طفى على السطح مؤخرًا مصطلح” يهودية الدولة” أو “يهودية إسرائيل”, رغم أن هذا المفهوم بات يتردد على ألسنة عدد من المسئولين الإسرائيليين منذ عقد من الزمن، ويشغل اهتمام وسائل الإعلام، ويحتل حيّزًا في أوساط الباحثين والأكاديميين.

ويبدو أن المؤسسة الإسرائيلية تسعى إلى ترسيخ فكرة يهودية الدولة عبر إصدار مزيد من القوانين التي من شأنها انتزاع مساحات جديدة من الأرض الفلسطينية وتهويدها من جهة، وتهيئة الظروف الجارية في المنطقة العربية والإقليمية للإخلال بالواقع الديمغرافي لصالح اليهود.

تحاول إسرائيل ومنذ تأسيسها لتجعل من نفسها “دولة قومية للشعب اليهودي” في العالم، وعبر سنوات بنائها حاولت التخلص أو تحجيم الوجود العربي الفلسطيني في المدن الإسرائيلية المختلطة وغير المختلطة، وكانت البداية بطرد ما يقارب 800 ألف فلسطيني من الداخل عند إعلان قيامها عام 1948، واستمرت على نفس النهج خلال السنوات الماضية.

ومع بدء جولات التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية والتي تكللت في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، كان الهدف الرئيسي للحكومة الإسرائيلية آنذاك برئاسة “إسحق شامير” بأن تفصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين، وتكريس مفهوم “يهودية الدولة” من خلال رفضهم التعاطي مع حق العودة والإعلان عن القدس المحتلة عاصمة يهودية لها، ليتبين فيما بعد وجود رؤية أبعد من ذلك، تتجلى من خلال التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية وابتلاع الأراضي الفلسطينية، والذي ما زال يجري حتى اللحظة على قدم وساق.

ركيزة أساسية

مستوطنان إسرائيليان حول باحات المسجد الأقصى

اليوم وبعد أكثر من 60 عامًا على قيام المؤسسة الإسرائيلية، يصر قادة الاحتلال على شرط مُسبق للمضي قدمًا في المفاوضات الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية والمتعثرة من حين لآخر، وهو ضرورة اعترافها وإقناع الدول العربية بالاعتراف بـ”إسرائيل كدولة يهودية”.

فكرة يهودية الدولة كانت دائمًا إحدى ركائز الفكر الصهيوني، وبغض النظر عن أن درجة هذه اليهودية وبعض مضامينها قد كانت مثار جدل بين تيارات معينة في الحركة الصهيونية، فإن هذا الزخم الكبير لهذه المقولة المتجددة ينطوي على أبعاد هامة وجوهرية.

وفي المقدمة منها نفحات عنصرية ضد الأقلية العربية داخل الخط الأخضر واللاجئين الفلسطينيين في أمكانهم المختلفة، سواء داخل فلسطين التاريخية أو في المنافي القريبة والبعيدة.

واتخذَ الكنيست الإسرائيلي عام 2003 قرارًا بضرورة تعميق فكرة يهودية الدولة وتعميمها على دول العالم ومحاولة انتزاع موقف فلسطيني فيما يتعلق بيهودية الدولة؛ حيث قدم مشروع القرار الأعضاء البرلمانيون لكتلة الليكود في الكنيست السابقة؛ وتمَّ تشريعه بعد التصويت عليه، وقد تضمن القرار أيضًا إشارات إلى أن الضفة الغربية وقطاع غزة ليست مناطق محتلة، لا من الناحية التاريخية، ولا من ناحية القانون الدولي، ولا بموجب الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل.

إسرائيل اكتشفت فجأة أن تعميم شعار يهودية الدولة هو الشعار الأنجع لإنهاء حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وتصفية وإزاحة الأساس القانوني لهذا الحق والحلم والأمل, خاصة وأنه بات المصطلح الذي يمثل جوهر ومضمون الغايات الأسمى والأهداف الكبرى لإسرائيل.

و”اكتشفت” إسرائيل فجأة أن تعميم شعار يهودية الدولة هو الشعار الأنجع لإنهاء حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم (ستة ملايين لاجئ فلسطيني في العام 2007)، وتصفية وإزاحة الأساس القانوني لهذا الحق والحلم والأمل من أجندة الأمم المتحدة بدايةً لشطب الحق الفلسطيني.

اضطهاد عرقي

إحدى التجمعات الاستيطانية في مدن الضفة المحتلة

ويشار إلى أن الرفض الفلسطيني لفكرة يهودية الدولة الإسرائيلية جاء انطلاقًا من أن الاعتراف بيهودية إسرائيل يغلق الباب أمام حق العودة للاجئين الفلسطينيين ويساعد من جهة أخرى في تنفيذ سياسة اضطهاد عرقي بحق الأقلية العربية داخل الخط الأخضر.

وكانت غالبية البحوث والمقالات التي تصدت لفكرة ومصطلح يهودية إسرائيل قد ركزت على تداعيات المصطلح، فيما لو تم تعميمه وتطبيقه على مستقبل الأقلية العربية في إسرائيل، وعلى اللاجئين الفلسطينيين، ومستقبل القرار 194، ولم يتم إلقاء الضوء لا من قريب ولا من بعيد على البعد الإستراتيجي لتلك الفكرة، والمتمثل أساسًا في تهيئة الظروف لجذب مزيد من يهود العالم إلى فلسطين المحتلة.

ويؤكد باحثون أن تراجع سيل الهجرة اليهودية يكمن في سببين، أولهما هو تراجع عوامل طرد اليهود من بلادهم الأصلية، وثانيهما عدم وجود عوامل جذب محلية قوية.

وفي الموضوع نفسه، أكد المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي تراجع أعداد الهجرة اليهودية من 70 ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين المحتلة خلال عقد التسعينات من القرن الماضي إلى 22 ألف مهاجر فقط خلال العام الماضي 2013.

وذكر المكتب أنه خلال الفترة بين السنوات 2000 و2014 تم عقد اثني عشر مؤتمرًا إستراتيجيًّا في هرتزيليا، إضافة إلى مؤتمرات وندوات إستراتيجية في مراكز البحث الإسرائيلية الجامعية× حيث شدد المؤتمرون في توصياتهم على ضرورة إعطاء الهجرة اليهودية إلى الأراضي العربية المحتلة أهمية فائقة نظرًا لتراجع موجات الهجرة اليهودية بعد عام 2000، في مقابل النمو الطبيعي المرتفع بين العرب سواء داخل المناطق المحتلة في عام 1948 أو في الضفة الغربية وقطاع غزة.

والجدير ذكره، أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة تعتبر حجر الزاوية لاستمرار إسرائيل كدولة غير طبيعية؛ حيث للعنصر البشري اليهودي دور محوري في ذلك، حتى إن الدارسات الإسرائيلية تنوه إلى أن الحركة الصهيونية استطاعت جذب نحو 650 ألف مهاجر يهودي حتى أيار (مايو) 1948.

أزمة الهجرة

مجموعة من اليهود يؤدون شعائرهم

وبعد إنشاء دولة إسرائيل، عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على اجتذاب مهاجرين جدد من يهود العالم، فاستطاعت جذب نحو أربعة ملايين يهودي خلال الفترة 1948-2014، بيد أنه هاجر من فلسطين المحتلة نحو 20 %، منهم نتيجة عدم قدرتهم على التلائم مع ظروف مختلفة عن بلد المنشأ في أوروبا والولايات المتحدة وغيرها من دول العالم، وتعتبر الفترة 1948-1960 وكذلك الفترة 1990-2000 من الفترات الذهبية لجذب مهاجرين يهود.

وساهمت الهجرة خلال الفترتين بنحو 65 % من إجمالي الزيادة اليهودية، وبنتيجة محددات النمو السكاني وصل مجموع اليهود إلى نحو 6 ملايين يهودي في بداية العام الحالي 2014، يشكلون حوالي 46% من إجمالي يهود العالم والبالغ عددهم 13 مليون يهودي.

لكن ثمة دراسات أشارت إلى أن هناك أربعمائة ألف يهودي إسرائيلي لن يعودوا إلى إسرائيل، لا سيما أن غالبيتهم يحملون جنسيات دول أخرى في العالم وبخاصة الأمريكية والأوروبية منها, وتبعًا لأزمة الهجرة اليهودية، بفعل تراجع العوامل الجاذبة.

وستسعى المؤسسة الإسرائيلية بالتعاون والتنسيق مع الوكالة اليهودية إلى تمويل حملة كبيرة ومنظمة لجذب نحو 200 ألف من الأرجنتين، وعدة آلاف من يهود الفلاشا في إثيوبيا، فضلاً عن محاولات حثيثة لاجتذاب نحو 80 ألفًا من يهود الهند وجنوب إفريقيا، لكن في حال فتحت أبواب هجرة يهود أوروبا وأمريكا الشمالية في حدودها الدنيا بسبب انعدام عوامل الطرد منها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد