أصدر ألكسندر جاولاند، نائب رئيس حزب البديل من أجل ألمانيا، الحزب المناهض للمهاجرين، تصريحاتٍ «عنصرية» ضد لاعب المنتخب الألماني جيروم بواتينج؛ مما أثار موجة تضامن سياسية وشعبية ورياضية مع اللاعب، زادت بشكل أكبر بعدما أنقذ بواتينج «بشجاعة» مرمى المنتخب الألماني، من هدف مصيري، في أولى مبارياته ببطولة الأمم الأوروبية.

وصرح جاولاند، لصحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج، إن الألمان لا يريدون أن يكون بواتينج جارًا لهم. مُضيفًا في عدد الصحيفة الصادر في 29 مايو (أيار) الماضي: «الناس تراه جيدًا كلاعب كرة قدم، لكنهم لا يريدون أحدًا من عائلة بواتينج في الحي الذي يسكنون فيه»، في إشارة لبشرة بواتينج السمراء.

جيروم يُصافح أخيه، كيفن برينس، في مباراة جمعت بين منتخبي ألمانيا وغانا في كأس العالم 2014 «المصدر: الدولية»

ولد المدافع جيروم بواتيج، البالغ من العمر 28 عامًا، في برلين عن أب غانيّ وأم ألمانية، ويلعب جيروم في نادي بايرن ميونيخ، الأفضل في ألمانيا، وأحد أفضل أندية العالم، مفضلًا اللعب باسم منتخب ألمانيا، على عكس أخيه كيفن برينس، الذي اختار اللعب للمنتخب الغاني.

موجة غضب ضد جاولاند يصعب تداركها

في محاولة منها لتدارك الموقف، اعتذرت فراوكه بيتري، رئيسة حزب البديل اليميني الشعبوي، لبواتينج عن تصريحات جاولاند نائبها في الحزب، اعتذارًا لم يتدارك الغضب الشعبي، ولم يمنع اندلاع موجة انتقادات وتنديد بما قاله جاولاند، في الأوساط السياسية والرياضية والشعبية الألمانية، موجة استمرت لأكثر من أسبوع، ويبدو أنها ستظل مستمرة لفترة أخرى.

إذ وصف شتيفن زايبرت، المتحدث باسم الحكومة الألمانية، تصريحات جاولاند عن بواتينج بـ«الدنيئة» و«المحزنة»، بينما انضم وزير العدل الألماني للموجة، في تدوينة له على موقع «تويتر»، قائلًا إن تصريحات جاولاند «دون المستوى وتنم عن عدم احترام»، لافتًا إلى أن جاولاند هو الذي بيّن أنه «ليس بالجار الجيد».

وفي سياق متصل، قال توماس دي ميزيير، وزير الداخلية الألماني، لصحيفة بيلد إن «كل ألماني يجب أن يكون سعيدًا بكون بواتينج زميلًا له في الفريق، أو مواطنًا مثله أو جاره»، بينما انتقدت رابطة الكرة الألمانية ونادي بايرن ميونيخ تصريحات جاولاند، رافضين التمييز بكل أنواعه، وبدوره ارتدى سفين بيتكه، عضو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم، قميص بواتينج أمام جاولاند، في جلسة من جلسات برلمان وﻻية براندنبورج، اعتراضًا على تصريحات الأخير.

جاولاند ينظر إلى بيتكه الذي ارتدى قميص بواتينج في جلسة لبرلمان وﻻية براندنبورج الألمانية

لم تتوقف موجة الغضب من تصريحات جاولاند، والمتضامنة مع بواتينج، على الأوساط السياسية والرياضية فقط، وإنما امتدت للأوساط الشعبية أيضًا، إذ أفاد استطلاع رأي، نشرته مجلة «فوكوس» الألمانية، أن 82% من الألمان يودون أن يكون بواتينج جارًا لهم، بينما وافق ما نسبته 11% فقط من العينة محل الاستطلاع، على تصريحات جاولاند «العنصرية».

وكان منتخبو حزب اليسار، الأكثر ترحيبًا ببواتينج جارًا لهم، بنسبة 98%، يليهم ناخبو الحزب الديمقراطي الاشتراكي والحزب الليبرالي بنسبة 94%، ويتبعهم ناخبو حزب الخضر بنسبة 92%. وكان لافتًا أن 87% من ناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني الشعبوي التوجه، أبدوا ترحيبًا ببواتيج جارًا لهم، في الوقت الذي انخفضت فيه تلك النسبة، لتصل إلى 79%، بين ناخبي الحزب المسيحي الديمقراطي، بزعامة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

حينما دخل بواتينج المرمى مكان الكرة

في 12 يونيو (حزيران) الجاري، التقى المنتخب الألماني بالمنتخب الأوكراني، في أولى مباريات الفريقين ببطولة الأمم الأوروبية «يورو 2016»، والمقامة في باريس، وتقدم المنتخب الألماني في الدقيقة 19، بهدف سجله المدافع شكوردان مصطفي، اللاعب الألماني ذو الأصول الألبانية، برأسية من داخل منطقة الجزاء.

رد المنتخب الأوكراني بعدها بهجمات قوية، مشكلًا خطورة على مرمى المنتخب الألماني، هجمات أتت أخطرها في الدقيقة 37 من عمر المباراة، عندما خاطر بواتينج بإمكانية إصابته، وارتمى بظهره على شباك المرمى، ليمنع الكرة من دخوله، ويحافظ على الشباك الألمانية نظيفة، حارمًا المنتخب الأوكراني من هدف التعادل، وليستمر التفوق الألماني بهدف نظيف، قبل أن يُحرز باستيان شفاينشتايجر الهدف الثاني، في الدقيقة الأخيرة من عمر المباراة، من هجمة مرتدة سريعة على المنتخب الأوكراني. لتنتهي المباراة بهدفين نظيفين لألمانيا.

شاهد الفيديو

https://www.youtube.com/watch?v=cqekbL84s3U

«كان يجب عليّ إخراج الكرة بطريقة ما، ولم يكن الأمر سهلًا، لكن المهم أنه لم يتحقق أي هدف» هكذا علق بواتينج على إنقاذ مرمى الألمان، من هدف محقق، كاد أن يُغير المباراة بأكملها، لافتًا إلى إمكانية أن يسبب السقوط على ظهره في أذى له، لكنه فضل الدفاع عن مرمى فريقه، وإبعاد الكرة «مهما كلفه الثمن». ووصف فرانك فالتر شتاينماير، وزير الخارجية الألماني، ما فعله بواتينج بـ«الخطوة الرائعة».

وعلّق يواخيم لوف، مدرب المنتخب الألماني، على تصرف جيروم بواتينج قائلًا: «من الجيد أن يجد المرء جيروم جارًا في صفوف الدفاع»، في إشارة ضمنية «ساخرة» لتصريحات جاولاند، وأشاد المشجعون الألمانيون بما فعله بواتينج، بوصفه بـ«أفضل جار» في تلميح لتصريحات جاولاند أيضًا، تلميح ركّزت عليه عدد من الصحف الرياضية الألمانية، في تعليقها على لقطة بواتينج، إذ نشر موقع «شبورت شاو» الألماني صورة لبواتينج، على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، معلقًا عليها بـ«من الجيد أن يكون لحارس المرمى نوير جارًا مثل بواتينج».

كما علّق موقع «بينتو»، من خلال صفحته على فيس بوك، على صورة بواتينج بقوله: «المنتخب الوطني الألماني، الذي يتبع ألكسندر جاولاند، كان سيحقق نتيجة هدف مقابل هدف في المباراة، دون مشاركة بواتينج».

سياق أوسع من الترحيب بالمهاجرين واللاجئين في ألمانيا

اشتهرت ألمانيا باستقبال المهاجرين واللاجئين إليها، وتصدرت دول أوروبا في استقبال اللاجئين، عندما استقبلت 1.1 مليون لاجئ من مختلف الجنسيات، خلال العام الماضي. ويتفوق عدد من الألمان، من الأصول غير الألمانية، في عدد من المجالات العامة، من أبرزها: الرياضة والسياسة، فبجانب جيروم بواتينج هناك ثلاثة لاعبين آخرين، في التشكيلة الأساسية للمنتخب الألماني، من أصول غير ألمانية، وهم: شكوردان مصطفي المدافع ذو الأصول الألبانية، ومسعود أوزيل من أصول تركية، وسامي خضيرة من أصول تونسية.

وسياسيًّا  حصد ألمانيون من أصل تركي 11 مقعدًا في البرلمان الألماني، كما يترأس جيم أوزدمير، وهو من أصل تركي، حزب الخضر الألماني. وفي دراسة تابعة لمنظمة العفو الدولية، عن مدى الترحيب الشعبي باللاجئين من الحروب والاضطهاد، ذُكر أن الألمان من أكثر شعوب العالم ترحيبًا باللاجئين، فلم يتفوق عليهم سوى الشعب الصيني، بحسب الدراسة.

لذلك يبدو أن ألمانيا، حكومةً وشعبًا، أكثر رفضًا للتصريحات والتوجهات العنصرية، تجاه اللاجئين والمهاجرين غير الألمان، إلا أن هذا لا يمنع وجود حركات سياسية، مناهضة للاجئين والمهاجرين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد