في القدس، يجول خيالة من جنود الاحتلال الإسرائيلي، محاطون بمجموعة من المستوطنين اليهود، ثُمّ يمر فوج من السياح الغربيين، بينهم دليل سياحي إسرائيلي. يجول أيضًا في المكان بعض المقدسيين، يُكمّشون أجسادهم إلى جانب الزقاق الضيق؛ كي يمر الغرباء دون احتكاك بهم.

يبدو الأمر بين المقدسيين مُخالفًا لبعض الفتاوى الإسلامية، التي تُحرّم زيارة القدس المحتلة، بدعوى أن في ذلك تطبيع. يُبدي المقدسيون حاجتهم لـ«الدعم والمؤازرة» بتلك الزيارة المُحرّمة. يبتغون وجوهًا أُخرى شبيهة ترافقهم في رحلاتهم اليوم تحت وطأة الاحتلال. لا يُريد أهالي القدس المحتلة، أن يُصلي الزائر ركعتين في المسجد الأقصى، بل أن يهمس في أذنه، على عكس ما همس به الإسرائيلي للسياح الأجانب، بأن «هذا المكان يهودي منذ الأزل»!

الجدل حول قضية الزيارة من عدمها، قديم قدم القضية الفلسطينية، وقد صدرت بحق الزيارة فتاوى تُحرمها، على أنها من باب التطبيع، كون الزائر سيتعامل مع إسرائيليين في السفر والعبور وما إلى ذلك. وخلال القمة العربية 23 في بغداد، 2012، طالب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بزيارة العرب للقدس، «دعمًا لصمود أهلها». وعلى هذه الدعوة، أصبح المُعارضون يصفون المؤيدين لزيارة القدس المحتلة، بـ«جماعة السلطة المطبعين».

من فرنسا إلى القدس

أخذ المغربي عزيز (30 عامًا) ينشر عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، صور زيارته للقدس. كان فَرِحًا بهذه الزيارة، رغم أنها لم تكن الأولى، فلأوّل مرة زار القدس عام 2010، ثُم عاد لها مرة أُخرى عام 2011، وثالثةٌ في عام 2012، لكنه مُنع، ورُحّل من مطار «بن غوريون» إلى باريس.

موقف عزيز الشخصي من زيارة القدس المحتلة، يُناقض موقف الغالبية العربية، الرافضة لزيارة القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي، بدعوى أن في ذلك تطبيعًا، مما دفع رجال دين مُسلمين ومسيحيين إلى إصدار الفتاوى المُحرّمة للزيارة. لكن عزيز لم يعبأ كثيرًا بالخطاب السائد، ووفقًا له، فإن هوسه بزيارة القدس، بدأ بهدف «التعرف على الأوضاع القائمة، ونقل الواقع إلى المجتمع الفرنسي الذي وُلدت وعشت فيه»، مُضيفًا: «تمكنا من جمع العديد من المعلومات من خلال زيارات ولقاءات مختلفة مع شخصيات وفاعلين من المجتمع المدني. تعرفنا على المشروع الاستيطاني الصهيوني بالقدس، ومحاولات تقسيم المسجد الأقصى، وكذلك خطة تهجير الفلسطينيين«.

التقى عزيز برئيس قسم المخطوطات في المسجد الأقصى، وغيره من المقدسيين الفاعلين. ورغم ضعف لغته العربية، إلى أنه جاد في حفظ أسماء المناطق التي زارها، كالبلدة القديمة، وحي سلوان، والشيخ جراح، ويحفظ كذلك أسماء الأكلات الفلسطينية، التي بات الإسرائيليون يزعمون نسبتها إليهم، كالبقلاوة، والهريسة، والفلافل، والحُمّص، والزعتر، واللبنة.

يُدافع الشاب المغربي عن تصرفه، بتوافقه مع موقف المقدسيين، الذين رآهم وتحدث إليهم، لذا فإنه يرفض بشدة، أن تعتبر زياراته من باب التطبيع فقط لأنه تعامل مع إسرائيليين في إجراءات الدخول. يقول لـ«ساسة بوست»: «صحيح أننا دخلنا عبر مطار بن غوريون، لكن لم يكن أمامنا خيار آخر للأسف. لا أعتقد أن زيارتنا تطبيعية لأننا لم نلتق بجهات صهيونية، وهذا خط أحمر بالنسبة لنا».

يربط عزيز تشجيعه لزيارة فلسطين بشرط واحد، وهو أن «تكون بهدف التعرف على أوضاع المقدسيين»، مُعربًا عن غضبه ممن يتجه إلى القدس فقط من أجل الصلاة بالمسجد الأقصى: «هؤلاء لا يهمهم ماذا يجري في فلسطين. يقضي الواحد منهم أسبوعه في الرحلة من الفندق إلى المسجد الأقصى، وفقط»!

تغيرت القناعات

قبل 20 عامًا، كانت المقدسية منى بربر، ترفض رفضًا قاطعًا زيارة العرب والمسلمين إلى القدس، عبر تأشيرة ومطار إسرائيلي، لكنها تقر الآن أن قناعاتها تغيرت كليًا، فباتت على العكس، تنتقد عدم زيارة العرب والمسلمين للقدس.

تقول إنها تنظر اليوم نظرة أكثر عملية وواقعية، و«الأمر ليس مُرتبطًا بالعمر (تبلغ 43 عامًا)، وإنما هو ناجمٌ عن واقع مرير»، على حد تعبيرها. وقد أصرت مُنى أن يُشارك نجلها عبدالرحيم (18 عامًا) في الحديث. يقول عبدالرحيم: «أرى أنهم (العرب) يجب أن يأتوا ليسدوا الفراغ الكبير في المسجد الأقصى، وشوارع القدس. وجودهم يشعرنا بالأمان أمام التجمعات اليهودية التي تحاصرنا».

تستشهد أُم عبدالرحيم، بقولة فيصل عبدالقادر الحُسيني: «زيارة السجين لا تعني التطبيع مع السجّان»، مُوضحةً في حديثها لـ«ساسة بوست»، أن «القدس أسيرة، محاطة بجدار فصل، كي تُنسى أكثر وأكثر. وهي لم تعد قضية العرب والمسلمين الأولى، ويبدو أن الإسرائيليين قريبين جدًا من تحقيق مخطط عام 2020، الهادف إلى تفريغ القدس من سكانها، فسياسة الأعوام الثلاث الأخيرة، جعلت سكان القدس العرب في انحسار (يقاربون 300 ألف نسمة) بسبب أحكام وقوانين التهويد».

تُلخص أم عبدالرحيم، الأمرَ، في الشعور بالوحدة الذي يُعانيه المقدسيون العرب في وجه المحتل الإسرائيلي، مُوضحة أن قدوم العرب من أي مكان في العالم، أسهل بكثير، من وصول سكان قطاع غزة المحاصر، أو الضفة الغربية المحتلة، إلى القدس، إما بسبب الحصار، أو نقاط التفتيش التي تكاد تجعل من العبور أمرًا مستحيلًا.

«على الأقل يأتينا العرب حملة الجنسيات الأوروبية؟ الذين باستطاعتهم الوصول إلى أي مكان. نُريدهم ليس من أجل صلاة ركعتين في المسجد الأقصى، ولا حتى من أجل مقاومة الاحتلال. نُريدهم ليعطونا الأمل، وليدعموا اقتصادنا الذي أنهكته الجبايات الإسرائيلية».

حصار غير مسبوق

قبل فترة، انشغل المقدسي أبو العبد (45 عامًا) عن ترتيب فرشة بيع الخضار خاصته، ليراقب شجارًا نشب بين مستوطنين إسرائيليين، ومقدسيين، عند أبواب المسجد الأقصى، لكن الأمر سرعان ما خرج عن المألوف، إذ تفاجأ أبو العبد، أن مجموعة من الأتراك الزائرين للقدس، قد تصدوا للمستوطنين، في ذلك الوقت، كان تعامل قوات الاحتلال الإسرائيلي، هو إخراج المستوطنين من المسجد الأقصى، «فهؤلاء سُيّاح لهم حكومات ستسأل عنهم».

الموقف السابق رواه أبو العبد لـ«ساسة بوست»، ليبرر اقتناعه بأهمية زيارة العرب للقدس، مُضيفًا: «عمليًا لا يدخل أحد على القدس إلا أهلها وناسها. لا يوجد أي مانع من الزيارات، فهذه الزيارات تفيدنا، وتفيد صمودنا في القدس، قوات الاحتلال لا تستطيع منع الزوار كما يحدث معنا، وهذا أضعف الإيمان».

يُوضح أبو العبد، أنه في العادة، يُمنع المقدسيون من الوصول إلى المسجد الأقصى، خلال الفترة ما بين الساعة السابعة وحتى الثالثة، أما في حال حدوث زيارات لعرب أو مُسلمين، تحدث حركة في القدس، تُقلل من وطأة الحصار، بالإضافة إلى ذلك، الزيارات تُحرّك التجارة، في المحال والبقالات، أو المطاعم والفنادق العربية. الزيارات إذًا، كما يُوضح أبا العبد، طريقة لخلخلة الحصار.

مزقوا الجواز!

تتولى الناشطة المقدسية عفاف الدجاني، إدارة جمعية «دار الرعاية الصحية والاجتماعية لرعاية الأيتام» في القدس. تعكف الدجاني على دعوة النشطاء والأدباء والفنانين لزيارة القدس؛ من أجل المشاركة في فعاليات تُنظمها جمعيتها، لكن هل يستجيب هؤلاء؟ تجيب الدجاني: «لا أحد يستجيب لدعواتنا. الكل يرفض وضع ختم إسرائيل على الجواز الأردني أو الإماراتي أو الكويتي أو الجزائري أو البحريني».

تُعرب عفاف تفهمها للظروف التي أدت إلى تجاهل دعواتها، أو اعتبار زيارة القدس تطبيع. لكنها في المقابل طرحت وهي تمزح، حلًا بسطيًا، يبدو، بجدّية، حلٌّ فعال: «مزقوا الجواز، بعد عودتكم، واستخرجوا واحدًا جديدًا، كي يزول ختم إسرائيل»!

تُضيف عفاف، قائلةً، إن «دعوتي لزيارة القدس، لتشجيع السياحة. نحن بحاجة لفك الحصار الإسرائيلي على القدس. إنهم يذهبون للسياحة في كل الأماكن، ويحافظون على قناعاتهم ومبادئهم، فلماذا لا يأتون للقدس»، لافتًا إلى أن الإسرائيليين، يُوجّهون السياح الأجانب، إلى عدم الشراء من المقدسيين العرب، فضلًا عن أن المرشدين السياحيين الإسرائيليين، يُعرفونهم على المدينة، بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية الاستيطانية.

ترى عفاف، أن زيارة العرب والمسلمين إلى القدس المُحتلة، يعني أن «الوضع الاقتصادي سيتحسن. التجار سيبيعون التحف، والنثريات. ستحدث حركة في القدس، التي تبدو كمدينة فارغة من السكان بعد الرابعة عصرًا، إذ يحييها فقط اليهود والسياح الأوربيون».

إحصائيات وأعداد

تناولت وسائل الإعلام العربية تقريرًا نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، في يونيو (حزيران) الماضي باهتمام كبير. اشتمل التقرير على أرقام تتعلق بعدد زيارات العرب والمسلمين للقدس، مُوضحًا أن العام 2014، شهد وصول أعداد كبيرة من الوافدين المسلمين إلى مدينة القدس المحتلة، كانوا على النحو التالي: 26.6 ألف زائر إندونيسي، و17.7 ألف زائر أُردني، و23 ألف زائرٍ تُركي، بالإضافة إلى تسعة آلاف ماليزي، و3300 مغربي.

سياح إندونيسيون في المسجد الأقصى

بيّن تقرير الصحيفة، أنه في الشهرين الأولين فقط من عام 2015، دخل ما يزيد عن 10 آلاف زائر مسلم إلى القدس، مشيرة إلى أن «آلاف المسلمين يحجون إلى المدينة؛ الأمر الذي بدأ يأخذ شكل الظاهرة العامة، في ظل ارتياح إسرائيلي عام من جهة، والسلطة الوطنية، وبعض الأنظمة العربية، من جهة أخرى».

لا قيمة لهذه الزيارات

توجهنا إلى قسم المخطوطات والتراث في المسجد الأقصى، للحديث مع رئيس القسم، رضوان جمال عمرو، الذي قال لنا إنه لا يلمس في زيارة العرب والمسلمين للقدس، أي قيمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، مُستشهدًا بالفتاوى الدينية، التي نهت عن الزيارة عمومًا، أو التي نهت عنها بتأشيرات إسرائيلية.

واعتبر رضوان جمال عمرو، أن هذه الزيارات، تأثيرها محدود من جميع النواحي؛ بسبب «غياب الحاضنة المقدسية، التي يُمكنها استضافة هذه الوفود»، مما يجعل عمرو يرفض الزيارة أيضًا، هو خوفه من أن «الاحتلال الإسرائيلي، بدهائه، يُمكنه غسل أدمغة الزوار العرب، بأنه طيب ورحيم. وأنه استطاع بناء دولة متطورة، في حين أن أحياء الفلسطينين مجرد عشوائيات سيئة البناء والتنظيم»، لذلك يعتقد أنه إذا «التمس الاحتلال الإسرائيلي، أي تأثير نوعي تحدثه الزيارات لصالح المقدسيين، فإنه سيمنع التأشيرات»، مُضيفًا: «ثُمّ لو صدقت نوايا الدول العربية، الموالية للتطبيع والسماح لمواطنيها بزيارة القدس تحت الاحتلال، لكان أولى بها، أن تضغط على الاحتلال لفتح القدس لأهل الضفة الغربية وغزة».

إسرائيل تريد التطبيع

يعترض مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، زياد الحموري، على قبول الدول العربية، التي لديها علاقات مع إسرائيل، لفكرة الزيارات، الدينية تحديدًا، لمدينة القدس المُحتلة، مُبررًا بأنّ «إسرائيل تريد التطبيع مع كل العالم العربي، مع استمرارها في نهج الاستيطان والتهويد، وكأن الأمور طبيعية، وليست هناك دولة محتلة، فهي تسيطر كاملًا على كل الأماكن السياحية في القدس، وتظهر الزائر وكأنه موافق على الإجراءات الإسرائيلية»، مُضيفًا: «هذا يساعد الإسرائيليين أكثر فأكثر على المضي في إجراءاتهم ومشاريعهم التهويدية».

زيارة العرب

المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل

وينفي الحمور، أن تكون السياحة العربية، مُنعشة للاقتصاد المقدسي، «الذي عمل الإسرائيليون على تدميره منذ عشرات السنوات»، على حد قوله، مُضيفًا أن العالم العربي، بإمكانه الضغط في اتجاهات أُخرى، كتفعيل قرارات القمم العربية، التي أقردت بدعم المقدسيين ماليًا، «ما نحن بحاجة إليه، هو إدراج ما نعاني منه من قلع لفلسطينيي القدس، ومن ثمّ الاستيطان، على قائمة الاهتمامات العربية»، كما قال.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد