عاشت تونس أسبوعا ساخنا، خلّف ما لا يقل عن 70 قتيلا، إذ شهدت بلاد الياسمين من جديد موجة من الأعمال المسلحة، أكثر عُنفًا وتجرّؤًا، حتى وصل الحال إلى قيام عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بمعركة للسيطرة على منطقة بنقردان الواقعة على الحدود مع ليبيا.

آخر التطورات

فجر الإثنين الماضي، الثامن من مارس (آذار) 2016، شن عشرات من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، هجومًا «منسقا وغير مسبوق»، كما وصفه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، على منطقة بنقردان، في جنوب تونس بالحدود الليبية، حيث هاجم المسلحون ثكنة عسكرية ومركز درك وشرطة، لتتحول المواجهة مع القوات الأمنية التونسية إلى حرب شوارع.

استمرت المعركة بين عناصر التنظيم وأفراد الأمن التونسي لساعات، مُسفرةً عن مقتل ما لا يقل عن 53 فردًا، حسب وزارة الداخلية التونسية، إذ لقي 35 من المسلحين حتفهم، وألقي القبض على سبعة آخرين، بينما قتل 18 شخصًا بينهم مدنيين وعسكريين، وأصيب 13 آخرين، منهم عشرة أمنيين وثلاثة مدنيين.

على إثر الحادثة، أقرت السلطات التونسية يومها حظر التجوال، وبدأت حملة تمشيط واسعة بأطراف مدينة بنقردان؛ لتكتشف مخازن أسلحة. بالموازاة مع ذلك أغلقت تونس معبر «راس جدير» الحدودي مع ليبيا، علاوة على استقدامها مزيدا من التعزيزات العسكرية إلى المنطقة.

وتجددت المواجهات يوم أمس الأربعاء 9 مارس (آذار) 2016، بنفس المنطقة بين المسلحين والأمن التونسي، قتل خلالها عشرة مُسلحين، وعسكري تونسي. وكان رئيس الوزراء التونسي قد أعلن الأسبوع المنصرم، عن مقتل خمسة أشخاص مسلحين «تسللوا إلى ليبيا بهدف القيام بعمليات إرهابية داخل تونس»، حسب قوله.

وتشهد تونس منذ اندلاع ثورة الياسمين وهرب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، أحداث عنف في كل شهر تقريبًا.

اقرأ أيضًا: التسلسل الزمني لأحداث العنف التي شهدتها تونس منذ الثورة وحتى الآن.

أسباب هجوم «تنظيم الدولة»

في 20 فبراير (شباط) الماضي، نفذت طائرات أمريكية غارة جوية بمدينة صبراتة الليبيية، استهدفت مقرًا لتنظيم الدولة الإسلامية. خلفت الغارة، وفق ما ذكر عميد بلدية صبراتة حسين الداودي، 43 جثة كاملة، وست جثث غير مكتملة، وخمسة مصابين بجروح خطيرة. وأشار الداودي إلى أن غالبية القتلى «تونسيون يُرجح أنهم ينتمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية، دخلوا إلى ليبيا من شهر أو أقل».

مباشرة بعدها، وضعت القوات التونسية على الحدود الليبية في حالة تأهب، تحسبًا لتسلل عناصر مسلحة قادمة من ليبيا، فارة من الغارات الأمريكية بصبراتة.

وفي اليوم الأول من الشهر الجاري، أصدرت الخارجية الأمريكية تعليمات لرعاياها تحذرهم من السفر إلى تونس طوال مارس (آذار) الساري، مُقدّمة توصيات لمواطنيها المقيمين بالبلد عقب الغارات الجوية، التي نفذتها طائراتها بصبراتة، وفي نفس اليوم تحدث وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون، عن أن بلاده سترسل لتونس قوات خاصة للمساعدة في منع عناصر «تنظيم الدولة» من التسلل عبر الحدود.

وبالفعل وقع ما كان في الحسبان، وتبين وفق التصريحات الرسمية، أن معظم العناصر المسلحة، التي تم القضاء عليها في «غزوة بنقردان»، هم تونسيون قدموا من ليبيا، بينهم، حسبما كشفت عنه قناة نسمة التونسية، حسن بن حمادي بو صبيع، المكنى «أبومعاذ»، الذي كان يشغل منصب قاضٍ شرعي لدى التنظيم بصبراتة.

اختار التنظيم الهجوم على مدينة بنقردان الحدودية، أولًا لموقعها القريب من ليبيا (50 كيلومتر)، وثانيًا لشيوع الموالين لها هناك، إذ تعتبر أحد أكثر المناطق التونسية تصديرًا للعناصر المسلحة إلى بؤر النزاع، ما قد يوفر للتنظيم حاضنة شعبية.

https://www.youtube.com/watch?v=IS8gyYCvI-k

وتخشى السلطات التونسية، من تورط بعض الخلايا النائمة في مواجهات بنقردان، إلا أن أهالي المدينة أبانوا عن مساندتهم للجيش التونسي، كما يظهر ذلك في مقاطع فيديو موثقة للمعركة.

ماذا يُريد «تنظيم الدولة» من تونس؟

«ربحنا معركة ولم نربح الحرب ضد الإرهاب»، يقول رئيس الوزراء التونسي الحبيب الصيد.

وقال الرئيس التونسي، في معرض تعليقه على هجوم بنقردان، إنه «ربما كان الهدف منه السيطرة على هذه المنطقة، وإعلانها ولاية جديدة. لكن قواتنا التي توقعت هذا، كانت موجودة هناك».

على ما يبدو إذًا، تُدرك السلطات التونسية أن «تنظيم الدولة»، يسعى إلى فرض «إمارة إسلامية» بالمنطقة الحدودية، تنطلق من خلالها هجماته نحو تونس بهدف التمدد. هذا المسعى الذي ترومه «الدولة الإسلامية» ليس بجديد، فقد كشفت جريدة الخبر التونسية في تقرير لها نُشر في مارس (آذار) 2014، نقلًا عن شهادة العشرات من المُسلحين العائدين إلى تونس، عن نية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، احتواء الجهاديين التونسيين في «أنصار الشريعة» و«عقبة بن نافع» وكتائب مُسلحة أخرى، تحت مظلة واحدة أسماها «دامس» (الدولة الإسلامية في المغرب الإسلامي).

هذا وشهد التنظيم انتعاشًا في الآونة الأخيرة في ليبيا، بعدما تلقى ضربات مؤلمة في الشام والعراق من طرف غارات التحالف الدولي. ويطمح إلى التمدد بمنطقة المغرب العربي، ومحو الحدود الليبية التونسية على غرار ما فعل في العراق وسوريا، من خلال استغلال الفوضى الأمنية في ليبيا والاستعانة بخزان الجهاديين الموجودين في تونس، الأخيرة التي تتصدر دول العالم في تصدير الجهاديين إلى أماكن النزاع وفق تقارير دولية متواترة.

اقرأ أيضًا: لماذا تتزايد أعداد المقاتلين من تونس و المغرب في ساحات النزاع

العالم يتعاطف مع تونس بعد «غزوة بنقردان»

عبرت مجموعة من دول العالم عن تعاطفها مع تونس في مواجهة ما أسموه بـ«الإرهاب»، من بينها واشنطن، التي قالت على لسان المتحدثة باسم خارجيتها: «ندين بشدة الهجوم الإرهابي الذي وقع اليوم في مدينة بنقردان». أما وزير الخارجية جون كيري، فقد عبر عما أسماه «التزام الولايات المتحدة الأمريكية بأمن تونس»، كذلك عبّرت كل من مصر والجزائر وغيرهما، عن إدانتهم للهجوم على بنقردان.

 

وعقب هذا التحدي الأمني النوعي، الذي واجهته تونس الأيام الأخيرة، أعلن وزير الدفاع التونسي فرحات حرشاني، عن قدوم تقنيين ألمان وأمريكيين، خلال أسبوع، لتركيب منظومة مراقبة إلكترونية، تعزيزًا لتأمينات الحدود مع ليبيا.

ويبدو أن تونس لا تتلقى الدعم الكافي من قبل المجتمع الدولي؛ لإنجاح تجربتها الديمقراطية، ولاسيما أنها الدولة المدنية الوحيدة التي بالكاد نجت من مُضاعفات الثورات العربية.

«هجوم بنقردان» الموضوع الرئيس في الصحف التونسية

«هجوم بنقردان»، هو الموضوع الرئيس، الذي تعكف مختلف وسائل الإعلام التونسية على تغطيته إلى الآن. وكان من اللافت أن معظمها التزم ببعض المهنية في نقل الحدث، بعيدًا عن التهويل وبث الرعب والإشاعات.

 

في سياق الموضوع، كشفت جريدة الشروق التونسية، عن تعزيزات عسكرية قُدّمت إلى منطقة تطاوين، الواقعة قبالة الحدود الليبية، خشية محاولة اجتياحها هي الأخرى من عناصر التنظيم المُسلح.

في جانب آخر، فإنّ صحيفة الصباح التونسية، ذكرت أن كتيبة من كتائب التنظيم المُسلح تدعى «البتار»، هي من تقف وراء هجوم بنقردان، مُنبهة، في خبر لها، إلى أن سلاح الجو الأمريكي يعزم على تنفيذ غارات جوية ضد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، ما قد يشكل تحديًا أمنيًا لتونس، إذ يمكن أن تتسلل عناصر التنظيم إلى الداخل التونسي، هربًا من الضربات الجوية.

أما موقع «minute 20» الفرنسي، فأكد أنه على فرنسا تقديم المساعدة اللازمة لتونس في مثل هذه الظروف العصيبة التي تواجهها تونس.

«لوفيجارو» الفرنسية، اعتبرت أن منطقة بنقردان هي معقل للجهاديين في تونس، وصدرت في السنوات الخمس الأخيرة مئات المقاتلين إلى مناطق الصراع في ليبيا وسوريا والعراق.

هذا وتخشى تونس مستقبلا من سيناريوهات مماثلة لما حدث في  بنقردان، حيث بدا جليًا الهشاشة الأمنية، واستغراق قواتها العسكرية ساعات في حرب عصابات مع العناصر المسلحة، كما تكافح تونس جاهدة للحفاظ على ما تبقى من اقتصادها السياحي، الذي تلقى ضربات موجعة بعد أحداث سوسة وباردو.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد