تابع العالم بأسره خلال الأسابيع الأخيرة السباق الانتخابي حامي الوطيس في الولايات المتحدة، والذي انتهى بفوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، إلا أن كل ذلك الاهتمام العالمي لم يكن مستغربًا، فالسياسات المُبلورة في أروقة الولايات المتحدة الأمريكية تصل رياحها كل أنحاء المعمورة، بوصفها أقوى دولة في العالم، اقتصاديًا وعسكريًا وأكثرها تأثيرًا.

وبلدان المنطقة المغاربية، خاصة المغرب والجزائر وتونس، واحدة من مناطق العالم، التي تنتظر أنظمتها السياسية بحذر التغييرات المحتملة للإدارة الجديدة في البيت الأبيض، والذي من المتوقع أن تبدأ عملها مع مستهل عام 2021.

هل يستطيع بايدن تصدير التغيير إلى العالم؟

كانت الولايات المتحدة الأمريكية طوال عقود اللاعب الرئيس في العالم، كقوة عظمى عليها إجماع دولي في القيادة، لذلك كان البعض ينتظر «الخلاص الأمريكي» في كل شبر من المعمورة. لكن مع صعود قوى عالمية منافسة، خلال العقد الأخير، وطامعة في مزيد من اللعب على رقعة السياسة الدولية، باتت الولايات المتحدة حذرة في تبني عبء قيادة العالم، وأصبحت منكفئة على ذاتها وأكثر تركيزًا على مصالحها الحيوية.

«هذا النهج الأمريكي المتحفظ ليس وليد عهد ترامب»، كما يقول الكاتب توم مكتاك في «ذي أتلانتك» بل بدأ تراجع التأثير الأمريكي منذ حقبة عهد أوباما، والذي سبق أن قال في تصريح صحافي في عامه الأخير: «لا يتعين علينا دائمًا أن نكون في المقدمة، ولا يجب علينا أن نقوم بكل القتال، فيما الدول الأوروبية والعربية تحمل معاطفنا وهي تتفرج».

وبالتالي من غير المتوقع أن يختفي تمامًا هذا التوجه المحافظ حول دور أمريكا في العالم لمجرد هزيمة دونالد ترامب، مع ذلك فإن وصول الديمقراطيين إلى السلطة قد يحمل العديد من التغييرات، التي قد تؤثر على مختلف مناطق العالم، ومنها المنطقة المغاربية، بدرجات متفاوتة، خاصة فيما يتعلق بالديمقراطية والحريات، والتغير المناخي، والسلاح.

يريد بايدن، بحسب الموقع الرسمي لحملته الانتخابية، «استعادة القيادة الأمريكية على المسرح العالمي من خلال القدوة، وحشد العالم لمواجهة التحديات المشتركة، من تغير المناخ والانتشار النووي، إلى الإرهاب والحرب الإلكترونية والهجرة»، كما يريد إعادة تنشيط الديمقراطيات في العالم، وإصلاح العلاقة مع التحالفات التقليدية.

بيد أن ذلك لا يعني أن الإدارة الجديدة ستُعلن مباشرة العداوة مع الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي اكتسبت الكثير من الثقة العنجهية في عهد ترامب، إذ بمجرد استقرار فريق بايدن قد يميل إلى نهج أكثر حذرًا مع الدول الإقليمية لعدم إفساد العلاقة معها. كما أن جائحة كورونا وتداعياتها الاقتصادية، ستجعل السياسة الأمريكية منصبة بالكامل على الداخل أكثر من الخارج.

ويمكن القول بأن بايدن شخصية ليست كاريزمية يمكنها التأثير بقوة من تلقاء ذاتها في الخارج، لذا من المُتوقع أن يكون لفريقه الاستشاري والحكومي نفوذ في رسم السياسة الخارجية الأمريكية، وتحديدا مستشاريه في القضايا الدولية والأشخاص الذين سيتقلدون منصب وزير الخارجية ومساعديه، ومدير «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)»، و«مجلس الأمن القومي (NSC)».

كيف سيكون تأثير بايدن على المنطقة المغاربية؟

تجاهل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى حد كبير منطقة شمال أفريقيا، ومن المرجح أن تحتل مرتبة رابعة من حيث الأهمية في عهد إدارة بايدن خلف كلٍّ من أوروبا، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وأمريكا اللاتينية، وفقًا لأحد مستشاريه في حملته الانتخابية.

وتعد الرُّقعة المغاربية تحديدا، منطقة تأثير أوروبي، ولا تستهوي كثيرًا الولايات المتحدة الأمريكية كما كانت في السابق إبان الحرب الباردة، باستثناء ما يتعلق بمحاربة الإرهاب والحد من النفوذ الروسي، والصيني المتزايد في المنطقة.

لذلك من غير المرجح أن تكون المنطقة المغاربية محط تركيز رئيس في رئاسة بايدن؛ إذ لا تريد واشنطن أن تقوم بما يتوجب على أوروبا القلقة القيام به لمعالجة مشكلات الهجرة الجماعية والفساد وعدم الاستقرار التي تهددها.

لكن على جانب آخر تعهد بايدن والديمقراطين معه بالالتزام بتنشيط الديمقراطية وإعادة الدفء إلى العلاقات مع البلدان الحليفة، ومنها دول شمال أفريقيا التي شهدت اهتمامًا باردًا في حقبة ترامب. وتشمل التأثيرات التي قد تمس المنطقة المغاربية مع إدارة بايدن الجديدة، ما يتعلق بالحريات، والسلاح، والمناخ.

الديمقراطية والحريات

ينوي جو بايدن تنظيم قمة عالمية للديمقراطية، في أول ثلاثة أشهر من حكمه، من أجل «إحياء العالم الحر وتقوية التحالفات الديمقراطية»؛ إذ وضع ثلاثة التزامات دولية سيركز عليها: وهي مكافحة الفساد، والدفاع ضد الاستبداد، والنهوض بحقوق الإنسان.

والأهم من ذلك هو أنه سيطلب من شركات التكنولوجيا الأمريكية وعمالقة وسائل التواصل الاجتماعي الوفاء بالتزاماتهم، والحفاظ على مجتمعات مفتوحة وديمقراطية وحماية حرية التعبير، وكذلك عدم تمكين سلطات الدول من التجسس على معارضيها ومراقبة المتصفحين.

لذلك فمن المتوقع أن تبدأ الماكينة الأمريكية في تنشيط الديمقراطية نوعًا ما حول العالم، عبر شركاتها الرقمية، والإعلامية، والجمعيات الممولة، وسياساتها الخارجية، وهو ما قد يصُب إيجابًا في دعم الحريات بتونس، والجزائر، والمغرب، خاصة على مستوى الصحافة، التي تعرضت لهجمة شرسة في المنطقة المغاربية خلال حقبة ترامب.

التغير المناخي

يقول بايدن إنه سيوقع على اتفاق باريس للمناخ في اليوم الأول من دخوله البيت الأبيض، وسيقود جهودًا دولية كبيرة لرفع طموحات الأهداف المناخية لبلدان العالم، وكذا وضع إجراءات ملموسة لتحقيق اقتصاد الطاقة النظيفة مع انبعاثات صافية صفرية بحلول عام 2050.

سترتد هذه السياسة على المغرب وتونس بالإيجاب دبلوماسيا واقتصادي، إذ سيشجع التحول الطاقي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية المساهمين والشركات حول العالم للاستثمار في الطاقة الخضراء؛ مما قد يجلب معه الكثير من فرص الشغل للبلدين، وعلى المدى المتوسط قد يخفف على ميزانياتهم المثقلة بمصاريف استيراد المواد النفطية.

لكن بالنسبة للجزائر، ربما تواجه صعوبات في الحفاظ على قيمة مواردها البترولية في حال توجّه العالم نحو ثورة الطاقة النظيفة؛ مما قد يعرض اقتصادها إلى تآكل بالغ ما لم تُطور استثمارات في مجالات أخرى.

السلاح

 كان ترامب يركز على مصالح بلاده الاقتصادية بدرجة أولى، ومن ثمّة كان يُطلق العنان لبيع الأسلحة بدون حدود، ويرمي معايير انتهاكات حقوق الإنسان عرض الحائط، إلا أن الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن يسعى إلى استعادة أمريكا بوصفها «قدوة ديمقراطية»؛ مما سيجعل شراء الأسلحة في عهد الديوقراطيين أكثر صعوبة مما كان عليه الحال في فترة إدارة ترامب.

وفي حين أن هذا الأمر قد لا يضر كثيرًا الجزائر، لكونها تستند على روسيا لتعزيز ترسانتها العسكرية، فإنه قد يمس المغرب التي تعتمد أساسًا على الولايات المتحدة الأمريكية في التسلح، وربما، وتحسبًا لهذا السيناريو اشترى المغرب الكثير من الأسلحة خلال فترة ترامب.

أما تونس فمن المرجح أن لا تتأثر في مجال استيراد الأسلحة الأمريكية، إذ لا ترغب واشنطن أن تتمكّن الجماعات المسلحة في هذا البلد، مثلما أن الإدارة الديمقراطية الجديدة تنوي دعم الديمقراطيات الناشئة والضعيفة.

وإجمالًا يمكن القول ربما ستخف شيئًا ما القبضة الاستبدادية في عهد إدارة بايدن مقارنة مع فترة ترامب، لكن سيظل كل بلد مغاربي على حدة يواجه مشاكله الخاصة، الممثلة في الفساد وقلة الحريات والفقر.

حقوق إنسان

منذ 3 أسابيع
هل يتغير مستقبل السجناء السياسيين في العالم العربي إذا فاز بايدن؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد