في صباح أمس الجمعة فُتحت أسهم شركة «أمازون» للتسويق الإليكتروني على نسبة 10.8% أعلى مما أغلقت عليه ليل الخميس من الأرباح التي أعلنت عنها الشركة نفسها بعد 30 دقيقة من الإغلاق ليلة الخميس، مضيفة ما يقرب من 9 مليار دولار صافي ربح لثروة جيف بيزوس، وقابل هذه الزيادة ارتفاع بسيط في صافي الربح لحساب بيل جيتس، بلغ 550 مليون دولار، جيتس صاحب شركة «ميكروسوفت»، والأغنى عالميًا حتى أيام؛ لتبلغ ثروته  90 مليار دولار، مقابل 91.9 مليار دولار في حساب جيف بيزوس، ليصعد بيزوس إلى قمة قائمة أغنى رجال العالم، مسيطرًا على المركز الأول، ومتفوقًا على بيل جيتس. وكان هذا في تقرير الأرباح الربع سنوي الذي تقدمه الشركات أواخر أكتوبر (تشرين الأول) وأوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، وقدمته شركات مثل  أمازون وألفا بيت وميكروسوفت.

 

البداية الصعبة لا تعني نهاية سيئة!

ولد بيزوس في 12 يناير (كانون الثاني) عام 1964، بينما كان اسمه حينها جيفري بريستون جورجنسن، حيث التقت والدته جاكلين والده تيد جورجنسن لأول مرة بالمدرسة الثانوية، بينما كانت هي في عمر 16، وكان يبلغ تيد 18 عامًا. بدأ تيد مواعدة جاكلين في نفس العام؛ لتحمل منه، ويذهبان معًا بعد ذلك إلى المكسيك بمساعدة أموال أسرتيهما، بعد أن قررا الزواج.

لم تكن أسرة جيف، كأبوين مراهقين، ميسورة الحال؛ إذ عمل والده في أحد محلات التجزئة بأجرٍ ضئيل يبلغ دولارًا ونصف للساعة. تعدّدت المشاكل بين تيد وجاكلين في الوقت الذي اعتاد فيه تيد شرب الكحوليات؛ ما ساهم في انفصالٍ مبكر؛ كان ضحيته طفل يبلغ من العمر 17 شهرًا في لحظة الانفصال.

في الرابعة من عمره، تزوجت والدته من ميجوال بيزوس، المهاجر الكوبي الذي وصل حديثًا إلى ميامي، ولا يعلم الكثير عن الثقافة الأمريكية، لكنه وافق على تبني جيف؛ ليصبح اسمه جيفري بريستون بيزوس. قضى بيزوس الإجازات الصيفية لطفولته في مزرعة جده بولاية تكساس؛ ليساهم في الأعمال المنزلية، وتصليح طواحين الهواء، وإطعام ماشية المزرعة. تفوّق جيف في دراسته الثانوية، ليتم قبوله في سنٍ مبكرة بجامعة برينستون – نيوجيرسي. حصل من جامعتِه على شهادة في علوم الحاسب والهندسة الكهربائية، لكنه بعد تخرجه عمل محللًا ماليًا بإحدى الشركات في نيويورك. ربما لم يحقق جيف الكثير من وراء هذه الوظيفة، باستثناء فكرة خطرت له في أحد الأيام، هذه الفكرة ستغير وجه العالم. شركة أمازون لتجارة الكتب الإليكترونية.

Embed from Getty Images
ترك بيزوس وظيفته التي استمر بها حتى سن 30 عامًا، الوقت الذي أصبح فيه متزوجًا بعد أن أقنع زوجته بقراره بصعوبة، وبدأ العمل على شركة أمازون عام 1994. يقول بيزوس: «أخبرت زوجتي برغبتي في ترك وظيفتي، وأن أقوم بشيء مجنون، والذي من المحتمل ألا يعمل منذ بدايته، ولم أكن متأكدًا بأن هذا قد يحدث بعد». وبدأت الشركة بعددِ قليلِ من الموظفين والتقنيين، الذين قاموا بتطوير مجموعة من البرمجيات، لصناعة النظام الخاص بالشركة. بعد أن اختبر الموقع مع 300 من الأصدقاء، قام بيزوس أخيرًا بافتتاح أمازون رسميًا في 16 يوليو (تموز) 1995. سرعان ما حققت الشركة مبيعات هائلة عبر الولايات المتحدة ودول أخرى، وخلال 60 يومًا وصلت مبيعات الشركة إلى معدل 80 ألف دولار شهريًا، بيزوس لم يكن يتوقع كل هذا التقدم في هذه الفترة القصيرة. في خلال سنوات قليلة توسعت الشركة الصغيرة الناشئة؛ لتصبح عملاق التكنولوجيا الذي غيَّر الطريقة التي اعتادها العالم للتسوق.

 

كيف يتنافس العمالقة؟ أكبر العمالقة!

وصل بيزوس للمركز الأول في قائمة أغنياء العالم مرتين في 3 أشهر بمجلة «فوربس» بدعم نتائج الأعمال لشركته أمازون، وكانت المرة الأخيرة يوم الجمعة الماضي، عقب ارتفاع ثروته بمقدار 10.8% بزيادة 8.9 مليار دولار لتصل ثروته إلى 91.9 مليار دولار. وصل بيزوس للمركز الأول مرة سابقة في 27 يوليو (تموز) 2017، وحافظ عليه لمدة 24 ساعة فقط، عقب نتائج أعمال الربح الربع سنوي، ولكن أرباحه تراجعت بشكل جنوني بنسبة 77%؛ ليخسر ما حققه مرة أخرى. ولكن اليوم جاءت مكاسب أمازون خيالية بارتفاع سهم الشركة بأكثر من 10%، وصعود القيمة السوقية للشركة لأكثر من 44 مليار دولار في بداية جلسة أعمال الربع الثالث من العام، ليصبح الأغنى على الإطلاق.

جيف بيزوس

رسم يوضح المنافسة بين أغنى رجلين بالعالم، حيث مؤشر بيزوس باللون الأبيض وبيل جيتس باللون الأزرق، المصدر: bloomberg

كان بيل جيتس المدير التنفيذي – ومؤسس – شركة ميكروسوفت مسيطرًا على المركز الأول في قائمة فوربس كأغنى رجل في العالم، لكنه تراجع للمركز الثاني بثروة حوالي 90 مليار دولار، بعدما حققت شركته صافي ربح 550 مليون دولار فقط. كان بيزوس في المركز الثاني بقائمة فوربس الأخيرة لأغنى 400 رجل أمريكي، وهي القائمة التي انضم لها بيزوس عام 1998، أي بعد عام واحد من تاريخ إنشاء شركته أمازون بصافي ربح بلغ 1.6 مليار دولار.

 

كل يوم مع الفريق هو اليوم الأول

على مدى 30 عامًا مضت، عمل أول فريق مع بيزوس تحت ضغط لساعاتٍ طويلة، ضحوا بالوقت والأسرة والمال، وأكثر من ذلك، مما نعتبره أساسيًا في حياتنا، ولكن بالرغم من ذلك يعمل هذا الفريق بشغفٍ لا يقاوم، وربما ذلك لأنه فريق رفض تأدية عمله وفقط، ولكنه طمع في التفرد والاستمرار.

يقول بيزوس: «اليوم الثاني لك في عملك يومٌ مملّ، يسيطر عليه الهياج والفوضى، يليهما فشل في تحقيق أهداف اليوم، ثم ينتهي بضياع مميت للأرباح، ولذلك أمازون هي شركة اليوم الواحد، فكل يوم هو يومك الأول للعمل بها، أهداف جديدة، مهام جديدة، شغف جديد». ولكن كيف يتحقق ذلك؟
يضيف بيزوس «عليك التركيز، التركيز، ثم التركيز، فربما تكون يومًا قدوة للغير. أيضًا، المشترون لا يرضون أبدًا، فهم متحمسون ما داموا يجهلون كيف يعمل منتجك، ولذا وأنت تصنع شيئًا، تخيل كمّ الإثارة الذي سيشعر به العميل عند اقتنائه منتجك، وحاول أن تزيد من فرص رضاه عنك».

Embed from Getty Images
إذا تعلَّق الأمر بأخذ قرارات سريعة وسليمة، يقول بيزوس إن 90% من القرارات التي يجب علينا حسمها تحتاج منا للسرعة والدقة، كما أن تكلفة قرار خاطئ سريع أقل بكثير من قرار سليم، ولكن بطيء، فعليك دومًا المقامرة على قرارك، فلا يمكنك التيقن من صحة قرار، ولكن الوقت لن يقدر بثمن إذا كنت قائدًا مسؤولًا.

