يقول جلال الدين الرومي: «نحن أطباء موهوبون لأننا تلاميذ المسيح»، هكذا رأى الرومي عيسى ابن مريم، رحمة من الله وطبيب عظيم قادر بأنفاسه أن يشفي جميع الأسقام. لكن لم يكن الرومي هو الشاعر المتصوف الوحيد الذي تأثر بالمسيح ورآه المتصوف الأكبر، بل إن كثيرًا من متصوفة المسلمين قد كتبوا عن عيسى ومعجزاته في مؤلفاتهم وأشعارهم، جنبًا إلى جنب كلمات الحب الإلهي. فكيف رأى المتصوفة المسلمون المسيح وأمه؟

«أم النور».. كيف رأى المتصوفة «الحمل الشريف»؟

كانت مريم العذراء مصدر إلهام لكثير من شعراء الصوفية، وذلك لطهرها البالغ وحملها الشريف الذي أفرد له الإسلام مساحة واسعة من السرد؛ فذكروا في أشعارهم لحظة الحمل من كلمة الله، وباتت مريم في التراث الإسلامي رمزًا للروح الإنسانية التي قُدر لها أن تحمل بفضلِ الله؛ إذ اصطفاها وطهرها على نساء العالمين في العقيدة الإسلامية، كما ورد في سورة آل عمران: «وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)». لتصبح بذلك هي ووليدها الوحيدين على وجه الأرض اللذان لم يمسسهما الشيطان بحسب عقيدة المتصوفة. وتشير آنا ماري شمل، وهي مستشرقة ألمانية متخصصة في الدراسات الإسلامية والصوفية، أن الفقيه ابن حزم -المتوفى عام 1064- قد اعترف بوصول مريم إلى رتبة النبوة.

تؤكد شمل في كتابها «عيسى ومريم في التصوف الإسلامي» على أن المناخ الذي ترعرعت فيه مريم (العذراء) كان صومعة في معبد القدس، أشار إليها القرآن بـ«المحراب»، وهو مصطلح يطلق على قبلة الصلاة داخل المساجد، وكلما دخل عندها زكريا وجد عندها رزقًا، فتقول: «هذا من عند الله». تشير شمل إلى أن شعراء الصوفية امتدحوا مريم كونها «عذراء»، هي الطاهرة داخل أشعارهم، حملت بلا دنس دون أن تحمل في نفسها مذاق الخطيئة الأولى، ويشير إلى ذلك القرآن في سورة الأنبياء: «وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (91)».

كانت ولادة العذراء لدى المتصوفة دلالة على قدرة الله على الخلق، وذلك دون الحاجة إلى عونٍ ثانوي. كما أن خروج عيسى من رحم مريم العذراء، وولادة يحيى بن زكريا من شيخ طاعن في السن وزوجته عجوز عاقر لم تلد في شبابها، كانا كلاهما لدى المسلمين جزءًا من معجزات الخالق بكلمة نافذة أمرها. عن ذلك يقول جلال الدين الرومي: «إن تلك المريمات يدللن قلب المريد على الطريق إلى مجد الله»، واصفًا عيسى ومريم وكأنهم «فصل الربيع»، مستكملًا: «إن كل المهود بها شيء من مريم، حاملات من نفخ الملاك».

أما شيخ الصوفية محيي الدين ابن عربي، فقد رأى في ولادة عيسى من مريم دون أب تشبيهًا لخروج الأنثى من الذكر في بداية الخلق دون حاجة إلى وسيط الأم، قائلًا: «كيف للأنثى أن تظهر من الذكر من دون وسيط الأم، (مثلما كان حال حواء)، لذلك كان لا بد من أن تظهر ذات ذكورية من ذات أنثوية دون وسيط الأب، حتى يظل توازن نشاط الخلق الإلهي محفوظًا بشكلٍ ما». فأصبحت بذلك مريم الأنثى القادرة على نشاط الخلق بحضورها المباشر مع الإلهي؛ إذ أصبحت مريم في الشعر الصوفي رمزًا للأرض والأزهار والماء المبارك.

«الصوفي الكامل».. هذا ما قالوه عن صلاة عيسى وخلوته

تقول آنا ماري شمل، أن عيسى قد عُرف عند الصوفية بالعارف لاسم الله الأعظم أو على الأقل بحروف هذا الاسم، وتضيف أن شعراء الصوفية كانوا على وعي تام بأن الصلاة تمتلك قوة خاصة، لا سيما وإن كانت تتلى من ذات مقدسة مثل: «عيسى».

كانت صلاة عيسى موضوعًا حاضرًا عند أكثر من شيخ صوفي، عن ذلك يقول فريد الدين العطار وهو من كبار الشعراء والمتصوفة المسلمين، في «إلهي نامة» أن الصلاة المفعمة بالحب التي يتلوها عيسى، يمكن أن تملأ أحد الورعين بحب الله. إذ حكى عن عيسى الطاهر الذي نزل ذات يوم إلى قرية سبه فيها أهلها بالشتائم، فرفع وجهه إلى السماء للصلاةِ من أجل هؤلاء الذين يلعنونه، وعندما سأله أحدهم لم يصلي من أجلهم؟ تكلم المسيح: «إن كل قلب يحيا، ينضح بما يتأجج فيه».

بالنسبة إلى شمل كان عيسى عند الصوفية يجسد الإنسان الكامل و«المرشد الحق»؛ إذ رأوا فيه الصوفي الأكبر نظرًا لما تجسد فيه من صفاتٍ إنسانية مثل: «الطهر والخير والاستقامة»، مُشيرة إلى أن المسيح كان يتمتع بمكانة عالية عند المسلمين نظرًا لكونه السابق على نبي الإسلام محمد، والروح التي نفخت من خلال الملاك جبرائيل في أمه العذراء. بل وتعتبر ولادة العذراء أمرًا عقائديًا أساسيًا لدى المسلمين، وقد ذكرت في القرآن بأكثر من موضعٍ، بحسب الكاتبة، وقد حظي عيسى بهذه المكانة رغم بعض الفروق العقائدية بين المسلمين والمسيحيين بخصوص «الصلب وبنوة الله».

في الصوفية أصبح عيسى نموذجًا مثاليًا للشخص الزاهد الذي أدار ظهره للدنيا؛ إذ قالوا عنه في التراث أنه أكل ورق الشجر ولم يأو إلى منزل ولا أهل، وأنه ارتدى من جلد الماعز، ولم يحتفظ بشيء لغده، وقد كانت هذه الحياة الزاهدة من أجل أن يحظى بالجائزة السماوية التي وعده بها الله عندما خاطبه قائلًا: «كن جائعًا لكي تراني واختر الخلوة، لكي أقترب منك»، بحسب الصوفي نجم الدين رازي.

وفي كتاب «إحياء علوم الدين» الجزء الثالث، لأبي حامد الغزالي، أحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري يشير إلى أن عيسى قد وصل إلى المثل العليا في الزهد، وذلك لما عرف عنه من التحكم في النفس وحسن السلوك وضبط الشهوات، فيخبرنا في قولٍ منسوب إلى عيسى: «من يكذب كثيرًا يبهت جماله، ومن يشاحن الناس كثيرًا، تنهر أخلاقه الإنسانية، ومن يتصرف بسوء، يعذب نفسه».

كما وصف المتصوفة عيسى بالتقشف الزائد، مشيرين إلى أنه لم يملك ما يمدد عليه جلده. يقول عيسى: «للثعالب أوكار ولطيور السماء عشش، أما ابن الإنسان فليس له أن يسند رأسه».

فنون

منذ سنتين
رحلة المعراج في الكوميديا الإلهية.. كيف ألهم دانتي فناني العالم؟

رأى علماء المتصوفة في عيسى نموذج «الصوفي الكامل» الذي يجب أن يبتغي المرء الوصول إلى ما وصل إليه؛ في كل نفس بشرية هناك عيسى ينتظر ولادته لترتقي روحه، بحسب ما رأوه. يقول عن ذلك فريد الدين العطار أن الإنسان بحاجة إلى ولادة ثانية ليضع قدميه على حافة الملكوت، ولهذا اعتقدوا في صلاته بأن لها قوة خاصة قادرة على شفاء الأسقام وإحياء الموتى، هو الساكن في السماء الرابعة، بحسب بعضهم.

«شريعة عيسى».. طرق الوصول إلى الله

«قال أحدهم لعيسى: أرنا عملًا يصلنا بالجنة، فقال: لا تتكلموا أبدًا. فقالوا إن هذا لا نقوى عليه. فتكلم: إذن تحدثوا فقط بالخير» *الغزالي إحياء علوم الدين

يشير الغزالي عن شريعة عيسى، وهي كما اختزلها متمثلة في «الصمت»؛ إذ نسب إلى المسيح قوله إن عبادة الله عشرة أجزاء، تسعة منها هو الصمت، والآخر هو الهروب من الناس. كما أورد الغزالي فصلًا عن الصبرِ يعتمد بشكلٍ كلي على «موعظة المسيح على الجبل»، والتي تعرف بشريعة العهد الجديد، وذكر في ذلك الفصل قول عيسى: «لا تقاوموا الشر بالشر، وإذا ضربكم أحد على الخد الأيمن، فصعدوا له خدكم الأيسر، وإذا ما أخذ أحد ثيابكم، فأعطوه مئزركم، وإذا ما أجبركم أحد على السير ميلًا؛ فامشوا معه ميلين».

كانت «عظة الجبل»، تشكل مجموعة من الإرشادات والحكم ألقاها المسيح على أتباعه وتلاميذه، وهي ما بني عليها إنجيل «العهد الجديد»، وقد وصفها المتصوفة بالجزءِ الخاص بشريعة المسيح؛ إذ كان عيسى يؤدي خدمته عند سفح الجبل عندما التف حوله تلاميذه الإثنى عشر، وقد تقاطرت عليه الجماهير من كل حدبٍ وصوب، يبتغون الاستماع إليه والشفاء من أمراضهم، وهنا جلس المسيح في مكانٍ مستوي على الجبل والجموع حوله، وقد بدأ يلقي عليهم عظته، تلك التي اشتملت على دروسٍ اتخذها الجمع منهجًا للمسيحية على مر العصور.

يقول المسيح: «كونوا كاملين، كما أن أباكم السماوي هو كامل»، ويعني أن نقتدي بالله، ونوسع نطاق محبتنا لتشمل حتى أعداءنا. كما تعمد المسيح أن يتناول حكم بعض الأمور التي وردت في اليهودية، مثل «الزنا» فيشير أبي نعيم الأصفهاني في كتابه «حلية الأولياء»، قول المسيح: «يا معشر بني إسرائيل، إن موسى عليه السلام نهاكم عن الزنا، فنعم ما نهاكم عنه. فإني أنهاكم أن تحدثوا به أنفسكم، فإن مثل ما حدث به نفسه ولم يعمل به، مثل بيت من خزف يوقد فيه». كما نهى عيسى أتباعه أن يحلفوا بالله كذابين أو صادقين. في العظة، حذر المسيح أتباعه من ادخار الكنوز الأرضية الفانية، كما نصحهم بالصلاة السرية وتقديم الصدقات دون لفت الانتباه. وقد تأثر المتصوفة كثيرًا بتلك التعاليم حتى أنهم تناولوها في الكثير من مؤلفاتهم.

«إحياء الموتى».. أن يعود التراب الميت حاملًا الروح

عُرف عيسى في الصوفية الإسلامية من يحمل داخله كلمة الله النافذة وحروفها الفاعلة، هو من أحيا بهذه الكلمة من سر الله هياكل عظمية تآكلت من سنين، فيورد المتصوفة قصص إحياء المسيح للموتى مرة أخرى لأنه كما قال عنه العطار في «إلهي نامة»: «روح الله، شمعة مضيئة للقلوب هو»، إذ لم يحتمل المسيح صوت الأنين القادم من أحد القبور ذات يوم في الجبانة، واعتصرت قلبه الشفقة، فصلى إلى الله أن يبعث هذا العجوز، الذي مات منذ 800 سنة، وقد كان العجوز يعاني من العذاب، لم يرتح قط، لاغتصابه غيطًا من يتيم. فصلى المسيح من أجله أن تكون له غفوة هادئة في الأرض.

مجتمع

منذ سنتين
«الحب مقامٌ إلهيٌ».. أسرار العشق بين التصوف الإسلامي والمسيحي

ويورد المتصوفة قصة الجمجمة التي أحياها المسيح بإرادة من الله، فتجسدت كهلًا يرتكز على كومة من الفاصولياء، كان قد جمعها من الغيط، ومات من حينها ويفصل بينه وبين أهل عيسى 500 عام. كما يوردوا أيضًا كيف أحيا المسيح «سام بن نوح»، شاهدًا على الطوفان، ليحكي لتلاميذ المسيح عما شاهده. فأخبرهم عن الطوفان ومات مرةً أخرى.

وعلى الرغم من تعدد تلك الحكايات التي أحيا فيها المسيح عظامًا ونفخ في الطير الصلصال؛ فإن بعض شعراء الفرس والأتراك قد تعاملوا معها بصورة قد بدت فجة للآخرين؛ إذ شبهوا حبيبهم بوجهٍ خاص بعيسى، واهب نفس الحياة ورمزًا للقبلة، التي أصبحت فيما بعد داخل أشعارهم تمثيلًا لعملية تبادل الأرواح. فيقول عن ذلك سنائي الغزنوي المتصوف الإيراني: «أي عيسى أنت؟»، ويقصد: «من أحييته بقبلتك؟»

كان جلال الدين الرومي هو من قام بمعالجة فكرة «نفس عيسى المحيي»، وذلك عندما استنتج أن عيسى الحقيقي هو الحب الذي تنبعث منه طاقة الإحياء الإلهية، وعلى المرء أن يبذل في الحبِ نفسه كليًا، يميت نفسه ويحيا مرةً أخرى ويبعث من جديد. وأصبح بعد ذلك المسيح حاضرًا في قصائد الحب الإلهي، كما جرى ربطه بالربيع في الاستعارات المكنية للشعراء، فيقول عن ذلك الشاعر الفارسي ناصري خسرو: «تبدو الأرض كلها حية، وهي كنسيم الربيع عيسى»، إذ شبه نفس عيسى بنسيم الربيع الذي يحيي الأرض الميتة بعد فصلي الخريف والشتاء.

أما معجزة عيسى الأخيرة، «مائدة أنزلت من السماء»، فقد احتفى بها الشعراء الصوفيين دلالة على فضل الله ونعمته، فهي الطعام الروحي المأمول والمُحمل بالبركة. غذاء وشراب للروح، فيقول الرومي: «فاغسل يديك لمائدة، مفرشها وصلًا من السماء». وشبهها بالحج إلى الكعبة للفقراء. رزق تتمنى لو ذاقه لسانك. وقد عمدت آنا ماري شمل في كتابها أن تورد النصوص الكاملة لما رآه الشعراء المتصوفة في عيسى، وذلك لإبراز صورة السيد المسيح الموقرة لدى المسلمين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد