كثيرا ما نتابع على شاشات الفضائيات العديد من المحللين العرب وهم يتناولون إسرائيل وطبيعتها بالشرح والتحليل، دون أن يحاول أغلبهم دراسة حقيقة المجتمع الإسرائيلي من الداخل بشكل علمي ومفصل، وفهم بنيته ومركباته والتناقضات التي تعصف بمكوناته المختلفة.

في هذا التقرير سنضع بين أيديكم أهم النتائج التي كشفتها دراسة موسعة أجراها معهد «بيو» الأمريكي على المجتمع الإسرائيلي، والتي خلالها قابل باحثو المركز عينة مكونة من 5601 شخص، وسألوهم بشكل موسع حول قضايا الهوية والدين والصراع العربي الإسرائيلي. وقد أدت نتائج الدراسة المذكورة، التي نشرت صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية ملخصًا لها، لتحدث ما يشبه زلزالا في الرأي العام الإسرائيلي الداخلي، لأنها لم تعكس فقط الفجوات الكبيرة والمتوقعة القائمة بين اليهود والعرب في إسرائيل، بل وأيضا تلك الموجودة بين المستعمرين اليهود أنفسهم.

دعونا فيما يلي نقدم لكم أبرز ما أظهرته نتائج الدراسة في الحقول المختلفة التي تناولتها، مذكرين أن هذه الدراسة تعد الأولى من نوعها في تاريخ الدولة العبرية منذ نشأتها من حيث السعة والدقة.

 

1- الفسيفساء الديني في إسرائيل

 

كشفت الدراسة أن نسبة سكان إسرائيل من اليهود تبلغ 81% مقابل 19% من العرب، ويتوزع اليهود من حيث موقفهم من الدين وموقعه في الحياة  لـ40% علمانيين يؤمنون بفصل الدين عن الدولة، و41% تقليدين (أي  الذين يمارسون بعض الفروض الدينية ويستخدمون بعض الرموز الدينية دون أن يكونوا ملتزمين تماما بفروض الدين)، و28% من الحريديم أو الأرثوذكس (أي اليهود الملتزمين تماما بفروض الشريعة اليهودية ويعيشون وفقها)، و8% ممن عرفوا أنفسهم بوصفهم متدينين دون أن يصنفوا أنفسهم مع أي فئة.

أما العرب فينقسمون من الناحية الدينية وفق الدراسة، إلى 14% مسلمين سنة، و2% من الطائفة الدرزية، و2% من المسيحيين. وتبين الدراسة أن عدد العرب ازداد مقارنة بما كان عليه بعد عمليات التطهير الإثني والطرد الجماعي التي حدثت لهم على يد العصابات الصهيونية في عام 1948 عندما احتل الصهاينة فلسطين، حيث إنهم كانوا 9% آنذاك من مجمل السكان، في حين أن نسبتهم وصلت الآن لـ18%، وفي مقابل ذلك انخفض عدد اليهود من 90% من مجمل السكان عام 1948 لـ75% حاليا.

وتشير الدراسة أيضا أن تحولات حدثت داخل بنية المعسكر اليهودي نفسه، حيث إن عدد الشباب اليهود الأرثوذكس الملتزمين بالدين حرفيا قد ارتفع من 16% عام 2002 ليصل إلى 19% من عموم السكان عام 2013، مقابل انخفاض نسبة من هم ليسوا من الأرثوذكس من 84% ل80% في ذات السنوات. وقد حدثت هذه الزيادة من خلال انتقال العديد من الشباب اليهود التقليدين لصفوف الأرثوذكس، بينما حافظ شباب العلمانيين على ثبات نسبتهم في المجتمع خلال تلك السنوات، وتعزو الدراسة ذلك التغير أيضا لأسباب تتعلق بطبيعة حجم العائلة والإنجاب لدي كل طرف منهم، حيث إن 28% من الأرثوذكس ذكروا أن لديهم 7 أولاد فأكثر في حين أنه فقط 5% من المتدينين العاديين و2% من التقليدين و1% من العلمانيين من وصل إنجابهم لذات العدد.

وتذكر الدراسة أيضا تحولا حدث في نظرة اليهود المستوطنين الروس للإيمان بالله، حيث إن 55% من آباء هؤلاء المستوطنين الذين قدموا لإسرائيل قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، كانوا يؤمنون بوجود الله، بينما تظهر الدراسة أن النسبة قد ارتفعت في صفوف أبنائهم الآن والذين قال 70% أنهم يؤمنون بوجود الله.

هذا وتنعكس هذه التركيبة الفسيفسائية للانتماءات الدينية اليهودية في إسرائيل على شكل تناقضات تنشب بين المتدينين والعلمانيين في كثير من مجلات الحياة مثل موضوع رفض العلمانيين الالتزام بعدم الحركة أو ركوب المواصلات في يوم السبت المقدس دينيا  في الديانة اليهودية، مقابل مطالبة اليهود الأرثوذكس بإيقاف المواصلات في هذا اليوم، كما أن نسبة 62% من اليهود الأرثوذكس تفضل الفصل بين الرجال والنساء في وسائل المواصلات التي يستقلونها، في حين يرفض 93% من العلمانيين ذلك حتى لو اقتصر الأمر على وسائل المواصلات التي يستقلها المتدينون، وذات الصراع بين الطرفين يظهر في ميدان الزواج، والذي يرفض اليهود المتدينين إحداث أي تغير فيه ويصرون على بقائه زواجا دينيا أرثوذكسيا تقليديا وفق الشريعة اليهودية وبين اليهود فقط، بينما يطالب كثير من العلمانيين بالسماح أيضا لرجال الدين الإصلاحين والمعتدلين أيضا بتزويج السكان، وذلك لأنهم أكثر تساهلا في تفسير الدين والشريعة.

2- تناقضات الهوية بين اليهودي والإسرائيلي

 

فيما يتعلق بالهوية وتعريف الذات والدولة، فقد أظهرت الدراسة أن اليهود العلمانيين في إسرائيل ينظرون لهويتهم اليهودية باعتبارها أصلا وثقافة وليس دينا، بل إن 40% منهم أعلنوا أنهم لا يؤمنون بالله، وهذا بعكس اليهود المتدينين بأنواعهم المذكورة والذين يعتبرون اليهودية دينا قبل كل شيء، وهو الأمر الذي يشكل تناقضا في فهم الهوية اليهودية بين الطرفين، ينسحب بدوره على ميادين أخرى مثل العلاقة بين القانون والشريعة اليهودية، فوفق الدراسة يريد 86% من اليهود الأرثوذكس و69% من اليهود المتدنين عموما دولة تحكم فيها الشريعة مقابل 90% من اليهود العلمانيين الذين يرفضون ذلك، والذين أيضا يرى منهم قرابة  الـ89%  أنَّ القانون له مرتبة أعلى من الشريعة اليهودية وهو من يجب أن يحكم الدولة، وبناء على ذلك فإنهم يعرفون أنفسهم باعتبارهم إسرائيليين وليسوا يهودا، بعكس المتدينين والذين تري أيضا نسبة 89% منهم أن الشريعة اليهودية مقدمة على القانون الوضعي وهي من يجب أن تحكم إسرائيل، وبالتالي  فإنهم يعرفون أنفسهم بوصفهم يهود قبل كل شيء.

إن التناقض والفجوة واضمحلال المشترك بين الطرفين العلماني والمتدين  فيما يتعلق بالهوية وتعريف الذات برز بشكل كبير عند سؤال اليهود العلمانيين حول ما إذا كانوا يتقبلون فكرة أن يتزوج أحد أبنائهم أو بناتهم بأشخاص من اليهود الأرثوذكس الحريديم، فكانت النتيجة أنهم يفضلون أن يتزوج ابنهم أو بنتهم من شخص مسيحي على أن يتزوجوا من يهودي أو يهودية من شديدي التدين.

أظهرت الدراسة أن العنصرية تتعاظم في المجتمع الإسرائيلي إزاء العرب والفلسطينيين، حيث صرحت نسبة 48% من الإسرائيليين بشكل عام أنهم مع طرد الفلسطينيين بالقوة من كل فلسطين، وهو الأمر الذي ارتفع بشدة في صفوف المتدينين تحديدا والتي طالبت نسبة 71% منهم بذلك مقابل ثلث العلمانيين تقريبا.

أما فيما يتعلق بما يسمى بالدولة اليهودية الديمقراطية (وهو تعريف يطلقه الصهاينة على إسرائيل) وقدرة إسرائيل على العيش في هذا التناقض بين هويتها اليهودية البحتة وادعائها الديمقراطية إزاء من يعيش داخلها، فان أغلب اليهود بكل انتماءاتهم، أكدوا أن إسرائيل قادرة على ذلك ويجب أن تبقى كذلك، بينما رفض64% من عموم العرب (الفلسطينيين الذي لم تنجح إسرائيل لأسباب مختلفة بتهجيرهم خلال النكبة) هذا التعريف بواقع 63% من المسلمين و72% من المسيحين و58% من الدروز. إضافة لذلك  بينت الدراسة أن 79% من العرب في إسرائيل يعتبرون أنفسهم  مضطهدين بواسطة الدولة المحكومة من قبل اليهود.

كما عكست الدراسة درجة عالية من انعدام ثقة اليهود في العالم وسكانه، حيث ادعى ما نسبته  76% منهم أن ما يسمى باللاسامية ما زالت موجودة بين شعوب الأرض، وأيد قرابة 91% منهم ضرورة بقاء إسرائيل والحفاظ عليها لأجل الحفاظ على ما دعوه  بالشعب اليهودي وفق ادعاءاتهم.

وأخيرًا أظهرت معطيات الدراسة طبيعة الاصطفافات الدينية السياسية في المجتمع الإسرائيلي، حيث تتمفصل الهوية الدينية والسياسية سويا بشكل يفسر عدم إمكانية حدوث تغيرات كبيرة في هوية من يحكم إسرائيل، فقد قال ما نسبته 56% من المتدينين أنهم يفضلون التصويت لأحزاب اليمين الإسرائيلي، بينما يمنح ما تبقى منهم 41% أصواته للأحزاب الموجودة في مركز الخارطة السياسية والأيديولوجية، أما العلمانيون فإنَّ ما نسبته 62% منهم يصوتون لأحزاب المركز مقابل 14% فقط من يصوتون لأحزاب اليسار الصهيوني.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد