم التي نادوا بها منذ 2014 لم تُحقق، بل ساد شعور يزداد يومًا تلو الآخر أن آبي أحمد في طريقه ليصير نسخةً أقل حدة من القيادة التي ثار الإثيوبيون عليها. الشك الذي حوّله لشبه يقين محاولةُ إزالة الحراس الوقائية من أمام منزل جوهر محمد. سارع جوهر لمطالبة الشباب بالرجوع إلى منازلهم وإزالة الحواجز من الطرقات، وقد كان. لكن لا يمكن القول إنهم لن يعودوا مراتٍ أُخَر؛ لأن مطالبهم لم تتحقق بعد.

وفي ظل التوترات المتصاعدة في إثيوبيا والتي يزداد معها عدد القتلى من المتظاهرين؛ لا يمكن استبعاد سيناريو يخرج فيه آبي أحمد من رئاسة الوزراء ليحل محلّه جوهر محمد، لكن الوصول لتلك النهاية قد لا يكون عبر أحداث سعيدة، فيمكن أن تعود إثيوبيا لحالتها من التفكك والتناحر بين الحكومة والمعارضة. خاصةً وأن الشعور القومي الذي يغذيه الطرفان قد ينفجر في وجه الجميع، فإثيوبيا تتآلف من 100 مليون فرد منقسمين إلى 80 طائفة عرقية مختلفة. فقد نجد دعوات بالانفصال خاصةً من الأقاليم الكبرى مثل «التجراي والصومال والأمهرا والأورميا».

لكن بعيدًا عن الوسائل التي سوف يتغير بها المشهد السياسي فالمؤشرات تتجه صوب تراجع تأييد آبي أحمد وارتفاع أنصار جوهر محمد. فآبي أحمد يتجه إلى تأسيس حكم مركزي سوف يؤدي إلى تمكين فصيل واحدٍ دون باقي الفصائل الإثيوبية. وقد فُسّرت سياساته لمحاربة الفساد على أنها ليست سوى غطاءٍ لإقصاء المسئولين المنتمين لقومية التيجراي. كذلك رغبته في تأسيس حزب «الازدهار الإثيوبي» المُوحد فُسّرت بأنها بوابة آبي أحمد لتمرير حكم استبدادي يتفرد به وحده. القرائن التي تُرجح تلك النظرية هى تمرير بعض التعديلات على قوانين تكوين الأحزاب السياسية التي تُضفي مزيدًا من القيود على عملية إنشاء الأحزاب. كما أنه تجاهل تعديلاتٍ اقترحها 57 حزبًا إثيوبيًا على مشروع قانونه المُمّرر.

ماذا لو وصل جوهر محمد إلى سدة الحكم؟

وقوف جوهر وآبي جنبًا إلى جنب في حملة الأخير الانتخابية حتى وصل الأخير للحكم يخبرنا أنه كان هناك توافقًا بين الرجلين في السياسات، أو على الأقل في الخطوط العريضة التي أعلنها آبي أحمد إبان الانتخابات. واختلافهما حاليًا يقول أن الخلاف الذي دّب بين الرجلين، إما اعتراضًا على طريقة آبي أحمد في تنفيذ رؤيتهما، أو أن أفكار آبي أحمد الجديدة لا تلقى قبول جوهر وأتباعه.

لذا ففي حال وصول جوهر محمد إلى السلطة من المحتمل أن لا نجد اختلافًا كبيرًا في السياسات بين الرجلين، لكن سياسة الحزب الواحد العابر للأعراق من المؤكد أنها سوف تختفي. فتلك هى النقطة المفصلية التي أشعلت الخلاف بين الرجلين، اندماج الأحزاب الإثنية في حزب وطني واحد. فجوهر يراها إلغاءً مباشرًا لحقوق الأقليّات الصغيرة وفرض هيمنة القوميات الكبرى.

 

وتأمل القوميات الإثيوبية أيضًا أن تُمثل جميعًا في نظام فيدرالي يضمن لكل قومية استقلالها الذاتي في مقابل أن تخضع لقرارات الإدارة المركزية في أمور الدولة الكبرى، مثل خوض الحروب والإجراءات الاقتصادية العامة. كذلك تتحدث التقارير من الداخل الإثيوبي أنّه بعيدًا عن الكاميرات يقوم آبي أحمد بحملات اعتقال جماعية تستهدف معارضيه دون توجيه تهمٍ لهم. أنصار جوهر محمد يأملون أن تتوقف تلك الحملات تمامًا حال وصوله إلى السلطة.

من الممكن قراءة حصول آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام بعد فترة وجيزة من وصوله للحكم، وتوقيعه سلامًا «هشًا» مع إريتريا؛ نوعًا من الدعم الخارجي غير المباشر في مواجهة التحديات التي يواجهها والإجراءات التي يتخذها ضد المعارضة؛ لكن إذا كان ذلك ممكنًا، فيمكن أيضًا القول بأن إعلان جوهر محمد نيته الترشح لرئاسة الوزراء الذي لم يحدث إلا بعد عودته من زيارةٍ سريعة لواشنطن يعني حصوله على مباركتها.

وبجمع الموقفين يصبح التدخل الخارجي والدولي في ترجيح كفة واحدٍ منهما أمرًا غير مُرجح. والأقرب أن الموقف الدولي سيبقى على وتيرته الحالية من الهدوء المُتفّهم لطبيعة الفسيفاء العرقية المُكونة للشعب الإثيوبي. والإدراك بأنه من الصعب على أي قيادة أن تصل إلى قواعد تتوافق عليها جميع العرقيات الإثيوبية.

«الحداثة المستحيلة».. لماذا يظل «حلم الدولة الديمقراطية» بعيد المنال في إثيوبيا ولبنان؟

المصادر

تحميل المزيد