لسنوات طويلة، ظل نادي آياكس الهولندي، غائبًا عن البطولات، قبل أن يعود بجيل قوامه الأساسي عناصر شابة في العشرينات، مُعظمهم خريجو أكاديمية النادي؛ يُقدمون ثورة في كرة القدم، عبر خطط تكتيكية، وثقة كبيرة في الأداء كبيرة.

العنوان الرئيس لهذه الثورة هو الأسطورة الهولندية الغائبة يوهان كرويف، الذي امتد حضوره وتأثيره على كرة القدم طيلة عقود أحدث خلالها ثورة شاملة في كرة القدم، حولته لأسطورة خالدة تحضر دومًا مع كُل إنجاز لفريقه الأساسي، أو تطور في عالم التدريب. يرسم التقرير التالي صورة شاملة عن حياة الرجل الذي غير مفهوم كرة القدم لاعبًا ومُدربًا، مستعينًا بالمحطات الفارقة في حياته التي رسمت تحولًا كبيرًا في مفهوم لعب الكرة كوسيلة للإمتاع وتغيير المجتمعات.

«الإيكونوميست»: منتخبات الدول الغنية هي الأفضل! كيف تصنع منتخب كرة قدم ناجح؟

حين نهض كرويف على أصوات قنابل الألمان

وسط ظروف سياسية استثنائية، وحروبٍ دقّت طبولها من كُل حدب وصوب، كان بطلها الرئيسي هتلر، القائد العسكري الألماني، ولد يوهان كرويف، أسطورة كرة القدم الهولندية، في أبريل (نيسان) 1947، لبلد تحولت منذ ثلاث سنواتٍ فقط لمطمعٍ في عين القائد الألماني، الذي أراد أن يحكم العالم أجمع آنذاك.

كبُر الشاب على وقع أخبار القتل والخطف اليومية، التي خلفتها ويلات الحرب المفتوحة آنذاك، التي قتلت عددًا من ذوييه، ووقائع الإكراه لأبناء بلده على الذهاب للعمل في المصانع الألمانية، بشكل قسري، وعوقب كُل مخالف لتعليمات الألمان بالسجن في معسكرات الاعتقال والزنازين الفردية، دون مراعاة لإجراءات قانونية، أو تحقيق في تُهم هؤلاء.

ضاعف من مُعاناة الطفل، انتسابه لأبوين من خلفية اجتماعية متواضعة؛ فوالده بقال وأمه عاملة نظافة، تعمل في نادي أياكس أمستردام الهولندي، لتُشكل كُل المعطيات السابقة حافزًا له من أجل الترقي والصعود الاجتماعي، ودافعًا رئيسيًا له في نوعية اختياراته بالحياة التي تأبى التماهي مع الديكتاتوريات، وتميل لصناعة الأمجاد من رحم الصعوبات والتحديات؛ حتى لو كانت تلك الاختيارات في مجال كُرة القدم.

اعتاد الطفل آنذاك مُرافقة والدته في رحلة يومية يقطعها لمقر النادي الهولندي؛ يُشاهد مُدرجاته، ويتجول في ملاعبه، تلمس قدماه كُرة القدم للمرة الأولى؛ ليكتشف سعادة مجانية تتسلل داخله بعد أول ركلة للكرة؛ وتُقرر والدته الاهتمام به عبر دخوله اختبارات النادي الهولندي؛ التي اجتازها وتدرج في فرقها التدريبية. مع نهاية سنوات الحرب، وانقشاع ويلات الاستعمار الألماني، كان الشاب، آنذاك، مع جموع الهولنديين في مرحلة إعادة اكتشاف ذواتهم، بعد سنوات من سحقها من جانب القائد النازي؛ لتكون كرة القدم هي أحد مجالات هذا الاكتشاف بالنسبة للشاب.

كان المُدرب الهولندي رينوس ميتشلز، مُهندس هذا الاكتشاف، الذي تحول بعد ذلك لأعظم مدربي القرن الماضي على الإطلاق، في مرحلة بحث مُستمرة عن مواهب شابة، عاشت سنوات الحرب، ويكون داخلها دافعًا وطنيًا للنهوض بكرة القدم، وتشكيل فريق جديد، يعود من خلاله بمنتخب الطاحونات الهولندية لمصاف البطولات.

وجد ميتشلز ضالته، آنذاك، في شاب لم يتعد عمر 16 عامًا، يلهو بالكرة مع أطفال آياكس أمستردام؛ قبل أن يتحول لحديث الجميع في النادي الهولندي، بعد حصوله على لقب أفضل لاعب ناشيء، ويُمنح فرصة المُشاركة مع الفريق الأول، وهو لم يتعد بعد 18 عامًا، أمام عملاق أوروبا في هذه الفترة ليفربول.

في هذه المباراة التي أتت ضمن الدور الثاني من مسابقة «كأس أبطال أندية أوروبا» في أمستردام، واقتنص فيها النادي الهولندي فوزًا تاريخيًا بخمسة أهداف مقابل هدفين، بتألق لافت للشباب الهولندي، الذي تطور أدائه في المباريات اللاحقة، لينال جائزة أفضل لاعب في هولندا في هذا العام.

تحول آياكس مع كرويف لنادي أسطوري؛ فهاهو يصنع المُعجزات مع النادي الهولندي؛عبر إعادة اكتشاف خطط جديدة للعب، بهدف تقديم كرة أكثر إمتاعًا للجمهور؛ فهاهو يُقدم مفهوم أكثر تطورًا لكرة القدم عبر التحرك دون كرة؛ كانت طريقة اللعب تلك آنذاك، أمرًا استثنائيًا في تقديم ما عرف لاحقًا بـ«الكرة الشاملة».

«لعب كرة القدم أمر في غاية السهولة، لكن لعب الكرة البسيطة أصعب ما في الأمر»، يوهان كرويف يتحدث عن المفهوم الجديد لكرة القدم التي كسر بها النمطية السائدة آنذاك في الستينات والسبعينات؛ فالمكسب لم يكن هدفًا وحيدًا لكرويف؛ كانت المتعة عاملًا ملازمًا.

بفضل موهبة كرويف الاستثنائية، وجيل هولندا التاريخي الذي نشأ على أهوال الحرب التي عاشتها البلاد، اقتنص أياكس بطولة الكأس والدوري الهولندي لعقد كامل، منذ عام 1965، فضلًا عن الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا أربع مرات (1971، 1972، 1973، 1995) والسوبر الأوروبي 1974.

الأمر ذاته تحقق مع منتخب هولندا؛ بعدما أعاده كرويف لمصاف المنتخبات الكُبرى في القارة العجوز؛ ليعود من جديد لبطولة كأس العالم التي غاب عنها لسنوات طويلة، ويؤدي أداءً تاريخيًا، صعد به للأدوار الأخيرة قبل أن يصطدم بمُنتخب ألمانيا، ويهزمه الأخير بعدما قدمت هولندا أداءًا مشرفًا استحقت به الفوز .

«أتذكر أن انتقالي لإسبانيا كان مثيرا للجدل بعض الشيء، رئيس أياكس أراد بيعي لريال مدريد، برشلونة لم يكن في نفس مستوى كرة مدريد، لكن الأمر مثل تحديًا لي أن ألعب للنادي الكتالوني، برشلونة أكثر من مجرد ناد»

كان هذا تعليق لكرويف، على انتقاله التاريخي إلى المحطة الثانية خارج هولندا في كرة القدم من آياكس لبرشلونة الإسباني، في اختيار أخذ في الاعتبار مكونات شخصيته، ورؤيته الثورية، التي اعتادت على تفضيل الصعاب دومًا، ليكسب الرهان مرة أخرى مع برشلونة؛ بعدما كسر النادي الكتالوني مشهد الغياب عن البطولات لمدة 14 عامًا متواصة بالفوز ببطولة الدوري تحت قيادة كرويف، الذي أعاد النادي الإسباني إلى عصر ذهبي بكرة شاملة ممتعة.

كرة القدم أكثر من مجرّد «لعبة».. 4 مباريات تاريخيّة مشحونة بالرسائل السياسية

لاعب فريد ومدرب استثائي

ظلت أسطورة كرويف في كرة القدم متوهجة، تتابعه الأنظار مع كٌل فريق يلعب له؛ حتى تحول إلى أيقونة لكرة القدم العالمية، بعدما صنع مجدًا كرويًا استثنائيًا مع برشلونة؛ استكمله في موقع جديد، ومهمة أخرى.

«قررت أن أصبح مدربًا، فقط عندما قيل لي أنت لا تصلح لذلك»، تصريح أطلقه كرويف يرسم عقلية الرجل، و تفضيلاته في عالم كرة القدم، والتدريب محطته الثانية فيها. فقد أتت مهمة التدريب استكمالًا لمساراته الصعبة دومًا، عبر الاتفاق مع النادي الكتالوني، كمحطة أولى للتدريب، بعد فترة وجيزة عمل فيها كمُدرب في قطاع الناشئين بنادي أياكس، ساعيًا في هذه التجربة لانتشال النادي الإسباني من أزماته المُستمرة التي غيبته عن البطولات لسنوات طويلة؛ ليعود مع كرويف إلى الأمجاد من جديد بعد رحلة إعادة تأهيل طويلة.

نجح كرويف في تغيير طريقة اللعب، وهيكلة الفريق بأكمله، عبر جلب لاعبين جُدد، وإنشاء أكاديمية ستتحول بعد ذلك لمفرخة لاعبين مؤثرين كحال ليونيل ميسي، ندريس إنيستا، تشافي، بويول، بيكيه.

كان الأهم في ثورة كرويف التدريبية هي تطبيق مفهوم «الكُرة الشاملة»؛ بحيث لا يوجد لاعب له مركز ثابت، مع تبادل الأدوار ومرونة اللاعبين في تغيير المراكز. ماطبقه كرويف، التي عُرفت لاحقًا في عالم كُرة القدم بأسلوب التيكي تاكا، التي تحدث عنها :«إنه مفهوم أساسي، عندما تسيطر على الكرة، تنقلها بشكل جيد، فأنت تمتلك ما لا يمتلكه الخصم، وبالتالي لا يمكنه التسجيل. وحركة اللاعبين هي ما تقرر أين تذهب الكرة، وإن نقلت الكرة بشكل جيد، يمكنك تحويل المباراة لصالحك، فالكرة في نهاية الأمر تذهب في المكان الذي تريده».

كان حصاد هذه الثورة في عالم التدريب هي اقتناص برشلونة أربع بطولات دوري متتالية، كأس ملك أسبانيا مرة، كأس أوروبا مرة وجلب أول لقب دوري أبطال أوروبا للنادي الكتالوني عام 1992، بالإضافة إلى وصوله لنهائي المسابقة في السنة التي تليها إلى جانب تفوق النادي الكتالوني؛ فقد صعد كرويف سُلم المجد من جديد من بوابة التدريب بعدما حصل على جائزة «وورلد سوكر» كأفضل مدرب عام 1991، وجائزة «دون بالون» عامي 1991 و1992.

رؤية كرويف الثورية التي غير بها مفهوم كرة القدم داخل النادي الإسباني، والطريقة التي يجب أن تُلعب بها، امتدت لكُل القطاعات داخل النادي، بعدما اقترح فكرة «أكاديمية الشباب» على رئيس برشلونة آنذاك خوزيه لويس نونيز كلمينتي، ووافق الأخير عليها.

كانت رؤية كرويف في هذه الفكرة قائمة على اكتشاف لاعبين صغار، وتهيئتهم لطريقته في اللعب، والمتطلبات الفنية والتكتيكية للفريق الأول؛ ليصنع ثورة جديدة في قطاع الناشئين، حولت قطاع الناشئين إلى أكاديمية لصناعة النجوم والتي تعرف بالـ«لا ماسيا» أو المزرعة؛ سيكون لاعبوها القوام الأساسي للفريق الفائز بدوري الأبطال الأوروبي أربع مرات في آخر 10 سنوات وأبطال ثلاثية يورو  2008 و2012 ومونديال 2010. لاحقًا؛ سيتنافس ثلاثة من أبناء أكاديمية كرويف على جائزة أفضل لاعبي العالم: ليونيل ميسي وتشافي هيرنانديز وأندريس إنيستا.

«هذا لم يعد أياكس»

لهذا الجيل الشاب الذي يقود فريق آياكس الهولندي إلى تألق آوروبي لافت، أقصي فيه،  أندية كُبرى كريال مدريد، واليوفينتوس، والفريق البافاري، قصة تعود فيها البداية الحقيقية إلى عام 2010.

كان العنوان الرئيس لنجاح هذه التجربة الواعدة هو يوهان كرويف، أسطورة النادي الخالدة؛ والذي وقع عليه الاختيار من جانب رئيس النادي؛ لتوكل له مُهمة اختيار شباب واعد صغير السن، مُقيم في هولندا، ومُهيأ نفسيًا ومعنويًا على التعامل مع ضغوط المباريات.

بدأت وقائع القصة حين كتب كرويف مقالًا في صحيفة «دي تليجراف» الهولندية، بعنوان «هذا لم يعد أياكس»، أعرب عن غضبه من الركود الذي يمر به الفريق في سبتمبر (أيلول) 2010، في أعقاب الهزيمة من ريال مدريد 2-0؛ ويتواصل معه رئيس النادي، ويعود تحت تأثير ضغوط الجماهير، واتصالات مسؤوليه. بمعاونة لاعبي الفريق السابقين دينيس بيركامب وفيم يونك عمل كرويف على إعادة إحياء روح أياكس.

«لم أر من قبل حقيبة أموال تسجل أهداف» كانت هذه الجملة السابقة هي الاستراتيجية التي بنى عليها المدرب الدولى خطته لإعداد لاعبين شباب تتراوح أعمارهم بين 14 إلى 18، الذين أخضعهم لبرنامج تدريبي ونفسي مُكثف، والمزيد من التدريب الفردي المتخصص، الجانب الأكثر أهمية في تلك الخطة هو خلق حافز مُماثل لما عاشه في سنواته الأولى كمُتدرب في النادي الهولندي، والاستعانة بخبراء من ألعاب مختلفة مثل القفز بالزانة وكرة القدم الأمريكية والجودو لإعطاء لاعبي أياكس الشباب مجموعة من التخصصات المختلفة وتطويرهم كرياضيين.

من بين نجوم هذه الأكاديمية هو دوني فان دي بيك لاعب الوسط في الفريق الأول، الذي تطور أدائه بفضل ثروة كرويف؛ ليصبح أحد لاعبي خط الوسط في العالم. سريعًا، ظهرت ثورة كرويف على قطاع الناشئين؛ ليتشكل جيل جديد من لاعبي الفريق الأول من الأكاديمية، كما تمسك الأسطورة الهولندية، تتضح قدرته على تقديم الكرة الشاملة والتمرير السريع، ويعود بالنادي الهولندي إلى أمجاده من جديد.

«خالد بطريقة ما»

اكتسب كرويف طابعًا مميزًا يُضاف إلى ثورته الدائمة في طرق اللعب، وهو ملازمة السيجارة ليديه دومًا؛ فقد كان طوال 20 عاما كاملة، يُدخن في الاستراحة بين شوطي المباريات، ليصل معدل تدخينه إلى علبة يوميًا من 20 سيجارة .

كاد هذا المُعدل المرتفع أن يُنهي حياة الأسطورة الهولندية في عام 1991، حين كان مدربا لبرشلونة بعدما قرر الإقلاع عن التدخين، وذلك قبل إجرائه عملية في قلبه، وفيما بعد شارك في حملة دعائية ضد أضرار التدخين.

ظلت آثار التدخين تُطارده حتى توفي عام 2016 عن عمر يناهز 68 عامًا بعد معاناة مع مرض سرطان الرئة؛ غيبت وجوده كشخص، ولكن سيظل إرثه خالدًا وعظيمًا يأبي الاندثار، كما عبر في أيامه الأخيرة، وبمفردات تأبى الرحيل: «على الأرجح فأنا خالد بطريقة ما».

بين الصوم وكرة القدم.. هل يتفق العلم مع تغريدة «ميدو» المثيرة للجدل؟

المصادر

تحميل المزيد