لا يخفى على أحد أن المنظمات اليهودية – عقب احتلال فلسطين عام 48- هي من عملت على إغراء اليهود في الدول العربية من أجل الهجرة للكيان المحتل، إلا أن هذه المنظمات تعمل الآن من أجل التأكيد على أن وصول اليهود إلى دولة الاحتلال كان بسبب تهجيرهم وطردهم وسرقتهم في الدول العربية.

بل زادت وتيرة العمل من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي من أجل فتح ملفات التعويض لليهود من أصول عربية وغربية، حتى أصبح هناك تيار سياسي تتبناه الجاليات اليهودية للمطالبة بتلك الحقوق، وهذه التحركات التي لا تخرج عن إطار المصالح الإستراتيجيّة العليا لدولة الاحتلال.

“ساسة بوست” في التقرير التالي يتساءل عن جهد دولة الاحتلال في انتزاع التعويضات لليهود، ويتساءل هل الدوافع وراء ذلك تقف عند حدود المال؟

كيف انتزع يهود أمريكيون تعويضات من البنك العربي؟

رغم أنه نفى التمويل المتعمد إلى الحركتين (الجهاد الإسلامي، وحماس)، إلا أن البنك العربي سيضطر بعد نزع حكم نوعي إلى دفع بليون دولار كتعويضات للمئات من عوائل قتلى إسرائيليين أصيبوا أو أصيب أقارب لهم في عمليات فدائية فلسطينية وقعت بين العامين 2001 و2004 في داخل الأراضي المحتلة عام 48 وغزة والضفة الغربية.

فمع بداية الانتفاضة الثانية، قاضى 300 يهودي يحمل جنسية أمريكية قتل أبناؤهم في دولة الاحتلال الإسرائيلي البنك العربي بتهمة تمويل حركة حماس لتنفيذ أنشطة “إرهابية”، ومرت تلك السنوات والبنك العربي يحاول أن يثبت أنه تم تحويل الأموال إلى حساب جمعية خيرية سعودية، وليس إلى حماس، لكن اليهود ادعوا أن تلك الجمعية كانت واجهة لحماس و11 تنظيمًا آخر صنفوا كـ”تنظيمات إرهابية”، واستطاعوا انتزاع حكم قضائيّ في سبتمبر 2014 من محكمة في بروكلين جنوب نيويورك، يقضى بأن البنك العربي “مذنب بتمويل حركتي المقاومة حماس والجهاد الإسلامي المدرجتين على لوائح الإرهاب الأمريكية”.

يذكر أن البنك العربي أسس في 1930 في القدس من قبل عائلة فلسطينية، ثم انتقل مقره إلى عمان عام 1948، ويملك البنك فروعًا في كافة أنحاء العالم.

كيف أثارت دولة الاحتلال الإسرائيلي قضية تعويض اليهود العرب مؤخرًا؟

أخذت دولة الاحتلال تثير قضية تعويضات 700 ألف يهودي من العراق، سوريا، مصر، ليبيا، ومن بقية الدول العربية، “طردوا أو هربوا بسبب التعامل الوحشي معهم، واضطروا لترك كل أملاكهم خلفهم لإنقاذ حياتهم” كما تقول مصادر إسرائيلية.

ومن أجل ذلك أقامت دولة الاحتلال في ديسمبر الماضي، مراسم لتخليد ذكرى ما يصفه اليهود بأنه يوم “طرد” لهم من الدول العربية تحت عنوان “يوم طرد وتشريد اليهود من الدول العربية وإيران”. وقال الرئيس الإسرائيلي رؤوبين ريفلين في هذا اليوم: “يجب أن تسرد هذه القصة في مضامين الجهاز التربوي، في الإعلام، في الأروقة الثقافية، وفي مؤسسات الدولة الرسمية، وينبغي أن تسمع قصتهم في الأوساط العالمية، من أجل تصحيح الغبن التاريخي وضمان تعويضات مالية”. كانت تلك القضية قد نالت في 10 فبراير 2010م، اعترافًا داخليًّا في دولة الاحتلال، حيث قام “الكنيست” الإسرائيلي، بسن “قانون الحفاظ على حق تعويض اللاجئين اليهود من الدول العربية وإيران”.

ويؤكد الخبير المالي الإسرائيلي، آدم رويتر لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية أنه يجب تعويض اليهود السفارديم والشرقيين، الذين عاشوا في المنطقة العربية والإسلامية، على مر العصور بمليارات الدولارات، نظير ممتلكاتهم التي تركوها في تلك البلدان.

وفي مصر، تؤكد دولة الاحتلال أنه في عام 1956، أي مع اندلاع حرب سيناء، طرد الكثير من اليهود المصريين، ولم يبق أحد منهم فيها، وتدعي دولة الاحتلال أن هؤلاء تركوا خلفهم بيوتًا، متاجر، وأملاكًا، وسلبت المجوهرات التي علقوها على أجسامهم، بل إن تجار الذهب تركوا كل ثروتهم وأملاكهم، ولم يسمح لهم بأخذ أكثر من حقيبة واحدة معهم.

وفي عام 2004، تم فتح ملف تعويض الليبيين اليهود عما فقدوه من ممتلكات عند الهجرة من ليبيا، بل إن النظام الليبي المتمثل في معمر القذافي الراحل آنذاك أعلن استعداده “للنظر في دفع مبالغ ماليّة لإنهاء خصومات تاريخية”.

أما المغرب، فالطمع الإسرائيلي في أن تدفع المغرب التعويضات كبيرٌ، نظرًا لأن المغرب لديها اقتصاد مستقر نسبيًّا، وذلك “عكس مصر التي تعتمد على مساعدات خارجية رغم أن مستوى معيشة اليهود في مصر كان أعلى مستوى مقارنة بالبلدان الأخرى“، كما تقول وسائل الإعلام الإسرائيلية.

ما هي دوافع دولة الاحتلال جراء إثارة قضايا التعويضات لليهود العرب؟

نجحت دولة الاحتلال بفرض قضية تعويض اللاجئين اليهود الذين تركوا بيوتهم في الدول العربية في اتفاق الإطار الأمريكي للتسوية، وتبنَّى مجلس النواب الأمريكي اقتراح الرئيس كلينتون في أبريل 2008م، ضمن “قرارٍ يقضي بوجوب الاعتراف باللاجئين اليهود كلاجئين بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة”، ومن ثم وجوب إنشاء صندوق دولي لتعويض اللاجئين اليهود والفلسطينيين عن فقدان ممتلكاتهم. وقضى قرارُ مجلس النوَّاب هذا الذي عرف بقرار مجلس النواب رقم 185 “بعدم حل قضية لاجئين واحدة دون حل مشكلة اللاجئين الثانية في الوقت نفسه”.

وتسعى دولة الاحتلال الإسرائيلي من خلال طرح هذه القضية إلى المقايضة من قبل الاحتلال بين تعويض لليهود الذين غادروا الوطن العربي من عام 1948 بحق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين. وكما يقول الباحث في العلاقات الدولية سلام الربضي: “يؤكّد هذا التّوجّه ما حدث في محادثات كامب ديفيد في تموز 2000، حيث خلق الرّئيس الأمريكي بيل كلينتون ربطًا مباشرًا، بين حقوق اللاجئين الفلسطينيين وحقوق اللاجئين اليهود الذين اضطرّوا إلى مغادرة دول عربية، ومن بينها العراق”، وتابع القول: “اقترح إنشاء صندوق دولي يعالج مطالب اللاجئين العرب واليهود، وذلك بهدف تهميش القرار 194 الذي يقضي بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم في أقرب فرصة ممكنة والتعويض عن الأضرار النفسيّة والماديّة التي لحقت بهم جرّاء طردهم من ديارهم مما يفتح الباب على مصراعيه أمام إسرائيل في تحقيق مصالحها المنبثقة عن ضعفها الديمغرافي والجغرافي”.

وهذا ما يتمثل في قول رئيس مركز دايان لأبحاث الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب “عوزي رابي” إن: “الأهمية الكبيرة للأمر هي حقيقة أنه تم طرح هذا الموضوع أساسًا. ليس فقط على نطاق الشرق الأوسط، بل أيضًا عالميًّا”. مضيفًا: “الاعتراف بمعاناة، اليهود الذين تركوا الدول العربية، إن كان أولئك الذين طردوا أو تركوا رغبة منهم وتركوا أملاكهم خلفهم. في نهاية الأمر يرتفع صوت من لم يطلق صوته من قبل، ومن هذه الناحية توجد هناك أهمية تتعدى رمزية القضية”.

 

ماذا عن تعويضات ألمانيا وفرنسا لدولة الاحتلال الإسرائيلي؟

 

في عام 1952، وقعت دولة الاحتلال الإسرائيلي وألمانيا اتفاقًا ينص بتحويل الحكومة الألمانية مبلغ 3 مليار مارك ألماني للدولة الاحتلال و450 مليون مارك للمنظمات يهودية. كتعويضات لثمانين ألف يهودي من ضحايا ما يسمى المحرقة اليهودية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، وضحايا ما يسمى بـ”هولوكست اليهود” عام 1952.

ومنذ ذاك الوقت وعلى فترات متقطعة والحكومة الألمانية تلتزم بمقتضى الاتفاقية التي وقعتها في سبتمبر 1952 لدولة الاحتلال الإسرائيلي باعتبارها “وارثة حقوق اليهود ضحايا المحرقة”. ووظفت إسرائيل هذه الأموال حينذاك في توطين المهاجرين اليهود القادمين إليها، ورغم أنه لا توجد إحصائيات رسمية حول قيمة التعويضات التي دفعتها ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن لليهود أفرادًا أو مؤسسات، إلا أن الحكومة الألمانية ذكرت في بيان مقتضب صدر في يونيو 2010 أن هذه التعويضات ناهزت 63 مليار يورو.

ومؤخرًا امتعضت دولة الاحتلال من قيام مكتب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بما أسمته “تأخيرًا متعمدًا” لعملية تنظيم دفعات التعويضات للناجين اليهود من المحرقة النازية المزعومة، وربطها ذلك بإعلان الاحتلال عن وقف البناء في المستوطنات.

وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أنه: “لا يجوز الربط بين قضية إنسانية مرتبطة بضحايا الجريمة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وقضية سياسية حول علاقة إسرائيل بجيرانها”.

لم تترك دولة الاحتلال أيضًا فرنسا، ونجحت بالفعل في نزع تعويضات منها إلى من قالت إنهم “عائلات ضحايا أمريكيين لمحرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية نقلتهم شركة سكك الحديد الفرنسية بين 1942 و1944″، فبعد عدد من اللقاءات غير الرسمية في 2013، قال محامي عائلات الضحايا ستيورات إيزنستات: “إن الحكومة الفرنسية بادرت بعد أكثر من سبعة عقود على انتهاء الحرب العالمية الثانية بخطوة تهدف إلى إنصاف الأمريكيين الذين تم ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال بقطارات الشركة الفرنسية”.

يذكر أن الشركة الوطنية لسكك الحديد الفرنسية قامت وبطلب من حكومة فيشي، بنقل 76 ألف يهودي في عربات مخصصة للبضائع عبر البلاد وإلى معسكرات الاعتقال بين 1942 و1944، واعترفت الشركة في 2011 بأنها كانت “من أدوات آلة القتل النازية”.

ما هي أبرز المؤسسات الإسرائيلية التي تقف وراء المطالبة بالتعويضات؟

منظمة التعويض اليهودي

تتكون هذه المنظمة من عدة منظمات يهودية، وتؤدي دورًا خطيرًا في إثارة قضية التعويضات لليهود، ومن أبرز أدوارها في التفاوض الرسمي مع الحكومة الألمانية حول تعويضات اليهود. يقع مقرها الرئيسي بمدينة نيويورك ولها فروع في برلين وفرانكفورت.

ووجهت إلى المنظمة اتهامات بالفساد من يهود وغير يهود، فقبل سنوات لحقت بالمنظمة فضيحة قيام ستة من موظفيها بالاحتيال والحصول على 52.5 مليون دولار تعويضات بعد تقديمهم وثائق مزورة باعتبارهم من ضحايا النازية.

منظمة «العدالة من أجل اليهود المنحدرين من البلدان العربية» JJAC

أسست هذه المنظمة في وقت قريب من موعد انعقاد مؤتمر أنابوليس (عام 2007م)، وقامت هذه المؤسسة بالكشف عن وثائق للأمم المتحدة تثبت أن “دول الجامعة العربية وضعت وطبَّقت برنامجًا ممنهجًا لقمع اليهود في الدول العربية واضطهادهم عقب تأسيس دولة إسرائيل”، وطالبت منظمة JJAC في ضوء ذلك بالاعتراف بمئات آلاف اليهود لاجئين تمامًا كما يُعترف بالفلسطينيين اللاجئين.

المنظمة العالمية ليهود الدول العربية

تأسست في السبعينيات بهدف حماية ثروات اليهود في العالم، كان ذلك عقب توقيع أول اتفاقيات السلام مع مصر، وهي جزء مما يسمى (تحالف العدالة من أجل اليهود)، وتدعي هذه المنظمة أن “اليهود خسروا أكثر من مئة مليار دولار في شكل أصول شخصية وعامة، بسبب مصادرات حكومات عربية مختلفة لهذه الأصول”، وشجعت المنظمة اليهود العرب لإقامة دعاوى قضائية، ومن أشهر تلك القضايا ما حدث في مصر، عندما طالب مجموعة من اليهود بما سموه ممتلكاتهم المفقودة في حارة اليهود المصرية.

مركز معلومات في وزارة العدل بدولة الاحتلال

أنشأ هذا المركز عام 2002 من قبل حكومة الاحتلال والوكالات الدولية اليهودية، ينشط هذا المركز بحكم تخصصه في العمل على تسجيل واسترجاع ممتلكات اليهود العرب الذين غادروا الدول العربية، ولا يقتصر ذلك على اليهود الذي هاجروا إلى دولة الاحتلال، بل أيضًا يعمل على استرجاع ممتلكات اليهود في باقي دول العالم.

المصادر

تحميل المزيد