«بغية الاستيلاء على مصر يتعين خوض ثلاثة حروب: الأولى ضد إنجلترا، والثانية ضد الباب العالي، والثالثة -وهي أصعبها- ضد المسلمين الذين يشكلون شعب هذا البلد».

كانت هذه الجملة الشهيرة التي تحدث عنها الرحالة والمستشرق الفرنسي قسطنطين فرانسوا فولني كثيرًا ما تلح على ذهن بونابرت، الذي كان يعتمد بصورة أساسية على التحول الثقافي للبلاد عبر سياسة تؤدي إلى تغيير العقليات من القاعدة إلى القمة. وتأخذ في الاعتبار الاتصال الإنساني بالشعب، وخاصة بعد كارثة أبو قير التي حتمت على علماء الحملة الاضطلاع بدورهم الأساسي لضمان بقاء جيش قوامه 30 ألف رجل في بلد مناهض لهم.

اصطحب نابليون معه في حملته على مصر عشرات من علماء الاستشراق، الذين رددوا شعارات براقة؛ لاستمالة قلوب شعبها وحكامها. وكان من أبرز هؤلاء، المستشرق جان مارسيل فنتور دي بارادي، الذي كان مترجمًا أول لقائد الحملة الجنرال بونابرت، وترجم أول منشوراتها. فما هي قصته؟

«علماء الحملة الفرنسية».. قوة نابليون الناعمة

زار العديد من العلماء والرحالة الفرنسيين مصر خلال العقدين اللذين سبقا حملة بونابرت؛ كي يستكشفوا البلاد ويعكفوا على إنتاج المعرفة التي تمكنهم من استعمارها يومًا ما. وقد حضر هؤلاء الخبراء إما في عهد النظام الفرنسي الملكي القديم، أو في عهد الجمهورية التي تلته. وقدمت كتاباتهم توصيات لكلا النظامين عن الطريقة المثلى؛ لاستغلال الموارد التجارية والزراعية في شمال مصر وجنوبها.

Embed from Getty Images

وتبنت كتاباتهم أيضًا صورًا متوهمة عن السكان الأصليين المقموعين، في مقابل الذات الفرنسية التحررية التنويرية. ورسمت هذه الكتابات صورة للرجل الفرنسي الذكي القادر على شد الرحال إلى أي مكان على وجه الأرض، وبإمكانه استيعاب ثقافة المكان الغريب عنه، والتنقيب في مصادر ثروته، ويملك مهارة تطوير موارد هذا المكان بكفاءة لا يمتلكها ساكنه الأصلي.

واعتبرت هذه الكتابات بمثابة نصوص تأسيسية ذات سلطة معرفية موثوق فيها بالنسبة لصناع القرار في الجمهورية الفرنسية الصاعدة، واستخدمت في الدعاية الاستعمارية أو الترويج للتوسع الخارجي داخل أروقة الحكومة والبرلمان الفرنسيين. واستندت الحملة على ما ورد فيها من حكايات ورؤى.

دعا بونابرت إلى نشر قيم الحرية الفرنسية في العالم رغم انتقاده لفكرة الديموقراطية، وعدم اقتناعه بمسألة مشاركة الجماهير في الحكم في فرنسا نفسها. وأخذ يخاطب جنوده ويدعوهم أن الوقت قد حان لنشر الحرية في أراضٍ أخرى غريبة ومثيرة، ويبث في أنفسهم أن الجيش الجمهوري هو التجسيد لفضيلة الحرية.

وفي الخامس من مارس (آذار) عام 1798، أصدر نابليون مرسومًا يقضي بتأسيس المعهد المصري، والذي صرح له باصطحاب لجنة علوم وفنون إلى مصر؛ بهدف «تحسين أقدار المصريين». ووصل نابليون إلى مصر برفقة بوتقة من العلماء، والمستشرقين، والفنانين، الذين اختارهم بعناية بالتعاون مع الجنرال كافاريللي. وأسس فور وصوله «المجمع العلمي المصري»؛ بهدف حل مشكلات الجيش الفرنسي في مصر.

أما عن هؤلاء الرجال البالغ عددهم 167، فقد طُلب منهم مغادرة أسرهم ووطنهم خلف الجنرال المنتصر، دون أن يعلموا تحديدًا دورهم أو وجهتهم. وكانت غالبيتهم على شاكلة قائدهم: شباب، وممتلئين بالحماس، وثوريين، ورومانسيين، كما وصفهم الكاتب أحمد السيد في كتابه «بونابرت في الشرق الإسلامي».

تاريخ

منذ سنة واحدة
السلطانة نقشديل.. الجارية الفرنسية التي حكمت الشرق من داخل الحرملك!

دي بارادي.. مستشار نابليون الأول في الشؤون الشرقية

كوَّن علماء الحملة مجمعهم، وأقاموا عُددهم وآلاتهم، وجذب هذا كله بعض المستنيرين من علماء مصر، مثل مؤرخ مصر حينها الشيخ عبد الرحمن الجبرتي. وكان أكبر أولئك العلماء سنًا المستشرق جان مارسيل فنتور دي بارادي، الذي كان عمره 57 عامًا، وكان المستشار الأول لنابليون في سياسته بمصر، والواجهة الرمزية للاستشراق الفرنسي في القرن الثامن عشر.

يقول عنه الأستاذ الدكتور جمال الدين الشيال المؤرخ مصري وأستاذ التاريخ الإسلامي في كتابه «تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية»، أنه كان أحد أعضاء لجنة الترجمة بالمجمع المصري، وأكبر أعضاء هذا المجمع سنٍّا. قضى 40 سنة من حياته في الشرق، فكان مترجمًا بالسفارة الفرنسية في تركيا، ثم مترجمًا للغات الشرقية للحكومة الفرنسية في باريس، ثم مدرسًا للغة التركية في تركيا في مدرسة اللغات الشرقية في باريس، ثم صحب الحملة إلى مصر فكان كبير مترجميها، أو كما أسماه الجبرتي «ترجمان صاري عسكر».

Embed from Getty Images

ولد دي بارادي في 28 مايو (آيار) عام 1793 لعائلة من الدبلوماسيين والعسكريين، وتلقى تعليمه في باريس في الكوليج لويس لوجراند ومدرسة اللغات، وتعلم أيضًا اللغة التركية في إسطنبول. ولاحقًا، مارس عدة مهام في سوريا، ومصر، ومراكش، وتونس، والجزائر، ثم عُين سكرتيرًا مترجمًا بسفارة فرنسا في إسطنبول عام 1793، ثم عاد إلى باريس ليرأس مركز اللغة التركية بمدرسة اللغات الشرقية عام 1797.

كاندي بارادي يترجم النصوص الشرقية، ويشارك معارفه مع العديد من المؤلفين؛ ليصبح شخصية رئيسية في الدائرة الأكاديمية للدراسات الشرقية.

وكان قد عاش بالمغرب العربي سنوات طويلة، ثم رحل إلى القاهرة قبيل الحملة الفرنسية بثمانية أعوام، حيث وثق علاقته ببعض المشايخ، وكبار الأقباط، وعدد من المماليك، ووصل قبل الثورة الفرنسية إلى منصب سكرتير الملك ومُترجمه للغات الشرقية. وقد عيّنه بونابرت كبيرًا لمترجمي الحملة الفرنسية، ومستشارًا له في الشؤون الشرقية. وكان شديد الإعجاب به، ويقدره، ويثق به ثقةً كبيرة، ويرجع إليه في كل ما يتعلق بالشرق والشرقيين.

وقد ذكره الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» قائلًا: «وفنتوره هذا ترجمان ساري عسكر وكان لبيبًا متبحرًا، ويعرف باللغة التركية والعربية والرومية والطلياني والفرنساوي»، ويقصد بساري عسكر الجنرال بونابرت.

مطبعة جيش الشرق.. أداة بونابرت لاستمالة المصريين

في عام 1798م، ومع دخول نابليون إلى مصر قرر إنشاء مطبعة عربية فرنسية في مصر، كانت تسمى «مطبعة جيش الشرق» بالإسكندرية، ومع انتقالها إلي القاهرة أُطلق عليها اسم «المطبعة الأهلية». كان يشرف عليها دي بارادي، وكان الغرض منها استمالة المصريين؛ من خلال المنشورات العربية، والمطبوعات العربية والفرنسية، وخاصة الصحف مثل «كورييه دي ليجيبت» و«الريكار».

Embed from Getty Images

وفور وصوله إلى القاهرة، طبع نابليون منشورًا مطولًا وزعه على الأهالي. وأكد فيه أنه شنّ هذه الحملة التحريرية باسم الله، وادعى أن الجنود الفرنسيين مسلمون، ومطيعون لله رب المصريين. وأجمعت عدة مراجع على أن دي بارادي كان من ترجم المنشور الأول للحملة الفرنسية.

لكن خطاب نابليون لم يقتصر على اللغة الوديعة، فقد هدد بأنه إذا لم يُستقبل الفرنسيون بالطاعة والخضوع، فسيلقى الأهالي عقابًا شديدًا مثلما ورد «الويل الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا فلا يجدون بعد ذلك طريقًا على الخلاص، ولا يبقى منهم أثر».

أيضًا كان للفرنسيين مطبعة أخرى خاصة ذات أحرف فرنجية فقط، لصاحبها المسيو مارك أوريل، والتي طبعت الأعداد الأولي من جريدة «كورييه دي ليجيبت» إلى أن نُقلت المطبعة إلي القاهرة. ولما عاد مارك أوريل إلي فرنسا باع مطبعته للحكومة.

وفضلًا عن ترجمة المنشورات، خلّف دي بارادي بعض الأعمال المترجمة عن مخطوطات عربية قديمة، إلى جانب بعض المؤلفات، التي منها «الجزائر في القرن الثامن عشر»، و«قاموس نحوي ومختصر للغة البربرية». ولما توجه نابليون بحملته إلى سوريا، اصطحب معه دي بارادي، ولكنه مرض هناك بالدسنتاريا ومات خلال حصار عكا في 16 مايو (آيار) عام 1799؛ فتألم نابليون لموته، وأرسل بنعيه إلى الديوان في خطاب قال فيه: «وفانتوره مات من تشويش، هذا الرجل صعب علينا جدٍا، والسلام…».

ورغم قلة المصادر التي تتحدث عن شخصية دي بارادي، وميوله واتجاهاته، إلا أن كتاباته تفتح أعيننا على مدى التطور والاحترافية في الترجمة خلال القرن الثامن عشر، إذ تطورت المهنة لتعتمد على مجموعة متنوعة من الكفاءات مثل، الوساطة اللغوية، والدبلوماسية، والتجارية، والتي نتج منها في نهاية القرن الدبلوماسية المهنية، والاستشراق الأكاديمي.

وقد ظهرت شخصية دي بارادي في فيلم «شغف في الصحراء (passion in the desert)» عام 1997م، والمأخوذ عن رواية تحمل الاسم ذاته للروائي الفرنسي أونوريه دي بلزاك. وأدى الممثل الفرنسي ميشيل بيكولي دور دي بارادي في الفيلم، الذي يحكي قصة الضابط الفرنسي الشاب أوجستين روبرت، الذي رافق دي بارادي إلى مصر خلال حملة نابليون في مصر.

تاريخ

منذ سنة واحدة
مستشرق فرنسي ترجم القرآن وألهم نابليون ليغزو مصر.. من هو؟

المصادر

تحميل المزيد