في السابع عشر من أبريل (نيسان) سنة 1991، وقف السيناتور الأمريكي حينها، والرئيس الأمريكي المنتخب حاليًّا، جو بايدن مخاطبًا مجلس الشيوخ الأمريكي، محذّرًا من مشروع الأسلحة النووية التي تقدّمها الصين للجزائر، على حد تعبيره، في سياق حملة أمريكية قادها السيناتور ضد الصين وانتهاكاتها لحقوق الإنسان بالإضافة إلى صفقاتها العسكرية مع عدّة بلدان، من بينها سوريا وباكستان، والجزائر.

قضية المفاعل النووي الجزائري التي طرحها السيناتور الأمريكي جو بايدن، الذي كان يترأس لجنة الشؤون الخارجية آنذاك، كانت قد أثارتها الصحافة الأمريكية في السنة ذاتها من خلال تقرير نشرته «واشنطن تايمز»، وقد أضافت تصريحات بايدن، الكثير من الزخم للقضية التي شغلت الرأي العام الأمريكي بشكل كبير في تلك الفترة، خصوصًا بسبب تورّط الصين فيها.

إذ نشرت جريدة «واشنطن بوست» تقريرًا حول المفاعل النووي الجزائري، واعتبرت أنه أكبر من أن يكون مجرد مشروع للبحث العلمي، ولا أن يكون هدفه إنتاج الكهرباء، كما أضافت أن الصينيين والجزائريين ينفون الموضوع تمامًا وفي الوقت نفسه يرفضون قبول بعثة تفتيش من «وكالة الطاقة الذريّة».

ضغوط أمريكية لوقف «المشروع النووي الجزائري»

أثارت هذه المعلومات الصحافية آنذاك حالة استنفار لدى حكومة جورج بوش الأب، بعد تقارير من المخابرات الأمريكية تفيد بشراء الجزائريين لبرنامج نووي من الصين، وبدأت حملة من الضغوط الدولية من أجل إيقاف هذا المشروع والحصول على معلومات أكبر حوله. ويتعلّق الأمر بمفاعل «السلام» الواقع في مدينة عين وسّارة جنوب الجزائر، والذي تؤكد السلطات الجزائرية أنه ذو أغراض سلمية.

وقد جاء في التقرير الصحافي الأمريكي لمصدر عسكري رفض التقرير كشف اسمه أنه: «من الواضح أن هذا مفاعل عسكري لإنتاج أسلحة نووية، وأن تصميمه لا يتعلق بإنتاج الطاقة، كما أن هنالك أسلحة مضادة للطائرات قد وُضعت أمام المفاعل، وأكد المصدر أن بكين تزوّد الجزائريين بالخبرة التقنية لاستعمال الطاقة النووية في مختلف الأسلحة الجوية والصاروخية».

صورة من الأقمار الاصطناعية لموقع مفاعل السلام بعين وسارة التقط في سنة 2000

ورغم أن الأجهزة العسكرية الأمريكية قد ترجمت الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية للمفاعل الجزائري باعتباره ذا أغراض عسكرية، إلا أن التقرير الصحافي لم يذكر أن محللين من وزارة الخارجية الأمريكية لم يقتنعوا أن المفاعل ذو هدف عسكري. وقد أحدث التقرير الصحافي ضغوطًا كبيرة على الإدارة الأمريكية التي كانت تعاني بالفعل من صدمة حصول باكستان على السلاح النووي، بالإضافة إلى المشاحنات مع الصين المتهمة بخرق اتفاقيات تتعلّق بالحد من انتشار الأسلحة النووية.

ومما زاد من الشكوك الأمريكية والغربية بشكل عام من طبيعة هذا المفاعل، طرد الحكومة الجزائرية لمُلحق عسكري بريطاني يُدعى ويليام كروس، وذلك بعد القبض عليه متلبّسًا بالتقاط صور فوتوغرافية لموقع المفاعل.

هنا ينبغي التذكير بأن الجزائر كانت تعيش مرحلة سياسية شديدة الخطورة في الوقت الذي أثارت فيه الولايات المتحدة قضية المفاعل النووي، ففي سنة 1991، كانت البلاد قد خرجت للتو من احتجاجات 1988 التي أدت إلى إصلاحات دستورية وسياسية واقتصادية سمحت بالخروج من نظام «الحزب الواحد» الذي حكم البلاد منذ الاستقلال.

 ووعد الرئيس الشاذلي بن جديد بإجراء انتخابات تعدّدية تتنافس خلالها الأحزاب على الوصول للسلطة لأول مرة في تاريخ البلاد، وقد كان حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» يمتاز بشعبية طاغية في الشارع الجزائري؛ وبسبب تخوّف الأمريكيين من أن يدخل الملف النووي ورقةً في معادلة الانتقال الذي تشهده البلاد، بالخصوص بسبب التخوّف الأمريكي من صعود الإسلاميين إلى السلطة.

وتؤكد التقارير الأمريكية أن هذه المعطيات جعلت الأمريكيين يتعاملون مع «الملف النووي الجزائري» بشيء من الليونة، خشية حشد الإسلاميين للشارع الجزائري ضد التدخلات الغربية في الشؤون المحلية، وهو ما قد يساعدهم على اكتساب شعبية أكبر في الانتخابات البرلمانية في ذات السنة.

 وقد حاولت الولايات المتحدة الضغط على الجزائر من خلال فرنسا في البداية من خلال القنوات الدبلوماسية للحصول على معلومات أكثر حول المفاعل وإجبار الجزائر على إنهاء طموحاتها النووية في المجال العسكري، لتلجأ بعدها إلى الصين مباشرة، المتّهمة بمساعدة الجزائريين في الحصول على سلاح نووي، ثم تضغط على سويسرا في ملف صفقة للحصول على تكنولوجيا تستخدم في المجال النووي، لكن الصينيين أكدوا أن الجزائريين ملتزمون بشروط وإجراءات «وكالة الطاقة الذرية».

هل تُقلق نشاطات الجزائر النووية إسرائيل؟

تراجعت قضية المفاعل الجزائري في سلّم أولويات الأمريكيين بعد سنة 1992، إذ دخلت البلاد في حرب أهلية دموية إثر الفوز الكبير للإسلاميين بالانتخابات البرلمانية سنة 1991، وقرار المؤسسة العسكرية توقيف المسار الانتخابي ثم دخول البلاد أتون الحرب الأهلية، كما دخلت الجزائر رسميًا سنة 1995 اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، وقد تعاونت الجزائر -حسب مصادر أمريكية- مع «وكالة الطاقة الذرية» في قضية المفاعل، مما جعل الشكوك الأمريكية تتراجع، لكن المراقبة قد بقيت طوال السنوات اللاحقة.

تاريخ

منذ 9 شهور
«الرجل اللغز».. الذي اخترق مكتب شارل ديجول وأمد الثورة الجزائرية بالسلاح

وقد حظي هذا الملف بالاهتمام الإسرائيلي حسب صحيفة «الشروق» الجزائرية، إذ نشر التلفزيون الإسرائيلي تقارير متعلقة بالمفاعل الجزائري، وأكد أن الجزائر تعمل على تطوير مشروع نووي سري منذ 1996 بالاستعانة بكل من الصين والأرجنتين، بالإضافة إلى اتفاقيات تعاون مع جنوب أفريقيا لشراء مفاعل نووي ثالث بقدرة 100 ميغاوات.

وتملك الجزائر مفاعلين نوويّين تؤكّد أنهما لأغراض سلمية، أحدهما مفاعل «السلام» الذي أُثيرت حوله المخاوف الأمريكية في التسعينيات والواقع بعين وسارة بمحافظة الجلفة التي تبعد عن العاصمة الجزائرية 200 كيلومتر، بالإضافة إلى مفاعل «نور» الواقع في منطقة درارية بضواحي العاصمة الجزائرية.

وقد عادت قضية المفاعل النووي الجزائري للضوء مرة أخرى، وذلك في سياق الانتخابات الرئاسية السنة الماضية، إذ صرّح المترشح السابق للانتخابات الرئاسية الجزائرية، الوزير السابق والقيادي في حزب «حركة البناء الوطني»، عبد القادر بن قرينة متّهمًا الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة بتفكيك المشروع النووي الجزائري والاستجابة للضغوط الأمريكية «خدمة لإسرائيل» حسب قوله.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد