قررت مجموعةٌ من النخب الأوروبية اليهوديّة أن تبدأ مشروع البحث عن وطن قومي لليهود وفقط، ووقع اختيارهم على فلسطين الواقعة تحت الحكم العثماني آنذاك، ونشطت هذه الحركة سياسيًا بقيادة ثيودور هرتزل، أبي الصهيونية الذي عملَ صحافيًا، وكان لا يعرف العبرية، ومن ورائه مجموعة من السياسيين اليهود والأثرياء النافذين مثل عائلة روتشيلد في أوروبا ذلك الوقت.

وضعت هذه النخبة الأساس الفكري والغطاء الأيدولوجي للعنف الصهيوني الذي انتهى باحتلال فلسطين وبالتهجير القسري وبالتطهير العرقي ضدّ الفلسطينيين، وفي داخل الصهيونية تيارات مختلفة، استغلّت وعدًا توراتيًا كأساس لفكرتهم التوسعية والإحلالية، بغطاء ديني يهودي يجمع حولهم يهود العالم.

وتظافرت عدة عوامل لتساهم في قيام المشروع الصهيوني. أولًا العامل السياسي، باحتلال بريطانيا لفلسطين بعد انتصار محورها في الحرب العالمية الأولى وهزيمة العثمانيين ليكون قرار القدس في لندن التي منحت المشروع الصهيوني وعد بلفور الشهير والمعروف بـ«وعد من لا يملك لمن لا يستحق». وسهّل الاستعمار البريطاني تدفق الهجرات اليهودية المتتالية من أوروبا ودول أخرى حول العالم إلى فلسطين، وسهّل تمرير السلاح للمهاجرين وعصاباتهم المسلحة، صعودًا حتى عام 1948، وإعلان تقسيم فلسطين، وقيام إسرائيل إثرَ النكبة، وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين.

هذا المسار الذي دفع به المشروع الصهيوني، لربط اليهودية بالصهيونية، كان من أهدافه أن تكون الصهيونية، ووليدتها إسرائيل، هي الممثل الوحيد والشرعي ليهود العالم، وهو ما توظّفه إسرائيل اليوم سلاحًا ضد منتقديها، مروجةً لنظرية أن من يعادي إسرائيل وينتقدها فهو معادٍ لليهودية وللسامية. ومن هذا المسار التاريخي الموجز نرى أن اليهودية كدين يمكن فصلها في بعض الحالات عن الصهيونية كمشروع سياسي استعماري واستيطاني. وفي هذا التقرير نستعرضُ تيّارات ورموزًا من أصول يهودية مُعارضين لإسرائيل وللصهيونية.

«ناطوري كارتا».. طائفة يهودية تعادي إسرائيل

جماعة ناطوري كارتا هي جماعة دينية تتبعُ لطائفة الحريديم اليهودية، نشأت عام 1938 في القدس أيام الانتداب البريطاني، وهم يعارضون المشروع الصهيوني ودولة إسرائيل، ويطالبون بالتفكيك السلمي لها إيمانًا منهم بأن اليهود مُعاقبون من الله وكُتب عليهم الشتات في الأرض، وعليه فهم ممنوعون من بناء دولة خاصة بهم حتى مجيء «المشيا»، المخلص اليهودي، ولذا يرون أنّ الكيان الصهيوني بمثابة عصيان لله، وقلّة تقوى وإيمان من جانب المشاركين فى إسرائيل أو الداعمين له.

ولأن الشىء بالشىء يذكر، فالحريديم من أكثر الطوائف اليهودية تشددًا والتزامًا بأحكام الشريعة اليهودية، ويحافظون بانضباط على طقوس يوم السبت، ونظرًا لصعوبة التشكيك فى يهوديتهم أو اتهامهم بتهم مثل معاداة السامية، وعادةً ما يوصف أبناء الطائفة في الدوائر الغربية المؤيدة لإسرائيل والداعمة لها، إما بأنهم أكثر اليهود بعدًا عن اليهودية، أو حتى بأنهم «اليهود الكارهون لأنفسهم»، في إشارةٍ لتماهي الصهيونية كأيديولوجية مع اليهودية كديانة.

يُظهر المقطع السابق المصورة مشاهد لأعضاء من ناطوري كارتا في العاصمة البريطانية لندن، وهم يحرقون علم إسرائيل في عام 2016، وبينما تصرّح جماعة ناطوري كارتا عن عدم وجود إحصاء دقيق لأعضائها، فإن المكتبة اليهودية المرئية تعدهم بحوالي 5 آلاف عضو على أقصى تقدير.

منظمة يهودية ضد الصهيونية:”هل الصهيونية مثل النازيين”؟

تأسست «الشبكة اليهودية الدولية لمناهضة الصهيونية» عامَ 2008 على يد سارة كريشنار، الناشطة الحقوقية اليهودية الأمريكية، مع مجموعة أخرى من النشطاء الحقوقيين والصحافيين اليهود، وهي شبكة دولية من اليهود المناصرين للقضية الفلسطينية، وتعلن المنظمة التزامها بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بحسب النص التأسيسي للجمعية.

سياسة

منذ 3 سنوات
أن ترتدي «الكوفية» في أمريكا.. تعرّف إلى أشهر الأصوات المدافعة عن فلسطين في الغرب

وتؤيد المنظَّمة حق الشعب الفلسطينى في تقرير مصيره والحق في مقاومة الاحتلال كيفما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وتعتبر المنظمة أن المقاومة الفلسطينية وقواعدها الشعبية محوريةً فى طريق هذا النضال الطويل. وأثناء قصف قوات الاحتلال لمدينة غزة في حرب عام 2008، تظاهر ستة أعضاء من المنظمة وقيّدوا أنفسهم بالسلاسل أمام أبواب القنصلية الإسرائيلية في لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا الأمريكية مُغلقين القنصلية، وشارك حوالي 40 عضوًا آخرين فى احتجاج مماثل في نفس الوقت أمام السفارة الإسرائيلية في لندن.

وفي 2011 كانت المنظمة واحدةً من أنشط المنظمات الحقوقية الأمريكية التى دشّنت حملة تعريفية بالمذابح الإسرائيلية بحقّ الفلسطينيين، في جولة طافت بـ13 مدينة أمريكية، وقارن أعضاء المنظمة أفعال الجيش الإسرائيلي بأفعال النازيين، وتعرّضت على أثر ذلك لضغوط من جماعة يهودية أمريكية أخرى ولكن مؤيدة لإسرائيل، بحسب ما تنقل صحيفة «جيروزاليم بوست».

تجدر الإشارة إلى أن أحد أبرز أعضاء المنظمة هو هاجو ماير، عالم الفيزياء اليهودي والناجي من معسكر أوشفيتز النازي، وقد شارك كمتحدث رئيس في إحدى جولات المنظمة بالمملكة المتحدة وأيرلندا للتوعية ضد المجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين.

نورمان فينكلشتاين: «صناعة الهولوكوست»

نورمان جاري فينكلشتاين هو أستاذ علوم سياسة أمريكي، من عائلة يهودية ووالداه ناجيان من محارق النازية؛ ما سمح له بمناقشة قضايا محرّمة، مثل حجم وحقيقة الهولوكوست وتبعاته السياسية القائمة حتى اليوم، وتظهر مواقفه في عنوان كتابه الشهير: «صناعة الهولوكوست: تأملات حول استغلال معاناة اليهود».

وعرف عنه مساندته للقضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين بالعودة، إلا أن الهولوكوست أكثر ما أثار الجدل حول الرجل. إذ يرفض ما أسماه «اختلاق الهولوكوست» على يد الصهيونية، ويرفض مفهوم «الأمة اليهودية»، ورفضَ استغلال إسرائيل للهولوكوست للتأثير على صناع القرار في أوروبا وأمريكا فيما لجذب الدعم لإسرائيل، ولتبرير المذابح والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين.

في 2007، وبعد جدال أكاديمي حول القضية الفلسطينية، حظي بتغطية إعلامية واسعة، بين فينكلشتاين وآلان ديرشفتز، الأكاديمي والقانوني الأمريكي المؤيد لإسرائيل، أعلن فينكلشتاين استقالته من منصبه من جامعته، بعد التوصل لتسوية مع إدارتها، دون إفصاحه عن شروط التسوية، وصدر بيان رسمي منها يدافع بقوة عن قرار حرمان فينكلشتاين من منصبه مؤكدًا أنه لم يكن هناك ثمة دور لأي تأثير خارجي على ذلك القرار.

وفي وقتٍ لاحق قال فينكلشتاين: إن «إنكار الهولوكوست يجب أن يدرّس في الجامعة، ويفضل أن يتم تدريسه من قبل أحد منكري الهولوكوست» ويضيف:«منكرو الهولوكوست يؤدون الوظيفة المفيدة المتمثلة في اكتشاف الأخطاء» المتعلقة بحدث الهولوكوست.

نعوم تشومسكي

نعوم تشومسكي، مفكرٌ أمريكي ولد لعائلة يهودية مهاجرة للولايات المتحدة، تحصّل على الدكتوراة في علم اللغويات عام 1955، وألّف أكثر من 150 كتابًا تناولت موضوعات عدة مثل اللغويات والحرب والسياسة ووسائل الإعلام ودورها في التأثير على الجماهير.

لتشومسكي مواقف ناقدة ضدّ السياسات الأمريكية والإسرائيلية، ويعارض الدعم الأمريكي الكبير لإسرائيل، وفى إحدى محاضراته التى عقدت في الولايات المتحدة عام 2010، تحدث تشومسكي منتقدًا ما أسماه «سياسة إسرائيل المتصاعدة للفصل العنصري»، مؤكدًا أنه يعتقد أنها أسوأ من سياسة الفصل العنصري التي كانت في جنوب أفريقيا، وكالعادة ندّد بأفعال إسرائيل في الضفة الغربية والقدس الشرقية وخاصة غزة، مشيرًا إلى «المذابح» في غزة وجهود إسرائيل، بتواطؤ الولايات المتحدة، لقمع الاحتجاج وحرية الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وتحدث تشومسكي كثيرًا فى موضوع الفصل العنصري، ووصف الظروف المعيشية في غزة بأنها أسوأ من البانتوستانات، وهي مناطق الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ويرى أن تصرفات إسرائيل في غزة حملاتُ إبادة، وأن إسرائيل تصبح دولة منبوذة دوليًا بمرور الوقت، وتظلُّ الولايات المتحدة من أهم رعاتها.

إيلان بابيه: الصهيونية خططت لتهجير الفلسطينيين

إيلان بابيه هو مؤرخ إسرائيليّ درسَ في جامعة حيفا، ويعتبر من أبرز مؤيدي مقاطعة المؤسسات العلمية الإسرائيلية، وتعرض لضغط ونقد مستمر من التيارات الصهيونية والإسرائيلية المختلفة، بسبب تأييده الشديد لحقوق الفلسطينيين وبسبب أعماله الأكاديمية التي تُثبت أنّ تهجير الفلسطينيين عام 1948 كان عملًا متعمدًا ومخططًا له.

المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه

في بداية العام الماضي 2020، وضمن ندوة أقيمت لمناقشة كتابه «التطهير العرقي في فلسطين»، أكَّد بابيه أن الصهيونية خططت لتهجير الفلسطينيين من وطنهم في نكبة 1948 بالقتل والتهجير والترهيب، وفقًا لخطة موضوعة مسبقًا، مشيرًا إلى اجتماع عام 1934 للقيادة الصهيونية واتفقت فيه على التطهير العرقي، بحسب ما ورد في كتابه، ويردّ هذا الكتاب على الرواية الصهيونية بأن التهجير كان نتيجةً طبيعية لكل حرب وبسبب خوف العرب، مؤكدًا أن هناك نية مبيتة لتنفيذ ذلك.

وترفض وسائل الإعلام العبرية نشر مقالاته منذ صدور كتابه المذكور سلفًا، ومع تزايد الضغط عليه اضطر لترك عمله الأكاديمي في إسرائيل وخرج ليتابعه في بريطانيا. نشأ بابيه في منزل صهيوني تقليدي، وأدى الخدمة العسكرية في عمر 18 عامًا، ولكن دراسته للتاريخ في شبابه غيّرت موقفه من إسرائيل والمشروع الصهيوني ليصبح اليوم من أهم الأصوات العالمية المؤيدة للقضية.

فنّانون وكوميديون

في 2014 وقَّعت الممثلة الكوميدية سارة سيلفرمان عريضةً تؤيد العداون الإسرائيلي على غزة، وكان من ضمن الموقعين على تلك العريضة وقتها الممثل أرنولد شوازنجر، والممثل سلفستر ستالون، إلا أنّ سارة فاجأت متابعيها في عام 2018 بمساندتها لعهد التميمي، الفتاة الفلسطينية، وغيّرت محل إقامتها على حسابها الشخصي إلى «دولة فلسطين».

تهاجم سارة وسائل الإعلام الأمريكية التي تصور الحروب في غزة وبين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي باعتبارها حربًا بين يهود وفلسطينيين، وليس بين قوة عسكرية غاشمة وشعب أعزل، وتدعم سارة الفلسطينية الأمريكية المحجبة، تهاني عبوشي، في ترشحها لمنصب المدعي العام لنيويورك.

سيث روجن من الفناين اليهود الناقدين لإسرائيل، وهو كوميدي كندي قال إنه سمع «أكاذيب كثيرة» بشأن إسرائيل في صغره، وأن «محيطه اليهودي» لم يخبره أبدًا بأن فلسطينيين عاشوا في الأرض التي أقيمت عليها إسرائيل.

وأضاف روجن في البرنامج الإذاعي الذي يقدمه الممثل مارك مارون: «بصفتي شخصًا يهوديًا، لقّنت الكثير من الأكاذيب عن إسرائيل طيلة حياتي… لم يقولوا لي أبدًا إن أناسًا عاشوا هناك (فلسطين)، صوّروا الأمر وكأن الأبواب كانت مفتوحة».

وفي ردّه على سؤال المذيع، الذي ينحدر من أصول يهودية أيضًا، حول إمكانية الذهاب لإسرائيل والعيش فيها، قال روجن: «لا، لن أفعل»، ليجيبه المذيع قائلًا: «ولا أنا، كلامنا هذا سيغضب بعض اليهود بلا شك».

ومثلهم مقدم البرامج جون ستيورات، أمريكي من عائلة يهودية، وهو مقدّم برنامج «ذا ديلي شو» سابقًا. يعلّق ستيوارت على الشأن الإسرائيلي الفلسطيني ساخرًا بالقول: إن الشيء الوحيد الذي يتفق عليه كلا الحزبين السياسيين الأمريكيين، الجمهوري والديموقراطي، هو دعم قصف إسرائيل لغزة، حتى أنه سأل هيلاري كلينتون: «هل يمكننا على الأقل أن نتفق على أن الأزمة الإنسانية في غزة مهمة، وأن على العالم أن يفعل المزيد للأشخاص المحاصرين بسبب هذا الصراع؟».

مشهد من برنامج جون ستيوارت ينتقد فيه إدارة باراك أوباما وموقفها من إسرائيل

وهناك شخصية يهودية أخرى فريدة من نوعها، هو إيلان هاليفي، الصحافي والكاتب ورجل السياسة اليهودي الفلسطيني والفرنسي، وُلد في فرنسا عام 1943 والتحقَ بمنظمة التحرير الفلسطينية، ويصف نفسه بأنه «100% يهودي و100% عربي».

المصادر

تحميل المزيد