في الأول من أكتوبر 2015، انطلقت انتفاضة القدس التي عُرفت بـ”ثورة السكاكين”. ويومًا بعد يوم تساقط الشهداء واحدًا تلو الآخر في خضم الحراك الثوري، ليصل أعدادهم إلى 118 شهيدًا بحسب إحصائية أعدها مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني. وفي هذا التقرير نستعرض حكايات بعض من هؤلاء الشهداء.

ضياء التلاحمة


ولد ضياء التلاحمة ابن الحادية والعشرين من العمر في بلدة خرسا الواقعة جنوب مدينة الخليل، وعندما اجتاز مرحلة الثانوية العامة بمعدل 88% الفرع العلمي التحق بجامعة القدس أبو ديس لدراسة هندسة الحاسوب. وفي الجامعة التحق بالرابطة الإسلامية؛ الذراع الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي.

هذا الشاب الرياضي استشهد وهو يحاول إلقاء عبوة ناسفة على دورية من جيش الاحتلال الإسرائيلي، كان ذلك في سبتمبر الماضي، عندما أصر أن يشارك في انتفاضة القدس، نصب ضياء كمينًا لقواتٍ من جيش الاحتلال أثناء مروره على مفرق قريته، ووضع حاجزًا من الحجارة، وعندما همَّ بإلقاء قنبلة تجاه جنود الاحتلال انفجرت القنبلة به، فاستشهد.

بحسب رواية أمه، فإن قوة كبيرة من الجيش الإسرائيلي اقتحمت منزل العائلة. “في ذلك الحين تأكدت تمامًا أنه ضياء”، تقول أمه التي تضيف أن أحد الجنود طلب من والد الشهيد التعرف على صورة التقطت له بهاتف محمول، حينها أطلقت أم ضياء “زغرودة” لتغيظ بها الجنود، حسبما قالت.

بيان عسيلة


في إذاعة المدرسة الصباحية، وقفت طالبة في السادسة عشرة من عمرها، تتلو القرآن الكريم ثم تلقي بصوت قوي حزين قصيدة عن القدس، هذا آخر عهد للشهيدة بيان عسيلة – 16 عامًا – مع مدرستها ومعلماتها وزميلاتها.

فصاحبة الابتسامة التي لا تغيب، والطموحة التي كانت تحلم بأن تدرس هندسة الجينات؛ استشهدت في يوم السابع عشر من أكتوبر الماضي على حاجز إسرائيلي، هذا الحاجز الذي يفترض على سكان حي “واد الغروس” بالخليل المرور منه، كان هدف الفتاة حضور درس في اللغة الإنجليزية، وحينما اقتربت من جنود الاحتلال طلبوا منها الخضوع للتفتيش فرفضت، وأمام إصرارها على عدم السماح لهم بتفتيشها أطلق جنود الاحتلال النيران عليها بحجة وجود سكين معها.

رحلت بيان في مشهد أوجع الفلسطينيين، قتلت بدم بارد. والد بيان لديه سبعة أبناء، كانت بيان كبرى الإناث الثلاث، لذلك تحملت مسئولية كبيرة في رعاية أسرتها
عند غياب أمها، يقول الأب: “رحلت بيان وتركت لنا فراغًا كبيرًا، سأفتقد كثيرًا الحيز الذي كانت تشغله في زوايا البيت، وعلامتها العالية وتفوقها في المدرسة، سأفتقد حضورها في كل شيء، فبيان قيادية بمعنى الكلمة”.

مهند الحلبي


لم يمر مشهد الاعتداء على نساء القدس وهن يرابطن في المسجد الأقصى مرور الكرام على الشاب المقدسي مهند الحلبي – 19 عامًا -، فرغم أن المشاهد المؤلمة كثيرة حول هذا الشاب إلا أنه كان يردد وهو موجوع “تخيل لو أنها أمك أو أختك”.

ومع انطلاق انتفاضة القدس، بدأ مهند، الطالب في كلية الحقوق؛ يتابع أحداثها، حتى جاء يوم التحق رفيقه وزميله في الجامعة ضياء التلاحمة بركب شهداء الانتفاضة. يومها شارك مهند في عزاء ضياء ثم همس في أذن والده “سنثأر له إن شاء الله”.

في الثالث من أكتوبر الماضي، نفد مهند عملية طعن أدت إلى مقتل مستوطنين بينهما حاخام في جيش  الاحتلال، وتقول المصادر الإسرائيلية أن الشاب: “تمكن في البداية من طعن إسرائيلي في شارع الواد بالبلدة القديمة في القدس، ثم قام بخطف مسدس آخر وأطلق النار على عدد من المتواجدين في المكان”.

تقول والدة مهند: “قبل استشهاده بيوم قام بوداعنا كلنا، قام بتقبيلي أنا وإخوته وأصر على النوم بجانب شقيقه الأصغر، لم ألحظ عليه شيئًا قبل العملية، كان هادئًا كما عادته، ولكنه كان مصرًّا على تقبيلي مرارًا أنا وإخوته، وكان يوصيني بشقيقه الأصغر، لم أكن أعلم أنه كان يودعنا”.

فادي علون


شاب مليء بالحيوية، اهتماماته ذات اهتمامات أبناء جيله، يلتقط صور السيلفي، ينشرها على صفحته على “الفيس بوك”، يتحمل مسئولية أنه الابن الوحيد لوالديه، والدته تعيش في الأردن برفقة شقيقته، بينما يعيش هو مع والده في “العيسوية” بالقدس.

إنه فادي علون – 19 عامًا – الذي عاش حياته في أزقة منطقة المصرارة – باب العامود بالقدس – وفي هذه المنطقة استشهد أيضًا. فبينما كان الفتى يمر بشارع رقم 1 بحي المصرارة اعتدى عليه المستوطنون وقتلوه ثم أطلقت عليه قوات الاحتلال 7 عيارات نارية، وكما اعتادت قوات الاحتلال، نكلت بعائلة فادي مباشرة بعد استشهاده؛ اعتقلت والده وعمه، واقتحمت منزله، واحتجزت جثمانه.

يذكر أن مؤسستيْ “عدالة” و”الضمير” لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، أكدتا “أنه تم إطلاق النار على فادي بعد قيام عصبة من المستوطنين ‏المتطرفين بمطالبة شرطة ‏الاحتلال بإطلاق النار عليه بدعوى قيامه بطعن مستوطن إسرائيلي، ‏وقد تم توثيق الحادثة بالفيديو الذي يظهر وبشكل واضح أن ‏الشهيد علون، لم يشكل تهديدًا مباشرًا ‏لأي مواطنين أو للشرطة، وبالتالي فإن إطلاق النار عليه وقتله لم يكن مبررًا بأي شكل كان”‎.‎

بهاء عليان


واحد من أنشط وأنجح شباب حي جبل المكبر بالقدس، له تجارته الخاصة، وله نشاطه الاجتماعي والثقافي البارز في المدينة المحتلة، هو الشهيد بهاء عليان، الذي أبى إلا أن يكون شهيدًا في انتفاضة القدس.

في الثالث عشر من أكتوبر (2015)، حمل بهاء سكينا وصعد مع رفيقه الأسير المحرر بلال أبو غانم، إلى إحدى الحافلات التي يركبها الإسرائيليون، ونفذا واحدة من أبرز عمليات الانتفاضة أسفرت عن قتل ثلاثة مستوطنين وإصابة ثمانية آخرين.

ترك بهاء، ذو الثانية والعشرين من العمر؛ عشر وصايا، أولاها أنه “أوصى الفصائل بعدم تبني استشهادي، فموتي كان للوطن وليس لكم، لا أريد بوسترات ولا بلايز فلن يكون ذكراي في بوستر معلق على الجدران فقط”، وأوصى أيضًا: “أوصيكم بأمي لا ترهقوها بأسئلة الهدف منها استعطاف مشاعر المشاهدين ليس أكثر، ولا تزرعوا الحقد في قلب ابني, اتركوه يكتشفْ وطنه ويَمُتْ من أجل وطنه وليس من أجل الانتقام لموتي، وإن أرادوا (جيش الاحتلال) هدم بيتي فليهدموه فالحجر لن يكون أغلى من روح خلقها ربي”.

إياد العواودة

صورة التقطت من كاميرا المراقبة


فلسطيني يحمل سكينًا صغيرًا، ويركض مطاردًا جنديًّا إسرائيليًّا مدججًا بالسلاح، هذا الجندي يفر ويستصرخ لنجدته، صورة من صور بطولات انتفاضة القدس ستظل عالقة في أذهان الكثير.

الشهيد إياد خليل العواودة، ابن مدينة الخليل؛ قُتل دفاعًا عن المسجد الأقصى المبارك وثأرًا لاعتداءات الجنود الإسرائيليين على المرابطات كما تقول عائلته.

يقول الحاج خليل العواودة والد الشهيد: “تلقيت اتصالًا على هاتفي المحمول، فإذا المتصل ضابط إسرائيلي يسأله عن ابنه إياد، ولما أبلغه أنه غادر في الصباح ولم يعد، طلب منه الحضور إلى معسكر عتصيون جنوب بيت لحم”، وتابع الأب إن أول ما وقع عليه نظره جثة شهيد داخل سيارة إسعاف إسرائيلية، ثم طُلب مني التعرف عليه، ولما كشفت وجهه قلت “هذا ابني إياد”…

مهند العقبي


هويته إسرائيلية بحكم السكن في قرية “حورة” بالنقب المحتل، لكنه لم يتأثر البتة بالمحيط الإسرائيلي من حوله، بقي دائما يحمل وطنية كبيرة ترى هذا الكيان الذي يعيش فيه احتلالًا فقط، ورث ذلك من أمه غزاوية المنشأ ومن أبيه الذي عاش ظلمًا كبيرًا بسبب تهجيره من قبل دولة الاحتلال أكثر من مرة.

ذاك هو الشهيد مهند خليل سالم العقبي – 21 عامًا – الذي أقدم في 18 أكتوبر الماضي على تنفيذ إحدى أبرز علميات انتفاضة القدس، فمن أمامه فر جنود احتلال مدججون بالسلاح، بدأ عمليته المسلحة بسكين ثم أكملها برشاش استولى عليه بعد أن طعن أحد جنود الاحتلال. قتل مهند جنديًّا في لواء النخبة (جولاني)، وأصاب 34 مستوطنًا بالرصاص والهلع، كما تسببت عمليته في قتل قوات الاحتلال لمهاجر أفريقي بالخطأ بعدما ظنت أنه المنفذ.

كان مهند يعيل أسرته؛ يعيل سبعة أشقاء، لأن والده عاطل عن العمل. هذه الأسرة ما زالت موجوعة لأن جثمان مهند ما زال محتجزًا، وهو ما دفعها مؤخرًا إلى إعلان إضراب احتجاجي بغية استعادة جثمان مهند من الاحتلال.

محمود سعيد عليان


“من كثر ما بحبك يا أمي رح أخليكي تصيري أم شهيد”. هكذا خاطب الشهيد محمود سعيد عليان – 20 عامًا – أمه التي أنجبته بعد 30 عامًا من العقم، هكذا خاطب الوحيدُ واليتيمُ أمَّه، ثم نظر في عينيها ليعلم مدى حبها له، أدرك أنها أحبت ما يحب لكنها موجعة جدًا من هذا المصير.

كان قدر محمود مع الشهادة في انتفاضة القدس يوم العشرين من نوفمبر الماضي، عندما خرج مع الشباب الثائر يواجه الاحتلال عند مدخل البيرة الشمالي. رصاصة واحدة معدنية أصابت رأس محمود، فتفتتت الجمجمة، وتسببت في دخوله بغيبوبة لمدة ثمانية أيام، ثم استشهد على أثر هذه الإصابة التي أدت أيضًا إلى تلف في الدماغ.

فقدت أم محمود الابن الوحيد، الذي كان يملأ بيتها الكائن في بلدة عناتا الواقعة شمال شرقي القدس المحتلة بالحب والمرح، تقول أمه “طوال سنتين كان محمود يتمنى الشهادة، ونالها أخيرًا”.

علاء أبو جمل


“قتل حاخام إسرائيلي وأصيب سبعة آخرون بجراح متفاوتة”، هذا الخبر الذي أثلج صدور الفلسطينيين كان يقف وراءه الشهيد المقدسي ابن جبل المكبر علاء أبو جمل – 33 عامًا – نفذ أبو جمل عمليته في الثالث عشر من الشهر الماضي قبل أن يستشهد برصاص شرطة الاحتلال الإسرائيلي.

قرر علاء أن ينفذ عملية دهس في مجموعة من المستوطنين اليهود في الثالث عشر من أكتوبر الماضي، وبذلك التحق علاء بابني عمه غسان وعدي اللذين استشهدا العام الماضي. علاء هو أب لثلاثة أبناء من الذكور، أكبرهم عمره ثمانية أعوام وأصغرهم أربعة، كان حلم هذا المقدسي الذي أهين قبل أيام أمام أطفاله الثلاثة من قبل قوات الاحتلال أن يوفر لأطفالنا حياة كريمة.

يقول شقيقه معاوية: “علاء أكثرنا حبا لأولاده وتعلقًا بهم، حتى بات أبنائي يطالبونني بمعاملتهم كما يعامل هو أولاده، كان حنونا وهادئا وخلوقا ولم يؤذ قط أحدًا، علاء قليل الكلام لم يخض يومًا نقاشًا سياسيًّا مع أحد منا، وبعد استشهاده اكتشفتُ كم كان إنسانا كتومًا ويدفن الكثير من المشاعر”.

هديل الهشملون

قررت هديل الشلمون ذات التسعة عشر ربيعًا أن تمر على بعض العائلات الفقيرة كما اعتادت. كانت البيوت التي قصدتها موجودة في شارع الشهداء، في هذا الشارع يجب عليها أن تمر بحاجز إسرائيلي.

حدث ذلك يوم الثاني عشر من سبتمبر الماضي. طلب جنود الاحتلال على هذا الحاجز من هديل أن تخلع نقابها فرفضت، وهمت بالرجوع إلى حيث أتت، وعندما التفتت أخذ جنود الاحتلال يطلقون عليها النيران بحجة وجود سكين معها، كان مجموع الرصاصات 15 رصاصة. لقد تركت هديل تنزف لمدة أربعين دقيقة حتى استشهدت.

هديل هي الخامسة بين أشقائها الاثني عشر، كانت تدرس في كلية الشريعة – جامعة الخليل، يقول والدها: “تميزت هديل بحسن الخلق والالتزام الديني، فهي من رواد المساجد منذ طفولتها وحافظة للقرآن الكريم، وهي تهتم بالأطفال وبتحفيظهم القرآن“، مضيفًا: “وكانت مرهفة الإحساس ولها محاولات أدبية نالت إعجاب الأدباء والكتاب الذين شجعوها كثيرًا ورأوا فيها محاولات يمكن البناء عليها مستقبلًا”.

المصادر

تحميل المزيد