يحيل اسم اليهود المغاربة، إلى المغاربة الذين يعتنقون الديانة اليهودية، وكانوا يستقرون في المدن والقرى المغربية، قبل أن يهاجر معظمهم نحو إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ولا يزالون حتى اليوم يزورون بلدهم الأصلي بين الفينة والأخرى لزيارة معابدهم الأثرية الدينية ووطنهم الأصلي.

يعود الوجود اليهودي في المغرب، بحسب عديد من الدراسات، إلى عام 586 قبل الميلاد، حيث قدم بعض منهم إلى شمال إفريقيا، وهم المسمون بـ«المغوراشيم» أي اليهود الأصليون، ثم توالت بعد ذلك الهجرات اليهودية، لتبلغ ذروتها عام 1492، عندما طردت المماليك القشتالية المسلمين واليهود من الأندلس، ويطلق على هؤلاء تسمية «الطباشيرم».

ووصل عدد اليهود بالمغرب سنة 1940 إلى 250 ألف يهودي، ما نسبته 10% من مجموع السكان حينها، وكانوا يتوزعون على مدن مغربية مختلفة، كالدار البيضاء وفاس والصورة وشفشاون وتطوان، وأيضا في قرى بالمغرب الشرقي. حاليًا لم يتبق منهم سوى 10 آلاف يهودي، بعضهم يعيشون في المغرب بصفة دائمة، والبعض الآخر يستقرون بصفة ثانوية.

الأضرحة واليهود المغاربة

تملك الأضرحة جذورًا ضاربة في التاريخ المغربي، بحيث كانت لها امتداداتها الروحية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية في حياة الإنسان المغربي، وبالرغم من السياق المُعولم وعصر التحديث فإنه لا تزال بعض الأضرحة حتى الآن تلقى إقبالًا من قبل طائفة من المغاربة، وبعض الأجانب، بغرض حل مشاكلهم الاجتماعية والنفسية والجنسية.

وبما أن اليهود المغاربة كانوا في فترة الفترات التاريخية مكونًا من مكونات المجتمع المغربي، بحيث اندمجوا داخل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فقد حدث تفاعل قوي بين مختلف طوائف المجتمع، وتشارك اليهود مع المسلمين ثقافة زيارة الأضرحة آنذاك.

يوجد حاليا نحو 36 معبد يهودي بالمغرب، من بقايا الآثار الدينية التي تركها اليهود المغاربة قبل هجرتهم، تتواجد في مدن وقرى مختلفة، عشرة منها تعتبر من المعابد النشطة بشكل منتظم، ويزورها سنويا آلاف اليهود من الجيل الثاني والثالث للمغاربة اليهود القادمين من إسرائيل وفرنسا وكندا وأمريكا.

بل إن هناك أضرحة يؤمها مسلمون ويهود للتبرك والعبادة، وهي سمة مغربية بامتياز. ما يحيل إلى حالة التعايش بين المسلمين واليهود داخل المجتمع المغربي قديما. إذ كان «الإسلام المغربي» و«اليهودية المغربية» أقرب ما يكون لبعضهما، حتى قال عن ذلك المؤرخ حاييم الزعفراني، إن «التقارب بين المسلمين واليهود لم يقتصر على العادات والتقاليد المشتركة، المتعلقة بالمأكل والمشرب والموسيقى واللباس، بل تعداها إلى ما هو روحي وعقائدي، وما هو مرتبط بممارسة السحر وكتابة الرقى؛ لطرد الشرور واستجلاب الأمن و البركة»، حيث انصهرت الشخصية المغربية بتنوعاتها الدينية لتبلور إنسانا مغربيا واحدا تتقاطع فيه شعائر الديانات وتقاليد الثقافات.

وعلى الرغم من أهمية ظاهرة المزارات المشتركة بين اليهود والمسلمين في المغرب، بيد أنها لم تلقَ البحث الكافي من قبل الدارسين، ولا نجد في هذا الموضوع سوى دراستين منشورتين، واحدة للكولونيل «فوانو» بعنوان «المزارات اليهودية الاسلامية بالمغرب»، صدرت سنة 1948 عن معهد الدراسات العليا المغربية، ودراسة أخرى عن «المركز الوطني للآداب»  بفرنسا للكاتب «أساشار بن عمي»، صدرت سنة 1990 بعنوان «طقس المزارات والأولياء اليهود المسلمين بالمغرب».

أبرز أضرحة التي يزورها اليهود بالمغرب

لا يزال اليهود حتى اليوم يزورون عددًا من الأضرحة في المغرب خلال المواسم، بعضها مشترك بين المسلمين وأخرى خاصة بالطائفة اليهودية، ولا تقتصر هذه الظاهرة على الطبقة الفقيرة من اليهود، وإنما يتعاطاها أيضا الأثرياء والمتعلمين من اليهود.

سيدي يحيى بن يونس

يوجد الضريح شرق مدينة وجدة المغربية بست كيلومترات، وهو أحد الأضرحة التي تجمع الديانات الثلاث، حيث يزوره اليهود والمسيحيون والمسلمون، وكل منهم يدعي الانتساب إليه. يذكر كتاب «طقوس الأضرحة والأولياء اليهود بالمغرب»، لمؤلفه اليهودي «بنعمي»، أن «الولي سيدي يحيى بنيونس، يعتبر واحدًا من بين 36 وليًا، يتصارع المسلمون و اليهود في امتلاكه». ويشتهر الضريح بأنه مقصدًا لعلاج العقم بالتبرك.

https://www.youtube.com/watch?v=Zpn3By3sAD4

يعتقد المسلمون في حكاياتهم الشعبية أن «سيدي يحيى بن يونس»، كان معاصرًا للمسيح وتنبأ بقدوم الرسول، وكان مستقرًا في المقدس قبل أن يشد الرحال على ناقته نحو المغرب بعد أن أحس بالمرض. أما بالنسبة لليهود فيعتقدون أنه يهوديًا من قشتالة اسمه «ربي يحيى بن دوسة»، قصد مدينة وجدة بعد أن طرده المسيحيون من الأندلس، وعندما وصل المنطقة، ذات مساء أراد أن يتوضأ فاحتاج إلى الماء، فشق الأرض لتخرج عين جارية، وتوفته المنية قرب العين.

سيدي آبار

ضريح آخر متنازع عليه بين المسلمين واليهود المغاربة، يتواجد على مقربة من المقبرتين اليهودية والإسلامية بمدينة الراشدية في المغرب، ويزوره اليهود في يونيو من كل عام.

تحكي القصة الشعبية اليهودية، أن «ربي يحي للو» قدم قبل أزيد من 400 سنة من أورشليم، استقر بالسوق وكان عالمًا، وذات يوم أتاه يهوديان ليحكم بينهما في خلاف، ولما أصدر حكمه لصالح طرف، غضب اليهودي الآخر، وصباح اليوم التالي، عثر عليه ميتًا، ما أحزن الولي «ربي يحي للو»، وجعله يلزم الفراش حتى مات كمدًا. ومنذ ذلك الحين صار مزارًا لليهود للتبرك وطلب العفو لمن ارتكب خطيئة السرقة حتى لا تصيبه لعنة الولي.

مول الجبل لخضر

يوجد الضريح على طريق فاس قرب منطقة صفرو، وهو عبارة عن مغارة، لا أثر لأي قبر فيها، باستثناء لوحة رخامية قديمة مخطوطة بالعبرية.

يسمونه المسلمون «كف ليهودي»، تزوره النساء، ويغتسلن داخل المغارة طلبًا للأبناء. فيما يعتقد اليهود أن داخل المغارة قبر النبي «دانييل»، وبعضهم يقول إنه يعود إلى الحاخام «أمران بن ديبان»، الذي قدم من أورشليم إلى وزان، ثم تحول لمنطقة «كيف» في مدينة صفرو.

تنظم الزيارة خلال العاشر من كل شهر عبري، ويقام الموسم في 18 من شهر مارس (أذار)، الذي يتوافق مع مولد «ربي سمهون ولاد يوهان» دفين القدس. حيث تضاء المغارة خلال الاحتفالات وتقام الشعائر اليهودية داخلها.

ربي يحي بن يحي أو سيدي قاضي حاجة

يتموقع هذا الضريح بقصبة تادلة على الضفة اليمنى لنهر أم الربيع. يعتبره المسلمون وليًا دون أن ينفو يهوديته، وعادة ما ينظر الكل للأولياء المشتركين الكل باعتبارهم مباركين يوزعون بركتهم على الكل دون تمييز بين الديانات.

أما عن اليهود فيحكون عن ولي هذا الضريح، بأنه أحد الحاخامات الواسع العلم وصاحب كرامات، كان يدرس طلبة كثيرين، وفي يوم من الأيام اتفق عشرة طلبة مفضلين إليه، على خداع أستاذهم، حيث بتروا أثناء تلاوتهم لأحد النصوص المقدسة فقرة بكاملها، وهو ما فطن له أستاذهم، فطردهم وتنبأ لهم بعيشة منبوذة، ونفاهم من نسب اليهود. يزوره اليهود بغرض طلب الشفاء من الأمراض.

عمران بن ديوان

وهو أهم المعابد اليهودية بالمغرب، يرقد به الولي اليهودي عمران بن ديوان، ويقال إنه مات قبل قرنين ونصف. ويقع الضريح على مرتفعات وزان بحوالي 200 كيلومتر شمال الرباط، بمقبرة يهودية.

ويحج إليه أحيانًا آلاف اليهود من أوروبا وأمريكا وإسرائيل، في «الموسم»؛ للاحتفال بعيد «الهيلولة»، وهو احتفال ديني يعتبر بالنسبة لليهود المغاربة القادمين من أصقاع العالم، بمثابة حج سنوي لهم، يمارسون فيه طقوسهم الخاصة بالاحتفاء بأوليائهم.

ويؤمن اليهود المغاربة كمعظم مُسلميها ببركات الأولياء وكراماتهم، وقدرتهم على الشفاء وطرد النحس وجلب البركة والخير، ولا تختلف كثيرًا طقوسهم داخل الأضرحة، عمّا يحدث في أضرحة المسلمين بالمغرب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد