لايزال الأمر موضع البحث والدراسة، ولايزال أمام العلماء الكثير من الدراسات التي يقوموا به لإيجاد الدليل النهائي والقاطع للأمر، لكن ما تم اكتشافه حتى الان قد يؤكد النظرية القديمة القائلة بأن تاريخ الجزيرة العربية يعود إلى مملكة يهودية حكمت المنطقة في السابق.

لا يزال الأمر موضع البحث والدراسة، ولا يزال أمام العلماء الكثير من الدراسات التي يقومون به لإيجاد الدليل النهائي والقاطع للأمر، لكن ما اكتُشف حتى الآن، قد يؤكد النظرية القديمة القائلة بأن تاريخ الجزيرة العربية يعود إلى مملكة يهودية حكمت المنطقة في السابق.

البدايات: أوّل نصوص عربية مكتوبة

يوم 31 يوليو (تموز) 2014، وبتمويل من وزارة الشؤون الخارجية والتنمية الدولية السعودية، حقق فريق سعودي فرنسي من علماء الآثار كشفًا علميًّا كبيرًا خلال عمليات بحث في منطقة تبعد 100 كيلومتر شمال مدينة نجران السعودية، بالقرب من الحدود اليمنية.

البروفيسور فريدريك إمبير، الأستاذ في جامعة إيكس مرسيليا والعضو في فريق البحث، أعلن عن اكتشاف ما يعتقد أنه أقدم نقش بالأبجدية العربية في التاريخ. وكان أول ما أثار اهتمام هؤلاء العلماء هو أن النقوش التي كانت موجودة، كانت تمثل نصوصًا مختلطة بأبجدية تعرف باسم العربية النبطية، والتي تمثل أولى مراحل الكتابة باللغة العربية. في السابق كان ينظر لهذه الأبجدية على أنها مقتصرة على مناطق شمال الحجاز، وتحديدًا الشام وشبه جزيرة سيناء.

الأمر الثاني المثير للاهتمام، هو أن هذه النقوش كانت مؤرخة، الكتابة كان عليها تاريخ معين، وبعمليات حسابية مقارنة، اكتشف العلماء أن هذه التواريخ تعود للفترة بين 469 – 470 ميلادية. وبالتالي فإن هذه النصوص هي أقدم نصوص عربية مكتوبة وجدت حتى يومنا هذا، فقد كانت أقدم الكتابات المعروفة بالخط العربي تعود إلى فترة ما قبل ظهور الإسلام بحوالي 50 عامًا فقط. كما أنها تمثل إحدى أقدم الكتابات التي تبين الحلقة المفقودة بين الكتابة النبطية والكتابة العربية.

وقد وُجدت كمية من الكتابات المنقوشة على الحجر الرملي في الممرات الجبلية الواقعة حول منطقة «بئر حما»، هذه الممرات حفر المسافرون والمارون بها آلاف النقوش على حجارتها على مر آلاف السنين. وقد حمل اثنان من هذه النقوش إشارات إلى تاريخ ما في أحد التقاويم القديمة، التي كانت مستخدمة، وهي ما مكنت العلماء من معرفة تاريخ النقوش بحسابات بسيطة وسريعة.

البعد المسيحي واليهودي

صحيفة هآرتز الإسرائيلية، قالت إن الاكتشاف السابق، أُعلن عنه بـ«هدوء شديد جدًا»، مُضيفةً أن سياق هذه النصوص ربما يسبب الحرج والذعر بعض الشىء. ظهر هذا الأمر بالفعل في ذكر عدد من وسائل الإعلام الفرنسية والعربية للخبر بشكل مقتضب دون تفاصيل، باعتبار أن الاكتشاف يمثل الحلقة المفقودة بين اللغة العربية وبين اللغات القديمة التي كانت تسود المنطقة مثل الأبجدية النبطية.

وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، فإن مُعظم هذه الأخبار، رافقتها صور أرشيفية لمواقع أثرية، أو لنقوش أخرى قديمة، ما جعل الأمر يكاد يكون مستحيلًا أن نجد صورة فعلية للاكتشاف الجديد، أو أن نجد أي إشارة لمضمون المحتوى الخاص بالنقوش. موقع صحيفة لوموند الفرنسية ذكر الخبر بالفعل، لكن نقلًا عن بيان وزارة الخارجية السعودية.

في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قامت الأكاديمية الفرنسية للنقوش والآداب، والتي كانت أحد الداعمين لهذه الدراسة وما نتج عنها من اكتشافات، بنشر تقريرها النهائي والكامل عما اكتشفته البعثة في المملكة العربية السعودية. التقرير المكون من 100 صفحة كاملة، ظهر فيه صورة للنص العربي المنقوش على صخرة مستطيلة كبيرة.

المفاجأة هنا أن النص العربي ببساطة هو اسم لشخص يدعى «ثوبان بن مالك» متبوعًا بتاريخ. ويزين رأس هذه القطعة الصخرية نقش لصليب واضح، هذا الصليب له نفس الشكل والهيئة لرسومات الصلبان التي انتشرت خلال تلك الفترة بالفعل. هنا تقول هآرتز، إن هذا الاكتشاف بهذه الطريقة ربما يكون قد سبّب الذعر للمسؤولين السعوديين، لأنه ربط بين أصول الأبجدية العربية المستخدمة في كتابة القرآن الكريم، بسياق وإطار مسيحي قبل 150 عام من ظهور الإسلام.

وتضيف الصحيفة هنا أن الذعر ربما يكون قد ارتفعت حدته مع الإعلان، عن أن هذه النصوص، ليست تابعة للجماعة المسيحية التي انتشرت في شبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت وحسب، بل إن هذه النصوص مرتبطة بقصة مملكة يهودية قديمة سادت منطقة واسعة من اليمن والمملكة العربية السعودية.

يهود الجزيرة العربية

يهودية مملكة حمير

لم يكن سُكان الجزيرة العربية بدوًا فقط، إذ ظهرت على أطراف الجزيرة ممالك عدة، كانت من أبرزها مملكة حمير التي تأسست في القرن الثاني الميلادي جنوبًا عند اليمن. في القرن الرابع الميلادي تحولت هذه المملكة إلى قوة إقليمية تمكنت من غزو المناطق المجاورة لها، بما في ذلك المنطقة التي نشأت بها مملكة سبأ الشهيرة.

يشير هنا أحد الباحثين الذي شاركوا في الدراسة المذكورة، إلى أن معظم العلماء والمؤرخين يتفقون على أنه في عام 380 ميلادية، تحول القادة والنخب في مجتمع مملكة حمير إلى شكل من أشكال اليهودية. مملكة حمير كانت تتميز بتنوع ثقافي واسع، مما جعل حكامها ربما يفكرون في شيء يوحدها أمام الزحف المسيحي المتمثل في البيزنطيين والإثيوبيين، بالإضافة إلى الإمبراطورية الزردشتية الموجودة في بلاد فارس، هذا الشيء كان اليهودية في ذلك الوقت.

العلماء لا يعرفون بدقة كم كانت نسبة انتشار اليهودية في مجتمع حمير، لكنهم متأكدون من أن العاصمة ظفر (جنوب العاصمة اليمنية صنعاء) كانت تدين باليهودية، والدليل على ذلك هو عدم وجود أي رسوم للآلهة الوثنية من النقوش والرسوم الملكية، الموجودة على مبانيها العامة، كما تم استبدال كتاباتهم التي تذكر الآلهة المتعددة بإله واحد لا غير.

وبالعودة إلى ما ذكرته الصحيفة الإسرائيلية، فإن الإله الواحد تم وصفه في العاصمة الحميرية بأنه «الرحمن» و«رب السماوات والأرض» و«إله إسرائيل» و«إله اليهود»، وذلك باستخدام لغة الصابئة المحلية. كما استُخدمت اللغة العبرية في بعض الحالات النادرة. أيضًا فإن صلوات شعب حمير غالبًا ما كانت تنتهي بكلمة «آمين».

ويبدو أن هذا الأمر قد أتى بثماره فعلًا، إذ توسعت المملكة على مدى قرن ونصف القرن في منطقة الجزيرة العربية، ومنطقة الخليج العربي والحجاز. الدليل على ذلك هو مجموعة من النقوش التي وجدها الباحثون، ليس فقط في منطقة «بئر حما»، ولكن بالقرب من العاصمة السعودية الرياض.

الممالك القديمة

ثوبان بن مالك

وقد لاحظ الباحثون أن اسم ثوبان قد تكرر مع أسماء مسيحية أخرى نحو ثمان مرات، فيما يبدو كطريقة لتخليد ذكراهم. ويذكر بعض المؤرخين المسيحيين أن المسيحيين من أهل نجران، قد عانوا من عمليات اضطهاد من قبل سكان مملكة حمير، في حدود عام 470 ميلادية. هذا التاريخ هو التاريخ المقابل لذلك الذي وجده الباحثون على النقوش العربية. عمليات الاضطهاد هذه هي التي ذكرها القرآن الكريم في قصة أصحاب الأخدود، وكيف أن ملوك حمير قد حفروا خندقًا أشعلوا فيه النيران وأخذوا يلقون المسيحيين فيه.

يعتقد الباحثون الفرنسيون، أن ثوبان ورفاقه المذكورين، هم شهداء مسيحيون قُتلوا في عمليات الاضطهاد هذه، وأنه قد تم اختيار اللغة العربية لذكرهم، بناءً على سببين، الأول هو أنها تخليد لذكراهم، والثاني هو أن الخط العربي سيمثل نوعًا من التحدي. وحتى نفهم الأمر فعلينا أن نعلم أن الأبجدية النبطية التي كانت موجودة قبل الإسلام، هي تلك التي استخدمها الأنباط، الذين قاموا ببناء مدينة البتراء الشهيرة وسيطروا على طرق التجارة في الشام ومنطقة شمال الجزيرة العربية. وفي نفس الوقت فإن الأبجدية الحميرية هي تلك التي كانت مستخدمة في جنوب الجزيرة العربية واليمن. وبالتالي فإن وجود كتابة نبطية في الجنوب هو أمر يدل على التحدي.

وذكر الباحثون الفرنسيون، أن وجود هذه الأبجدية في الجنوب، يدل بوضوح على ابتعاد عرب الجزيرة العربية عن مملكة حمير، وتسوية الخلافات مع باقي المنطقة العربية، بالإضافة إلى وجود حركة من الوحدة الثقافية بين العرب من نهر الفرات شمالًا وحتى منطقة نجران جنوبًا.

وفي عام 500 ميلادية، سقطت مملكة حمير في أيدي المسيحيين من مملكة أكسوم الإثيوبية بزعامة النجاشي. وقد حاول شخص متمرد يدعى «يوسف اليهودي»، قيادة تمرد أخير على الحاكم الذي عينه النجاشي، ومحاولة قتل الحامية الأكسومية التي عينها النجاشي، لينجح في ذلك بالفعل.

بعد ذلك قام بمحاصرة منطقة نجران التي رفضت في ذلك الوقت تزويده بالقوات، ليقوم بقتل بعض من سكانها المسيحيين. لكن هذا التصرف زاد من أعدائه وعجّل بردٍ سريع من الإثيوبيين. هذه القصة ذكرتها إحدى النقوش التي اكتشفتها البعثة عام 2014، والتي أوضحت رحلة يوسف مع 12 ألف من رجاله إلى الشمال، في محاولة لاستعادة مملكة حمير، لكن الإثيوبيين نجحوا بالفعل في محاصرته والقضاء عليه عام 525 ميلادية.

وتختلف الروايات هنا حول مصير يوسف اليهودي بين القتل أو الانتحار، لكن المؤكد هو أن مملكة حمير قد تحولت إلى المسيحية. وتشير النقوش إلى قصة الفيل الشهيرة، والمتعلقة بحاكم حمير المسيحي أبرهة، الذي قاد جيشًا باتجاه الحجاز وعلى رأسه فيل ضخم. أحد النقوش التي تعود إلى عام 522 ميلادية أشارت إلى غزو أبرهة لأماكن متعددة بينها يثرب (المدينة المنورة حاليًا).

عند هذا الحد بدأت صحيفة هآرتز بالتساؤل عن طبيعة اليهود الذي كانوا في مملكة حمير، أي نوع من اليهودية مارسوا؟ هل أكلوا الحلال؟ هل حافظوا على السبت؟ فقد أشار أحد الباحثين الفرنسيين اليهود، إلى أن ديانة ملوك حمير كانت نوعًا من التوحيد اليهودي، الذي تمسك بأدنى حد ممكن من مبادىء اليهودية.

لكن المشكلة هنا، هي أن النقوش الموجودة وبعض كتابات المؤرخين من الممكن أن تكون متحيزة ضد مملكة حمير، ما يعني أننا لا يمكن أن نؤكد طبيعة الديانة الحقيقية لملوك هذه المملكة. 

عرض التعليقات
تحميل المزيد