تنحصر صورة جو بايدن المرشح للانتخابات الرئاسية الأمريكية في عيون أبرز متابعيه باعتباره المنافس القادم من الحزب الديمقراطي، الذي يخالف الرئيس دونالد ترامب في توجهاته الداخلية للمشاكل التي تواجهها بلاده، وسياسته الخارجية تجاه أبرز الصراعات.

وراء بايدن السياسي جوانب خفية من الأحداث الشخصية والعثرات التي واجهها في حياته الشخصية، أثرت فيه وشكلت جانبًا أساسيًا في تكوينه السياسي والفكري ورسمت خطوطًا عامة لخياراته في الحياة عمومًا.

وفي التقرير التالي، نحاول استعراض أبرز الجوانب الخفية في حياة جو بايدن ومسيرته السياسية في هيئة معلومات نسرد وقائعها وسياقها الزمني، وكيف أثرت في حياته.

مؤيد لحسني مبارك ودافع عنه في ثورة 25 يناير

من الجوانب المنسية في مسيرة بايدن السياسية تأييده لبقاء الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك في الحكم في مصر بعد اندلاع ثورة 25 يناير في 2011، ودافع بايدن عن أهمية استمرار مبارك في الحكم لمصالح الإدارة الأمريكية، وكان حينها نائبًا للرئيس الأمريكي باراك أوباما.

رأى بايدن في مبارك أنه الحليف الأنسب لواشنطن وليس «ديكتاتورًا»، نظرًا لجهود مبارك في عملية السلام بالشرق الأوسط وسعيه لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولذا كان بايدن أحد الأصوات البارزة في الإدارة الأمريكية التي دفعت نحو تمسك واشنطن به حتى الساعات الأخيرة قبل سقوطه.

ولم يعبأ بايدن آنذاك بالأصوات السياسية والإعلامية الأمريكية الداعمة لرحيله، فقد ظهر في مقابلة تلفزيونية معترضًا على توصيف مقدم البرنامج لمبارك «بالديكتاتور»، وقال إن «مبارك كان حليفًا لنا في العديد من القضايا، وكان حليفًا مسؤولًا.. ولن أصف مبارك بأنه ديكتاتور».

«هل حان الوقت للرئيس المصري مبارك أن يرحل ويتنحى جانبًا؟» كان هذا السؤال الذي كشف عن دعم بايدن لمبارك، حين أجاب بالنفي، واكتفى بالإشارة لضرورة أن يكون مبارك «أكثر استجابة لبعض احتياجات الناس هناك» في مصر.

وكانت آخر محاولات بايدن للبحث عن مخرج لمبارك من أزمة الاحتجاجات التي تطالب برحيله هي اتصاله مرتين باللواء عُمر سليمان، رئيس المخابرات المصرية العامة آنذاك، مقترحًا في المرة الأولى البدء في مفاوضات صادقة وشاملة مع قوى المعارضة، والإفراج عن عدد من المحتجزين للتوضيح للمتظاهرين بأن البلاد تنتقل لحكم ديمقراطي يلبي تطلعات الشعب المصري.

وفي المكالمة الثانية، تابع معه ما فعلته الحكومة، وعن التقدم المحرز الذي حققته المفاوضات التي أجرتها الحكومة مع رموز المعارضة.

ابن الطبقة العاملة الذي يتباهى بأنه «أفقر السياسيين الأمريكيين»

«دخلت الكونجرس وأنا أفقر الرجال، وتركت مناصبي في الحكومة والكونجرس كأحد أفقر الرجال»، هكذا يتباهى جو بايدن دومًا في أحاديثه الإعلامية بأنه لم يُصبح ثريًا من وراء المناصب الحكومية التي شغلها سواء عندما عمل شيخًا في الكونجرس أو نائبًا للرئيس الأمريكي أوباما.

وُلد جوزيف بايدن عام 1942، لعائلة من الطبقة العاملة في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، قبل أن يدخل الكونجرس في عام 1972 بعد انتخابه لتمثيل ولاية ديلاوير عن عمر يناهز 29 عامًا.

Embed from Getty Images

جو بايدن، مرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2020، الصورة من عام 1988

وبالفعل تظهر الوثائق المالية لبايدن أنه لم يملك ثروة كبيرةً عند دخوله الكونجرس، كما كشفت إفصاحاته المالية أنه لا يملك استثمارات كبيرة.

وتظهر الإفصاحات المالية أن صافي ثروة بايدن عندما ترك منصبه بوصفه نائبًا للرئيس كانت أقل بكثير من ثروة نواب رؤساء سابقين، مثل آل جور، وديك تشيني، وأقل من ثروة نائب الرئيس الحالي مايك بنس.

وفي أحدث البيانات التي قدرت حجم ثروات المسؤولين عند مغادرتهم البيت الأبيض، حل بايدن في مرتبة متأخرة في حجم الممتلكات والأموال التي حازوها عند مغادرتهم مناصبهم الرسمية.

ولكن بايدن حقق ثروةً مليونية عقب خروجه من البيت الأبيض، إذ تمكن وزوجته من جمع أكثر من 15 مليون دولار في عامي 2017 و2018 معظمها من مبيعات كتب ومدفوعات مقابل إلقائه لخطابات عامة. وفي تقدير لثروة بايدن تم في شهر يوليو (تموز) 2019، فهي بين 2 مليون و137 ألف دولار على أقل تقدير، ولا تتجاوز 7 مليون و924 ألف دولار بأقصى حد.

وما زال بايدن متمسكًا بكونه «منتميًا للطبقة الوسطى» في أحاديثه الإعلامية والمؤتمرات الانتخابية، رغم أنه يسكن منزلًا تبلغ قيمته نحو مليونين و700 ألف دولار، ويملك منزلًا آخر اشتراه عام 1996 بنحو 350 ألف دولار، وتصل قيمته الآن لمليون و900 ألف دولار.

واصبحت الخُطب في المناسبات العامة والجامعات مصدرًا كبيرًا لدخل بايدن، حيث تراوحت قيمة الخطاب الواحد له بين 150 ألف دولار إلى 200 ألف دولار.

كاثوليكي فقير يطلب يد ثرية من الكنيسة المشيخية

خلال سنوات دراسة جو بايدن الجامعية سافر الشاب المنحدر من الطبقة العاملة في رحلة مع زملاء من جامعات مختلفة إلى جزر الباهاما، ليكتشف خلال الرحلة شابة أحبها أول ما رآها، ولاحقًا، بحث بايدن عنها ليفصح عن مشاعره لها، حتى قابلها في منتجع شاطئي واقفةً أمامه: لنيليا هانتر.

Embed from Getty Images

جو بايدن مع أطفاله في احتفاله ببلوغ عامه الثلاثين

ويحكي بايدن عن هذا اللقاء في مذكراته قائلًا :«عندما استدارت نحوي، استطعت أن أرى ابتسامة جميلة وعينين خضراوين رائعتين، حتى أنني لم أستطع رؤية عيب واحد فيها». نشأت قصة حب سريعة بين جو ولنيليا، لم تقف أمامها الفروقات العديدة بينهما، وتجاوزا معا العثرات التي كادت تفشل علاقتهما مثل خلفيته السياسية والدينية، ومع تقدم العلاقة نجحت الفتاة في إقناع أسرتها الميسورة ماديًا، التي تملك سلسلة مطاعم في نيويورك، في التغلب على أي مخاوف بشأن خلفية بايدن باعتباره شابًا من الطبقة العاملة، ديمقراطيًا، عقيدته الدينية مسيحي كاثوليكي، بينما أسرة الفتاة ينتمون للحزب الجمهوري، وينتمون للكنيسة المشيخية.

كما تقاطعت أحلامهم معًا حتى أن نيليا تمنت يومًا أن ترى بايدن في منصب عام كبير، ويروي بايدن هذه الوقائع في مذكراته قائلًا: «اتفقنا على كل شيء تقريبًا، وكانت زوجتي تريد مني أن أضع نصب عيني منصب المحكمة العليا الأمريكية».

وفي أغسطس 1966، أتم جو ونيليا حفل زفافهما قبل أن يكتب القدر نهاية لهذا الزواج بعد ست سنوات ونصف من إتمامه، بوفاة نيليا بحادث سير أخرجها من حياة بايدن للأبد هي وابنتهم الصغرى.

فقد زوجته وابنته في يوم دخول الكونجرس

مرت حياة جو بايدن بكثير من المآسي خلال العقود الماضية، والتي تركت آثارًا لازمته في كُل محطاته المهنية التي صعد إليها، وانعكست على كثير من اختياراته السياسية. كانت أولى هذه المآسي في 18 ديسمبر (كانون الأول) 1972، حين استعد بايدن البالغ آنذاك 29 عامًا لتقلد منصبه عضوًا بمجلس الشيوخ الأمريكي ممثلًا لولاية ديلاوير، قبل أن يصله خبر تعرض أسرته لحادث سيارة قاتل.

فقد السيناتور الشاب آنذاك زوجته نيليا، التي شغلت منصبًا قياديًا في حملته الانتخابية ضد منافسه الجمهوري، وتوفيت معها ابنتها الرضيعة إيمي بعمر 13 شهرًا، بينما تعرض ولداه، بو (ثلاث سنوات)، وهانتر (عامان) بجروح في الساق والرأس. كان أول أثر لهذه الحادثة على بايدن هو شعوره للمرة الأولى بأن الانتحار بات خيارًا مغريًا له، قبل أن يتراجع بعدما أدرك ضرورة بقائه مع نجليه بعد اختفاء والدتهما وأختهما أيضًا.

وظل حب زوجته وسنواتهما معا حاضرة معه في حياته التي شهدت محطات متنوعة، حتى في قرار زواجه للمرة الثانية مدفوعًا بضغوط من شقيقه وأبنائه عام 1977، حين سأل خطيبته آنذاك التي أصبحت زوجته لاحقًا «كيف يمكن أن تلتزم بالزواج مع العلم بمشاعري تجاه زوجتي الأولى؟». وأجابته :«أي شخص يستطيع أن يحب بعمق مرة واحدة يمكنه أن يفعل ذلك مرة أخرى».

وفاة نجله الأكبر دفعته للترشح للرئاسة

مضت حياة الرجل في السنوات اللاحقة لفقد زوجته وابنته حتى كبر نجلاه، وبدت عليهما علامات التفوق المهني، وتحديدًا نجله الأكبر بو. كانت مظاهر تأثر بو بوالده في ظهور علامات القيادة عليه، وعُرف بالـ«الشريف» بين الأصدقاء وانتخب رئيسًا للهيئة الطلابية. وعقب تخرجه في كلية الحقوق، سار نجله الأكبر على نفس خطى الأب، حيث بدأ في شق طريقه موظفًا حكوميًّا، قبل أن يعمل مدعيًا عامًا فيدراليًا لخمس سنوات.

ولاحقًا، فاز في انتخابات مكتب المدعي العام لولاية ديلاوير في عام 2006، وانضم قبلها للحرس الوطني للولاية عام 2003، وارتقى لرتبة رائد. لازم بو والده في مسيرته السياسية داعمًا ومشجعًا له دومًا، وآخر شخص يلتقيه قبل الأحداث الكبرى، كما ذكر بايدن في مذكراته.

Embed from Getty Images

بو بايدن، الابن الأكبر لجو بايدن

وشهد عام 2013 تحولًا نوعيًا في حياة بايدن ونجله الأكبر، بعدما تم تشخيص بو، بأنه مصاب بسرطان الدماغ العدواني في عام 2013، الذي هزمه وتوفي على إثره في 30 مايو (أيار) 2015، وقال لوالده: «عليك أن تعدني يا أبي أنه بغض النظر عما يحدث، ستكون بخير. أعطني كلمتك، يا أبي، أنك ستكون بخير. عدني يا أبي»، لتكون كلمات بو هي القوة الدافعة لبايدن للاستمرار في العمل السياسي والترشح للرئاسة الأمريكية.

 وجه آخر لأسرة بايدن.. نجله رجل أعمال ثري

تتمثل صورة أخرى لأسرة بايدن تناقض صورة المرشح الديمقراطي وحديثه الدائم عن نفسه «باعتباره أحد أفقر ساسة أمريكا» فبعض أفراد أسرته أثرياء، واحد منهما نجله هانتر، والآخر شقيقه الأصغر جيمس، إذ انخرطا في تأسيس شركات في مجالات متنوعة داخل وخارج أمريكا.

Embed from Getty Images

جو بايدن مع ابنه هانتر بايدن

غير أن تقارير استقصائية استبعدت استغلال بايدن لسلطاته السابقة بتقديم تسهيلات أو امتيازات لهما. وعلى كل حال، تقاضى ابنه هانتر 50 ألف دولار شهريًا لعمله عضوًا في مجلس إدارة شركة الغاز الأوكرانية منذ عام 2014، ويملك حصة بنحو 10% من شركة صينية تعمل في الأوراق المالية، وتُقدر قيمة النسبة المملوكة له بنحو 420 ألف دولار.

كما اشترك هانتر مع عمه الأصغر في أنشطة استثمارية وبتأسيس شركة استشارات مالية وأخرى للضغط السياسي، وتذكر المعلومة المتاحة أن راتبه السنوي وصل لنحو مليون و200 ألف دولار سنويًا في عام 2006.

المصادر

تحميل المزيد