نصيحة أخرى خالدة من بيزوس لفريق العمل بشركته هي أنه لا يهم ما الذي تصنعه، كم هي صغيرة أو كبيرة شركتك، فالأهم هو البداية بمشاركة الحماس مع أعضاء فريقك، تجديد الشغف كل يوم، اليوم ليس يوم عمل عادي، هو يومنا الأول، دعونا نفكر ما الجديد الذي يمكننا تقديمه للعميل؟ كيف نثير رغبته أكثر في شراء المنتج. جميعنا يمكننا تخيل تكرار نفس الأجوبة كل يوم في اجتماع الصباح، فبعد وقت قد تكون الإجابة: نريد طريقة أسهل لأداء المهمة، العمل مرهق ونتمنى إنجازه في أسرع وقت. هنا، وبمجرد رغبتك في سلك الطريق الأسهل، ربما قد تحصد الكثير من هذا الطريق، ولكنك خسرت معركتك، ودخلت في حالة اليوم الثاني في العمل، حيث الملل الذي لا ينتج شيئًا جديد، بل هو ينتج أي شيء غير الشيء المميز الذي يريده المستهلك.

 

ما الذي حدث في 30 دقيقة؟

صدر تقرير عن شركة أمازون تحدث عن نهاية التداولات محققًا ارتفاعًا في الإيرادات بمقدار 33.7% خلال الثلاثة أشهر المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2017 الماضي، ليتضاعف سعر الشركة بالسوق من 23.71 مليار دولار بذات الفترة في عام 2016، إلى 44 مليار دولار في عامنا الجاري، لكن ما حدث لم يكن خفيًا على المحللين، فقد توقَّع الكثير تسجيل أمازون لهذه المبيعات خلال نفس الفترة، والوصول لأعلى سعر للسهم في الشركة ، وأعلى ربح في الليلة الواحدة، وهو ما وصلت له أمازون محققة 7 مليار دولار في 30 دقيقة جعلت من بيزوس أغنى رجل في العالم.

جيف بيزوس

كيف يبدو المليار دولار إذا حاولنا نقلهم إلى البنك، المصدر: google

قبل عمل بيزوس في أمازون كان أحد رجال وول ستريت، يعرف بالضبط كيف يحقق أعلى ربح في أقصر مدة، ليضرب لنا مثالًا في 30 دقيقة فقط، معتمدًا بالأساس على قاعدتي نجاح هما: أنفق على منتجك، بدلا من الإنفاق على تسويقه، ثم قدم منتجك الأفضل، بأقل سعر في السوق أمام منافسيه؛ ما سمح لأمازون بالسيطرة على نسبة 43% من المبيعات في أمريكا، وهو الأمر الذي  فتح الطريق أمام بيزوس ليتاجر فيما ينتجه منافسوه في قائمة أغنى رجال العالم أنفسهم على أمازون.

 

منتجات أمازون.. كيف تفوّق بيزوس على عمالقة التكنولوجيا

تستمر المعركة بين عمالقة التكنولوجيا «أمازون» و «جوجل» و «آبل» في التصاعد، الشركات الثلاثة تبحث دائمًا عن طرق جديدة تضمن لها الهيمنة على سوق الخدمات الإلكترونية وهزيمة منافساتها. كل شركة تقدم منتجات جديدة باستمرار في محاولات دؤوبة لصناعة صورة العملاق الآخذ في التضخم، لكن يبدو أن بيزوس قد تفوَّق بالفعل.

قدمت أمازون في الفترات الأخيرة الكثير من المنتجات التي تنافس وتتفوق على المنافسين. «أمازون إيكو» هو إصدار أمازون لمنافسه «آبل سيري  – Apple Siri» و«جوجل ناو- Google Now» ويعتبر إيكو نظامًا صوتيًا زكيًا طورته أمازون ليكون متصلًا بخدمتها المساعد الصوتي الشخصي المعروف «أليكسا – Alexa». يستطيع إيكو التفاعل صوتيًا مع المستخدم، كما يوفر عدة خدمات صوتية تفاعلية أخرى، مثل تشغيل الموسيقى، وعمل قوائم، وضبط المنبه، وتزويد المستخدم بحالة الطقس والعديد من الخدمات المباشرة الأخرى.

