تعود نشأة مدينة جنين إلى العصر الكنعاني، حيث أنشئت كقرية تحمل اسم «جانيم»، أو «عين جيم»، وفي العصر الروماني تطور الاسم إلى «جيناي»، وحين فتحها المسلمون في القرن السابع الميلادي واستوطنتها بعض القبائل العربية أطلق عليها اسم جنين؛ لكثرة ما كان يحيط بها من الجنائن، والحدائق، والبساتين، وتقع المدينة حاليًا مشرفة على منطقة سهل مرج بن عامر، على بعد 41 كيلومترًا من مدينة نابلس.

محطات تاريخية.. جنين لا ترفع الراية البيضاء

تتمتع جنين بتاريخ وافر من المقاومة والصمود، في عام 1799 كانت المدينة هدفًا لحملة نابليون بونابرت إلى الشرق، حاول سكانها التصدي للغزاة، فأشعلوا النار في بساتين الزيتون والغابات لوقف زحف الجنود الفرنسيين، ولكن جيش نابليون انتصر في نهاية الأمر؛ فأمر نابليون جنوده بحرق ونهب المدينة انتقامًا من أهلها الذين أبوا الاستسلام ورفعوا راية التحدي.

وفي عام 1918 وقعت جنين – كغيرها من المدن الفلسطينية – تحت سلطة الانتداب البريطاني، الذي أخذ على عاتقه تثبيت أقدام الوجود اليهودي في فلسطين، دعمًا لـ«تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين» طبقًا لـ«وعد بلفور»، الذي أصدرته الحكومة البريطانية لليهود عام 1917، شجعت سلطات الانتداب البريطاني هجرة اليهود بأعداد كبيرة، وتملكهم للأراضي في فلسطين، وغضت الطرف عن كثير من انتهاكات العصابات الصهيونية في حق العرب.

أولى الثورات الوطنية التي اندلعت ضد الحكم البريطاني والوجود الصهيوني في فلسطين كانت عام 1935، حين قاد الشيخ عز الدين القسام مجموعة صغيرة من الفلسطينيين المسلحين في اشتباك مع قوة شرطة بريطانية على تلال قرية يعبد في منطقة جنين.

قُتل للقسام أربعة من رجاله خلال الاشتباك، لكن رفاقه أصروا على مواصلة مسيرته، وفي أبريل (نيسان) 1936، دبر الشيخ فرحان السعدي، ابن مدينة جنين، عملية الهجوم على حافلة يهودية على طريق نابلس – طولكرم قرب جنين، قتل خلال هذا الهجوم راكبان يهوديان.

كانت جنين بؤرة مقاومة شرسة خلال الثورة العربية، وفي عام 1938 دبر الثوار عملية لاغتيال قائد بريطاني رفيع المستوى في مكتبه بجنين، وبعد ذلك بيوم واحد قامت قوة بريطانية كبيرة بمهاجمة جنين بالمتفجرات وعبوات الديناميت، وقاموا بتدمير حوالي ربع مساحة المدينة انتقامًا للهجوم، انتهت الثورة العربية بإصدار بريطانيا ما عُرف باسم «الكتاب الأبيض» الذي تعهدت فيه بوضع قيود على هجرة اليهود إلى فلسطين.

خلال حرب عام 1948 تمكن الإسرائيليون من احتلال جنين لفترة وجيزة، اضطر كثير من سكان المدينة من المدنيين إلى الهروب تحت وطأة القصف، لكن صمود المقاتلين الفلسطينيين والجيش العراقي الذي كان يتولى الدفاع عن المدينة دفع العصابات اليهودية إلى الانسحاب، وتمكن المدافعون من استرداد عدد من القرى حول المدينة، أبقى هذا الصمود المدينة خارج رقعة السيطرة الإسرائيلية، فلم تلق جنين مصير حيفا، وبقيت المدينة تحت السيادة الأردنية حتى حرب عام 1967.

في أوائل الخمسينات جرى إنشاء مخيم جنين في الطرف الغربي للمدينة، على أطراف سهل مرج بن عامر، ليكون ثاني أكبر مخيمات الضفة الغربية – بعد مخيم بلاطة – التي تؤوي الفلسطينيين النازحين من بيوتهم خلال الحرب، سيصبح هذا المخيم فيما بعد قلعة المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وسيشكل «عقدة» تستعصي على الحل لدى المؤسسات العسكرية والسياسية الإسرائيلية، حتى سيطلقون عليه «عش الدبابير» كما سنسرد لاحقًا.

بعد حرب العام 1967 وقعت المدينة ومخيمها تحت الاحتلال الإسرائيلي، وحين اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي عرفت بـ«انتفاضة الحجارة» عام 1987، كانت جنين في طليعة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال، واستعصى مخيمها على قوات الجيش الإسرائيلي التي حاصرته لمدة 60 يومًا، دون أن تنجح في اختراقه بسبب بسالة مقاومته.

معركة جنين 2002.. جنين تحطم الأسطورة الإسرائيلية

في سبتمبر (أيلول) 2000 اقتحم رئيس الوزراء الإسرائيلي حينئذ، أرييل شارون، مدججًا بجنود الاحتلال، المسجد الأقصى، متسببًا في اندلاع حركة شعبية واسعة مقاومة للاحتلال وسياساته، فيما عُرف بـ«انتفاضة الأقصى»، التي تصاعدت وتيرتها حين دخلت الفصائل الفلسطينية المسلحة على خطها، لتتعرض المدن الداخلية الإسرائيلية إلى سلسلة من الهجمات التفجيرية التي أودت بحياة مئات الإسرائيليين قتلى وجرحى.

في نهاية مارس (أذار) 2002 أطلق الجيش الإسرائيلي عملية «الدرع الواقي» التي استهدف فيها إعادة السيطرة على مدن الضفة الغربية، والقضاء على بؤر المقاومة فيها، وقد شهدت منطقة جنين، وبخاصة مخيمها، أصعب المعارك وأشرسها، وأطولها، بحيث يمكن القول إن المخيم ومقاتليه قد سطروا ملحمة من ملاحم النضال، وخلدوا اسمهم في تاريخ المدن التي شكلت مثالًا للصمود أمام آلات عسكرية جبارة تفوقها قوة بآلاف المرات.

كان المخيم قد صار في ذلك الوقت ملاذًا آمنًا للكثير من المقاومين الهاربين من قبضة الاحتلال، والذين وصلوا على ما يبدو إلى تفاهم غير مكتوب مع الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، التي سمحت لهم على ما يبدو باللجوء للمخيم والاستقرار فيه، تجنبًا لأن تضطر لاعتقالهم بضغط إسرائيلي طبقًا لبنود التنسيق الأمني التي فرضتها اتفاقيات أوسلو، ومن ثم تكونت في المخيم كتلة من المقاتلين الذين لا يتوفر لهم ممر انسحاب إلى مكان آخر، وإلا سيتعرضون للاعتقال أو الاغتيال، وهو ما منحهم دافعًا أكبر للاستبسال في القتال.

في تلك المساحة الضيقة التي لا تتجاوز كيلومترًا مربعًا واحدًا، كان هناك مقاتلون من شتى الفصائل الفلسطينية، وبخاصة «كتائب شهداء الأقصى»، الذراع المسلح لحركة «فتح» التي سيطرت على مؤسسات السلطة الفلسطينية في ذلك الوقت، و«سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي»، وكتائب «عز الدين القسام» التابعة لـ«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)».

انصهرت كل تلك الانتماءات في بوتقة واحدة، تجاوزت في كثير من الأحيان التسلسل الهرمي للتنظيمات التي ينتمون إليها، لمصلحة قيادة محلية صرفة تحت قيادة ضابط سابق في جهاز «الأمن الوطني» الفلسطيني، كان قد ترك العمل في مؤسسات السلطة قبل سنوات، لينخرط في العمل المُقاوم في المخيم، هو يوسف ريحان الذي حمل كنية «أبو الجندل». تحت إمرة أبو الجندل كان هناك نحو 200 مسلح فلسطيني، وجدوا أنفسهم أمام واجب التصدي لـ20 ألف جندي إسرائيلي مدججين بالأسلحة، ومدعومين بالمصفحات، والدبابات، وطائرات الأباتشي، في أكبر حشد عسكري إسرائيلي في الضفة العربية منذ نكسة عام 1967.

دام القتال نحو 10 أيام، حتى اليوم السادس للحصار لم تستطع الدبابات الإسرائيلية التقدم إلا ببطء شديد، بسبب الألغام المزروعة في الطرقات، والكمائن التي نصبها المقاومون الفلسطينيون؛ ما اضطر القوات الإسرائيلية إلى تكثيف غاراتها على المخيم، والاستعانة بالجرافات لفتح الطريق أمام القوات المهاجمة.

ولم تتمكن إسرائيل من حسم المعركة والسيطرة على المخيم إلى بعد أن ألحقت به دمارًا كبيرًا، وبعد أن تفذت ذخيرة المدافعين ومؤونتهم بعد أن سطروا أعمق معاني النضال والاستبسال في الدفاع عن الأرض، وبعد أن استخدمت المدنيين دروعا بشريًا، وفق ما أكدت بيانات المنظمات الحقوقية الدولية، كما عرقل الجيش الإسرائيلي وصول عربات الإسعاف والخدمة الطبية إلى المصابين الفلسطينيين، مدنيين ومسلحين على حد سواء.

فقد المخيم في تلك المعركة نحو 52 شهيدًا، كان نصفهم من المدنيين، وهدمت جرافات الاحتلال كليًا نحو 140 منزلًا، فيما تعرض أكثر من 200 منزل آخر لدمار جزئي جعلها غير صالحة للسكنى، أي أن ربع سكان المخيم فقدوا مأواهم في تلك المعركة، فيما بلغ عدد القتلى من الجنود الإسرائيليين نحو 28 قتيلًا، قتل منهم 13 في يوم واحد نتيجة كمين محكم أعده المقاتلون الفلسطينيون في حي الحواشين يوم التاسع من أبريل.

جذوة المقاومة تتجدد في جنين

في السادس من سبتمبر الماضي، تمكن ستة فلسطينيين من الفرار من سجن جلبوع الإسرائيلي شديد الحراسة، بعد أن تمكنوا من حفر نفق من زانزانتهم إلى خارج السجن، قبل أن تتمكن إسرائيل من اعتقالهم بعد أيام قليلة، بعد أن جيّشت عشرات الآلاف من جنودها وآلتها التقنية العملاقة للتوصل إلى خط سيرهم والأماكن التي لجأوا إليها. اللافت في تلك الأحداث أن الأسرى الستة يعودون إلى مدينة جنين ومخيمها، حيث انتمى خمسة منهم إلى حركة الجهاد الإسلامي، فيما كان السادس، زكريا الزبيدي، قياديًا في كتائب «شهداء الأقصى».

أعادت تلك الحادثة التذكير بأن مخيم شعلة سيظل شعلة لا تنطفئ في مسار الشعب الفلسطيني لمقاومة الاحتلال الواقع عليه، وهو ما تجدد خلال الأسابيع الأخيرة، حين تعرض المدن الإسرائيلية، والأهداف الإسرائيلية في مدن الضفة الغربية لعمليات إطلاق نار أو طعن، فيما يشبه «هبّة فلسطينية» جديدة في وجه الاحتلال، ففي 30 مارس أطلق الشاب الفلسطيني ضياء حمارشة، المنحدر من بلدة يعبد في جنين النار على تجمع للمتدينين اليهود في مدينة بني براك؛ ما تسبب في مقتل خمسة أشخاص.

بعد ذلك بثلاثة أيام فقط، في الثاني من أبريل الماضي، قتل الجنود الإسرائيليون ثلاثة شبان فلسطينيين قرب بلدة عرابة جنوب جنين، كما احتجزت جثثهم تحت ذريعة أنهم كانوا ينوون تنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية، لكن الشرطة الإسرائيلية لم تهنأ طويلًا؛ ففي السابع من الشهر نفسه، قام الشاب الفلسطيني رعد حازم، البالغ من العمر 29 عامًا، والمنحدر من مخيم جنين بإطلاق النار في شارع ديزنجوف التجاري في قلب تل أبيب؛ ما أسفر عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وجرح 10 آخرين، قبل أن تتمكن القوات الإسرائيلية من الاشتباك معه وقتله بعد ساعات.

أعادت الأحداث الأخيرة تسليط الضوء على مدينة جنين ومخيمها، وبالرغم من أن الجيش الإسرائيلي نفذ عملية خاطفة لاقتحام المخيم واعتقال والد رعد حازم، فمن المستبعد أن تنطفئ جذوة الغضب في نفوس أبناء جنين، ويفسر المحلل السياسي الفلسطيني ساري عرابي خصوصية حالة جنين بأنه نتيجة «عوامل قوة المخيم، وحالة الوحدة، والانتماء للمخيم وهويته، والعلاقات المفتوحة للتنظيمات مع بعضها البعض».

وأضاف عرابي لـ«الجزيرة نت» بأن «تمرد المخيم على السلطة الفلسطينية وتنسيقها الأمني مع الاحتلال واقع»، وقال: إن قبول السلطة الفلسطينية في المخيم أقل من قبولها في مناطق أخرى. كما أن الفصائل الفلسطينية الموجودة في المخيم متعددة، مع وجود مركزي لحركة الجهاد الإسلامي، بالإضافة إلى وجود قوي لـ«حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» ومقاوميها، وهو ما يضعف سيطرة الاحتلال على حصار حالة المقاومة لفصيل بعينه، ويعطي فرصة للاستمرارية حال تراجع أحد الفصائل عن المقاومة»، وفق تعبيره.

المصادر

تحميل المزيد