2,280

اللي بنى.. بنى مصر.. كان في الأصل.. حلواني

وعشان كده مصر يا ولاد.. حلوة الحلوات

يتذكر الكثيرون هذه الكلمات التي غناها المطرب علي الحجار منذ أكثر من ربع قرن في تتر مسلسل «بوابة الحلواني»، من كلمات الشاعر سيد حجاب. وحين سمعنا الأغنية لأول مرة، تساءل الجميع من هو الحلواني المقصود؟ هل هو شخصٌ محدد، أم أن الشاعر هنا كان يقصد تعبيرًا مجازيًا لإبراز جمال مصر؟

لا يمكن الجزم بإجابة قاطعة لهذا السؤال؛ فقد يكون الشاعر قد قصد المعنى الحقيقي والمجازي معًا، لكن هناك روايةً تاريخيةً ذائعة الصيت عن أن من بنى القاهرة – التي ما زالت تُلخِّص مصر كلها اسمًا ورسمًا حتى الآن – كان يعمل في بداية حياته بالفعل في صناعة الحلوى. إنه العبد السابق، والقائد التاريخي الشهير لاحقًا جوهر الصقلي، والذي تلخص قصة حياته وتناقضات نشأته وصعوده وسقوطه سمات عصره.

الصعود الفاطمي في «القرن الشيعي»

في منتصف القرن الرابع الهجري، كانت الخريطة السياسية للعالم الإسلامي تحمل أوضاعًا غير مسبوقة؛ فبعد قرنين أو يزيد من الحكم المركزي القوي في دولة المسلمين، من دمشق الأموية إلى بغداد العباسية، انفرط العقد، وتشرذمت الحبات التي كانت مشدودة إليه رغبًا ورهبًا، إلى دول ودويلاتٍ هنا وهناك.

كانت بغداد في أحط دركات الضعف والهوان، لا يتصرف خليفتها العباسي «السني» في أكثر من حدود قصره وحريمه، بينما يتصرَّف في صلاحياته بقوة السلاح ملك من أسرة بني بويه الخراسانية، وهم من الشيعة الاثنا عشرية، الذين يحاولون فرض سلطانهم هنا وهناك باسم الخليفة المغلوب على أمره، ينافسهم الحمدانيون الشيعة في حلب والشام، بالإضافة إلى حكام متفرقين في الحواضر الإسلامية، في إيران وآسيا الوسطى وجوارها.

في الوسط، كانت مصر التي استقل بها القائد التركي أحمد بن طولون عن بغداد منذ قرن من الزمان تمر بفترة شديدة من الضعف والاضطراب، بعد وفاة حاكمها القوي كافور الإخشيدي، والذي كان عبدًا لدى القائد التركي محمد بن طغج، والذي حكم مصر وتلقَّب بالإخشيد فأعتقه لمواهبه واعتمد عليه، ولما مات الإخشيد وترك أطفالًا صغارًا يرثون الحكم، كان كافور هو الوصي عليهم، واحتفظ بعلاقات جيدة وتبعية اسمية مع خليفة بغداد، وأدار الأوضاع في مصر على أكمل وجه لسنوات،  لكن الضعف الذي أعقب وفاة كافور، هو ما أغرى بمصر جيرانها الأقوياء إلى الغرب.

من حدود مصر الغربية شرقًا، إلى ساحل المحيط الأطلسي أقصى الغرب، كانت تلك الأراضي الشاسعة  تخضع منذ عشرات السنين لحكم دولة الفاطميين الفتية، التي تضطرم بالطموح، وكذلك بالحقد السياسي والمذهبي على بغداد، عاصمة الخلافة السنية، التي اضطهدت أهل البيت من نسل علي وفاطمة، وسلبتهم حقهم في إمامة الدين والدنيا كما يرى الشيعة.

غُرست بذرة أكبر دولة شيعية في تاريخ الإسلام عام 288 هـ، عندما وصل الداعية الباطني الإسماعيلي أبو عبد الله الشيعي بصحبة بعض حجاج قبيلة كتامة الأمازيغية إلى إفريقيَّة – تونس الحالية – لاستكمال النشاط الدعوي السري الإسماعيلي. انتشرت الدعوة الجديدة كانتشار النار في الهشيم، بين قبائل المغرب خاصةً كتامة.

وبعد سلاسل من الحروب والتوسع، والجزر والمد،  نجح أبو عبد الله الشيعي في تأسيس نواة الدولة الفاطمية، باسم أول خلفائها، عبيد الله والذي لقَّب نفسه بالمهدي، والذي كان مستترًا في حمص بالشام، ثم مصر، ثم قدم إلى  المغرب الأدنى (تونس والجزائر)، بعد أن هيَّأ له داعيته أبو عبد الله الشيعي موطيء قدم بها، وأظهر نفسه في المغرب عام 296 هـ، بينما كانت جيوش الدعوة الفاطمية تطارد فلول الدويلات المغربية الآفلة مثل دولة الأغالبة في إفريقية، وبني مدرار في سلجماسة (بالمغرب حاليًا)، وبني رستم بتاهيرت (في الجزائر الحالية)، وغيرهم من الدول.

استقر الملك لعبيد الله على أجزاءٍ شاسعة من غرب العالم الإسلامي، وكان من أوائل أعماله قتل داعيته أبي عبد الله الشيعي الذي استفحل أمره، مع الكثير من خلصائه من قادة قبيلة كتامة، عماد الدعوة الفاطمية. بعد استقرار دعوته ودولته في المغرب، حاول المهدي مراتٍ عديدة انتزاع مصر، لكن محاولاته فشلت ليقظة حكامها آنذاك، ومساعدة بغداد لهم بما تيسَّر من قوتها.

توفي المهدي عام 322 هـ، بعاصمة مُلكه التي أسسها في تونس، مدينة المهدية، وخلفه ابنه القائم بأمر الله، والذي كان قد قاد الكثير من حملات أبيه على مصر. هاجم القائم بأمر الله مصر حتى احتل الأسكندرية، لكن الإخشيد طرده، ثم عطله عن مشروع التوسع المصري؛ ثورة أبي يزيد الخارجي العنيفة، والتي كانت جيوشه لا تزال تقاسي الأمرَّين في محاولة القضاء على هذه الثورة التي أحرقت الأخضر واليابس في تونس وجوارها، عندما توفي القائم عام 334 هـ.

خلف أبو طاهر المنصور أباه في خلافة الفاطميين، ونجح في القضاء على ثورة أبي يزيد أواخر 335هـ، وتوفي عام 341 هـ، بعد أن أعاد الاستقرار للدولة، وتولى بعده ابنه معد، صاحب اللقب الأشهر بين الخلفاء الفاطميين؛ المعز لدين الله الفاطمي، وكان شابًّا في الـ24 في عمره.

ورغم انشغال المعز بشؤون المغرب مترامي الأطراف، الذي لا تنقطع ثوراته واضطراباته، فإن عينه كانت على مصر، وأخذ يبث عيونه ودعاته سرًّا في مصر انتظارًا لفرصة سانحة لاقتناص هذا الصيد الكبير.

محمد باشا الصقللي.. قصة «اللحية» العثمانية التي تزيدها حلاقة الأعداء كثافة!

كيف أصبح جوهر «جوهرًا»

هو الأمير الكبير، قائد الجيوش أبو الحسن ، جوهر الرومي المعزي، من نجباء الموالي… وكان عالي الهمة ، نافذ الأمر *الذهبي في ترجمته لجوهر الصقلي في سير أعلام النبلاء

تلك الشخصيات التي تفرض نفسها على صفحة التاريخ فجأة، ولم يكونوا من ورثة السلطان، وربائب الملوك، لا يستطيع أحد أن يجزم بتفاصيل تاريخهم المبكر عندما كان يحيط بهم خمول الذكر، لكن مع ذلك عندنا شذرات من التاريخ المبكر لجوهر الصقلي. كان جوهر، وبالطبع لم يكن هذا ما سماه به أبواه، يونانيَ الأصل، ولد لأمٍّ بيزنطية كانت تعيش في جزيرة صقلية الواقعة في البحر الأبيض المتوسط، جنوب إيطاليا الحالية، وأرجح الروايات أنه وُلِد بحدود عام 320 هـ.

بسبب الموقع الحيوي لصقلية، وتوسُّطها للبحر المتوسط، وقربها الشديد من سواحل إفريقية، كانت دائمًا مطمعًا للغزاة الأقوياء من أعلى البحر ومن أسفله، ولذا اختلط في أرجائها البيزنطيون والطليان والجرمانيون والعرب والمسلمون، وغيرهم؛ وتقلبت السيطرة عليها بين مختلف هذه العناصر في القرون الوسطى. في إحدى غزوات الفاطميين لصقلية، سيقَ جوهر أسيرًا، وانتقل إلى البر الجنوبي للبحر المتوسط، إلى حاضرة إفريقيَّة والغرب الإسلامي: القيروان.

رغم نشأته الصعبة، وقيامه بما يقوم به العبيد من شؤون الخدمة باديء ذي بدء، ومنها عمله بصناعة الحلوى، فإن مواهبه البارزة، عقلًا وبنيانًا، سرعان ما ميَّزته عن سواد العبيد، وأعطته الفرصة للالتحاق بخدمة الخليفة الفاطمي الثالث المنصور، وبعد وفاته، انضمَّ إلى ركاب ابنه المعز لدين الله الفاطمي، والذي أعتقه تقديرًا له، وأصبح من خواصّه وخُلصائه.

عام 347 هـ، تقلّد جوهر الوزارة، وسيِّره المعز بجيش كثيف ليقمع الثورات في المغرب الأقصى. نجح جوهر في مهمته بشكل باهر، ولم يكتفِ بإهداء ثمار الحرب والسياسة فحسب إلى سيده، إنما حمل للمعز قلالًا مملوءةً بالماء، جمع بها أنواعًا من أسماك المحيط الأطلسي، فسُرَّ به المعز، وعلا نجم جوهر أكثر وأكثر لدى المعز، وأصبح ذراعه الأيمن، وسيفه الأبتر.

مصر تفتح ذراعيْها لجوهر

يقول بنو العباس: هل فُتِحَتْ مصر؟ … فقل لبني العباس: قد قُضِيَ الأمرُ!

ومُذْ جاوز الإسكندريّةُ جوهرُ … تصاحبُهُ البشرى ويقدُمُهُ النصرُ

*الحسن بن هانيء في مطلع قصيدته احتفالًا باستيلاء جوهر الصقلي على مصر

بوفاة كافور الإخشيدي عام 357 هـ، وتولية أحمد بن علي بن الإخشيد، وعمره 11 عامًا، حكم مصر، بدأَ العد التنازلي للسقوط الحتمي لأقوى دولة في العالم الإسلامي آنذاك، دولة الفاطميين. زادت النزاعات بين المتصارعين في مصر تحت ظل الأمير الطفل، فانفجرت الفوضى في أرجاء مصر، خاصة مع محاولة الوزير ابن الفرات الانفراد بالسلطة والثروة، وطارد الكثير من خصومه، وصادَرَ أموالهم، ومنهم الوزير اليهودي الأصل يعقوب بن كلس، وكان داهية ذا تدبير، وظلَّ لسنواتٍ من أبرز رجال بلاط كافور الإخشيدي.

نجح يعقوب في الفرار إلى المعز الفاطمي، وشرح له الأوضاع في مصر بالتفصيل، وأنها كالثمرة الناضجة التي تنتظر قاطفها، فكان هذا من أبرز ما دعا المعز لوضع ضم مصر على سلم أولوياته، بينما لم تمضِ سوى أشهر معدودات على وفاة رجل مصر القوي كافور.

في ربيع الأول من عام 358هـ، جهز المعز الفاطمي قائده الأثير جوهر الصقلي بجيش كثيف إلى مصر. وكان المتغلب على مقاليد الأمور في مصر آنذاك هو الحسن بن عبيد الله الإخشيدي، وهو ابن عم والد الأمير الطفل أحمد، وكان مستبدُا، ذاق منه على حدٍّ سواء، أمراء مصر ورعيتها الأمرَّيْن، ولعل هذا جعل مهمة جوهر أيسر وأسهل.

فتح المعز أبواب خزائنه على مصراعيْها لقائده الأثير، لتكون حملته في قمة الجاهزية، ضمانًا لإتمام المهمة التي أعجزت آباءه وأجدادًه لأكثر من نصف قرن، والتي قد لا تجود الأيام من أجلها بمثل اللحظة الفارقة الحالية. خرج الجيش من القيروان، في مشهدٍ مهيب؛ إذ لم يُرَ منذ حين حشدٌ مثل هذا في تلك الأرجاء على كثرة حروبها وتقلباتها، وشيَّع شاعر الفاطميين الأثير بن هانيء، جوهرَ الصقلي وجيشه، بواحدة من مبالغاته الشعرية التي اشتهر بها فقال:

رأيت بعينى فوق ما كنت أسمع … وقد راعَنى يومٌ من الحشرِ أروعُ

غداة كأنّ الأُفْقَ سُدّ بمثلِه … فعاد غروبُ الشمس من حيث تطلعُ

عمَّت أنباء الغزو الفاطمي الوشيك مصر من أقصاها إلى أقصاها. سارع العديد من أمراء مصر وأعيانها لمراسلة جوهر القائد، لخطب وده، ولوضع مسافة بينهم وبين النظام الحالي الذي يوشك أن يصبح بائدًا. ردَّ جوهر على جميع هؤلاء بالرد الجميل، وأصبح كفة أعدائه تختل أكثر في كل ساعة. وصل جيش جوهر إلى الأسكندرية، وما تزال رسل الولاء والطاعة تصل إليه من كل مكان.

تجمع فلول الإخشديين لحرب جوهر في الجيزة، والتي وصل إليها في شعبان 358هـ. دار القتال لأيامٍ، لكن ما لبث جوهر أن انتصر، بعد أن قُتل الكثير من الإخشيديين، وفرَّ البقية أو طلبوا الأمان لأنفسهم. عبر الجيش المنتصر النيل، ليدخل مصر في منتصف شعبان، وسط رضًا شعبي واسع لم يخلُ من ترقُّب.

الحاكم بأمر الله..غريب الأطوار الذي نجا من سخرية الشعوب فأطاحته مؤامرات القصور

كيف غرس جوهر أساسًا متينًا لـ200 عام من الحكم الفاطمي؟

إن كان استيلاء جوهر على مصر مهمة سهلة، لم تستغرقْ أكثر من  أشهر مذ غادر القيروان بجيشه، فإن تثبيت أركان الحكم الفاطمي فيها، حتى أصبحت مصر هي عاصمته، لم يكن أبدًا بمثل هذه السهولة. فإن مصر التي يدين الغالبية العظمي من مسلميها بالمذهب الشافعي السني، ومهما بلغ مقدار حب المصريين لآل البيت، والتعاطف معهم، ومع ما تعرضوا له من عسف على مر القرون، فإن الرضا بحكم أسرة شيعية إسماعيلية، يرى غالبية هؤلاء أن مذهبها باطل، وإن نسبت نفسها لآل البيت، لم يكن مهمة عادية.

عرف جوهر أن أكثر ما كان يهم المصريين في تلك الفترة هو عودة الاستقرار، ولجم الفوضى التي انفجرت بعد وفاة كافور، فحرص على تأمين الناس، حتى فلول الإخشيديين الذي أظهروا الطاعة، وكفَّ أيدي جنده عن السلب والنهب؛ مما رفع أسهمه لدى المصريين، وأشعرهم بمزايا العهد الجديد. كذلك جدًّ في ضبط الأسواق، ومراقبة الأسعار، وضمان توفر السلع الأساسية، خصوصًا مع تزامن قدومه مصر، مع انخفاض مستوى الفيضان، وما يصاحب هذا بمصر آنذاك من غلاء ومجاعات وأوبئة.

كذلك تجنَّب في الأيام الأولى الصدام المباشر مع معتقدات الناس، وركزَّ في دعايته في الأسابيع الأولى على مظلومية آل البيت العامة، وهي قضية لا يختلف عليها الغالبية العظمى من المسلمين. كما حرص جوهر على الإسراع بإقامة حاضرة جديدة للبلاد، تكون رمزّا للعهد الجديد، ولذلك في الأيام الأولى قام بوضع أساس تلك العاصمة خارج مصر القديمة (تجمع العواصم السابقة: الفسطاط والعسكر والقطائع)، وفي قلبها قصر خليفته المعز. وهكذا ظهرت القاهرة على صفحة الوجود، وكانت بالأساس مدينة ملكية للخليفة وخدمه وحشمه، ولدواوين الدولة، وكبار رجالاتها، ومستقرٌّ لجيوشها.

وشرع جوهر في بناء جامع كبير داخل العاصمة الجديدة، ليكون منبرًا لنشر الفكر الشيعي الإسماعيلي. اكتمل بناء الجامع الأزهر خلال ثلاثة أعوام، بحلول رمضان 361هـ. وجعل إنشاء الجامع الأزهر في القاهرة، خارج مصر، حتى لا يستفز مشاعر عموم المصريين السنة، والحكم الجديد ما يزال يثبت جذوره في التربة المصرية.

كذلك جدًّ جوهر في مطاردة فلول المتمردين خارج حدود مصر، فاستولت جيوشه على الرملة بفلسطين وقد فرَّ إليها الحسن بن عبيد الله الإخشيدي الذي كان متغلبًا على مصر قبل وصول جوهر، وأرسله مكبولًا إلى المعز بتونس. ثم استولى قائده جعفر بن فلاح على دمشق حاضرة الشام عام 359 هـ بعد كر وفر. وفي عام 360هـ، أقيمت الخطبة باسم المعز الفاطمي في حلب التي يحكمها الحمدانيون الشيعة. لكن في ذلك العام وصلت جيوش دولة القرامطة، وهم من الشيعة الإسماعيلية أيضًا، لكن على خلافٍ كبير مع الفاطميين، إلى الشام، وانتزعت دمشق من عمال جوهر.

المعز في قاهرته.. وجزاء جوهر «جزاء سنمار»

وجاء المعزّ من إفريقيّة وكان يُطعَن في نسبه. فاجتمع به جماعة من الأشراف؛ فقال له الشريف عبد الله بن طباطبا: «إلى من ينتسب مولانا؟»  فسلَّ المعزّ سيفه وقال: «هذا نسبى» ونثر عليهم ذهبًا كثيرًا، وقال: «هذا حسبى». فقالوا جميعًا: «سمعنا وأطعنا».

*ابن تغري بردي – النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، نقلًا عن ابن خلكان

مضت ثلاثة أعوام منذ استيلاء الفاطميين على مصر، لم تنقطِع فيها رسل جوهر عن سيده المعز، يخبره أولًا بأول عن أحوال مصر، وما يبذله صباح مساء لتوطيد أركان حكومة سيده المعز فيها. في تلك الأعوام اكتمل بناء القاهرة، وجامعها الأزهر، واستقامت مصر تحت حكم جوهر الذي ارتفعت شعبيته كثيرًا لدى المصريين لما أظهره من عدلٍ وحزم وتدبير ونزاهة.

قرر المعز أواخر عام 361هـ، أن يقدم إلى مصر بنفسه، لكن ليس لمجرد الزيارة، إنما لجعل القاهرة حاضرة خلافته، حتى أنه قرر نقل توابيت آبائه لدفنها في مصر.  تفسيرات كثيرة تناولت هذا الأمر، لمحاولة فهم الدافع وراء ترك المعز لتونس بموقعها الوسيط في دولته الممتدة بين البحر الأحمر والمحيط، والقدوم لمصر؛ لعل الأرجح أن المعز ظنَّ أنه لا يلبث أن ينضوي تحت حكمه كافة أرجاء العالم الإسلامي، وأن مصر بموقعها في القلب تصلح لقيادة الزمن الجديد.

وصل المعز إلى القاهرة في رمضان عام 362 هـ، واستقبل استقبالًا حافلا من المصريين، الذين هالهم ضخامة ما أتى به المعز من جيوش وكنوز. وسكن في قصره الفخم الذي أنشأه له جوهر، وصنع له فيه سريرًا من الذهب الخالص.

أظهر المعزُّ التنسُّك والعدل، ولم يشتد في الضرائب على الناس، فاستبشر به الكثيرون، وللمزيد من بث هيبته وهيبة ملكه في نفوس المصريين، أمر بالخروج في مطلع كل عام في موكب هائل وسط حاشيته وجنوده في عدتهم الكاملة. وتتكرر مثل هذه الأجواء الاحتفالية الضخمة في المواسم الهامة كالعيديْن ورمضان وذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام.

بدأت الوحشة تتسرب بين جوهر والمعز، ويُعتقد أن سببها كان خوف المعز من طغيان شعبية جوهر، ووشاية الواشين بذلك، برغم ما أظهره الرجل على مدار 20 عامًا في خدمة المعز من الولاء وحسن البلاء. جرده المعز من كافة مناصبه، وتركه خاملًا في منزله، إلا أن المعز عاد واستعان بجهوده في التصدي لغزو القرامطة لمصر بعد أن وصلت جيوشهم لأسوار القاهرة، لكن حتى وفاة المعز عام 365هـ، لم يَعُد جوهر الصقلي إلى سابق مكانته.

عندما تولى العزيز بالله نزار خلفًا لأبيه، كان من أوائل أعماله، رد الاعتبار لجوهر الصقلي، والاستعانة به في تدبير دولته، وظل بارز المكانة بضعة أعوام في بلاط العزيز بالله، خاصة مع دوره في ضمان انتقال السلطة إليه بعد وفاة أبيه، لكن لم يلبث العزيز أن تغيَّر عليه نتيجة فشل حملة عسكرية قادها إلى الشام، وعودته إلى مصر مهزومًا عام 367هـ، فاشتدَّ عليه، وجرَّده مرة أخرى من منصبه وألقابه.

عام 381هـ مرض جوهر مرضًا شديدًا ألزمه الفراش، فجاء العزيز يعوده في منزله، وأمر بوصلِه بالمال. فلما توفيَّ في شهر ذي القعدة من ذلك العام، صلي عليه، وأكرم ابنَه الحسين، ولقَّبه بالقائد بن القائد.

أما النصيب الأكثر مرارة من تقلبات الفاطميين، فلم ينله جوهر القائد بنفسه، إنما ناله ابنه الحسين بن جوهر هذا، والذي خلفه في الوزارة والحظوة، حيث كان من كبار القادة المقدَّمين في دولة الحاكم بأمر الله الفاطمي، الذي لم يشهد تاريخ الفاطميين مثله في تقلباته، وتناقض أحواله، فما لبث أن نقم عليه، وقتله عام 401هـ، كما فعل مع الكثير من رجاله.

الصقالبة والمماليك والانكشارية.. «عبيد السلطان» الذين أقاموا دولًا وأسقطوها