لا تكتفي آمازون بمنافسة أبل وجوجل وميكروسوفت في المنتجات التي أخذوا زمام البداية بها، لكنَّها تستمر في تطوير خدماتها في المجال الذي تتربع على عرشه، وهو سوق التسوُّق الإلكتروني. مؤخرًا، قدَّمت آمازون خدمتها الجديدة «Amazon Go» التي تعتبر ثورة في عالم التسوق الإلكتروني. ستوفر هذه الخدمة على المتسوق حاجته للوقوف في طابور الدفع، في المقابل سيختار ما يحتاجه من المتجر الخاص بالشركة، لتقوم الشركة بخصم سعر المنتج من رصيده لديها.

لا يمكن الحديث عن آمازون دون الحديث عن السوق التي أنشأتها آمازون، والتي استمرت في السيطرة عليها طيلة الوقت، وهي سوق الكتب الإلكترونية. واستطاعت آمازون السيطرة على هذا السوق بابتكارها الشهير «Kindle» وهو الجهاز اللوحي لقراءة الكتب الإلكترونية. كذلك تدخَّلت أمازون في سوق الـ«Cloud Storage» أو التخزين السحابي للمعلومات لتنافس فيه جوجل وميكروسوفت بخدمتها الجديدة Amazon Web Services التي من المتوقع بحسب تقرير لموقع  Vox أن تجني قرابة 12 مليار دولار هذا العام.

اقرأ أيضًا: مترجم: كيف تتفوَّق «أمازون» على «جوجل» و«أبل»؟

لا يكتفي بيزوس بما يحققه الآن أو حتى مجرد مسايرة النجاح الحالي والحفاظ على التقدم الملحوظ في الآونة الأخيرة على منافسيه، لكنه يمتلك ضمن رؤيته للمستقبل الكثير من المفاجآت والمشاريع المثيرة. «لاب 126 – Lab 126» هو قسم يعمل على مشاريع سرية، ويعمل به قرابة 3 آلاف شخص. صدرت مؤخرًا تقارير تقول بأن هذا القسم يعمل على عدة مشروعات سرية ثورية، منها بطارية Kindle التي تستمر في العمل لعامين، وكذلك المرقم الذي يدرك خط يدك ويحوّله إلى «قائمة شراء إلكترونية» وأيضًا مشروع الهاتف اللوحي ثلاثي الأبعاد الذي لا يتطلب من المستخدم ارتداء نظارة.

 

المستقبل يراهن على جيف!

الأيام القليلة القادمة ستحسم الموقف بين شركتي ميكروسوفت وأمازون، فإذا استقر سهم أمازون على حالته الآن؛ سيضمَن لبيزوس قضاء وقت أطول على رأس قائمة أغنياء العالم، أما إذا انخفض السهم أمام ميكروسوفت، فربما يعود بيزوس لمركزه الثاني الذي طال وجوده فيه.

Embed from Getty Images
يرى أغلب المحللين في صعود أمازون أمرًا كان محتومًا، وفقًا لمنظمة أوكسفام، يمكن لبيزوس أن يصبح أول تريليونير في العالم خلال الـ25 عامًا القادمة. كل هذا بسبب ضمان أمازون فرضها لقوانين اللعبة كشركة للتسويق الإليكتروني، المجال الذي فتح فكّيه أمام الجميع وعبر القارات ووضع استراتيجيات تبدأ بقوة الآن ولا يبدو متى ستنتهي. فقد ارتفعت مبيعات «أمازون» من 16 مليار دولار عام 2010 إلى 80 مليار دولار عام 2016. وفازت في المنافسة التي قامت بين أقطاب التسويق الإليكتروني: «أمازون» و«والمارت» و«فليبكارت» و«علي بابا» لتكثيف استثماراتها وإنهاء عصر المحلات والمولات التجارية.

لم تسرق أمازون جمهور المشترين من المحلات وفقط، بل وسعته بنسبة تصل إلى عشرة أضعاف، واستهدفت كافة المناطق الجغرافية في العالم، ومن المحتمل بحلول عام 2018 أن تكون كل البضائع بكل الصناعات والخدمات قد حجزت مكانًا لها بنسبة 100% على صفحات أمازون؛ ما يضمن نمو مبيعات التجارة الإلكترونية حتى تصل لـ 414 مليار دولار.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!