خلافًا للانطباعات السائدة حول بوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا الجديد، الذي تُطارده عدسات المصورين باعتباره «النسخة البريطانية» من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشكل والمواقف، تبرز صورة أخرى لخريج «كُلية إيتون»، التي تخرج منها ما لا يقل عن 18 رئيسًا للوزراء في بريطانيا، وخريج «جامعة أكسفورد» أيضًا، تتناقض تمامًا مع ترامب.

تستند مُقاربة التماثل بين الرجلين على إثارة بوريس جونسون الكثير من المزاح المُستفز، والمواقف الساخرة دومًا خلال المُناسبات السياسية، علاوة على لون البشرة والشعر وطريقة تصفيفه، فضلًا عن خلفيته المُحافظة، وعلاقاته النسائية، التي كان آخرها صديقته كاري سيموندز، ذات الواحد والثلاثين عامًا، وهي جميعًا مواقف يشترك الاثنان فيها، غير أن الاختلافات الكبيرة بينهما تجعل من جونسون شخصية لا تمت بصلة لترامب.

ترسم الصورة الأخرى لبوريس جونسون وجهًا آخر، يظهر فيها شخصًا شديد الدهاء، قادرًا على المُناورة السياسية دومًا، متمتعًا بإرث من الانخراط في الأحزاب السياسية، وداعمًا للعديد من القضايا التي يقف ترامب مناهضًا لها، متجاوزًا المُتشابهات التي لا ترقي لتوصيف جونسون باعتباره نسخة من ترامب، كما ذكر الكثيرون.

بوريس جونسون الذي لا نعرفه.. سياسي مُحنكك «شديد الذكاء واسع الثقافة»!

«إنه رجل جيد، إنه قوي وذكي. يسمونه ترامب بريطانيا، وهذا شيء جيد. إنهم يحبونني هناك». *دونالد ترامب عن بوريس جونسون

تشي هذه التهنئة التي بعث بها ترامب إلى رئيس الوزراء البريطاني الجديد بصحة الانطباعات الرائجة حول جونسون، وأنه نسخة إنجليزية من ترامب، غير أن تتبع خلفية الرجل السياسية والتعليمية ينتهي بنا إلى مآل آخر تمامًا.

يساعد تتبع الأماكن التي شكلت خلفية بوريس جونسون التعليمية على رسم صورة عامة للرجل الذي اعتاد اللهو أمام الكاميرات، فانحدار الشاب الإنجليزي من أسرة ثرية أهله للالتحاق بـ«كلية إيتون» في مرحلته الدراسية الأولى (إحدى أكبر المدارس الخاصة البريطانية الراقية).

وبعد نهاية دراسته داخل إيتون انضم لـ«جامعة أكسفورد»، التي تدرب فيها على السياسة والحُكم؛ لتكبُر داخله طموحات الصعود السياسي في الحُكم، ويتفتق ذهنه عن أساليب جديدة في السياسة.

ويمكن القول إن هذه الخلفية التعليمية كان لها أثر كبير على جونسون؛ إذ حولته لشخص شديد الذكاء، أكثر إلمامًا بالمواقف، وذي قدرة كبيرة على النظر لكافة أبعاد القضية المنظورة أمامه، منتهيًا لموقف واضح ومُحدد فيها، وهو في ذلك مُتجاوز صورته الظاهرية التي تُظهره شخصًا عابثًا على الدوام، يلهو أمام الكاميرات.

يقول أحمد زكي، الصحافي في «بي بي سي»، على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «بوريس شديد الذكاء، وواسع الثقافة، وكان رئيس اتحاد الطلاب بجامعة أوكسفورد، لكن بيعرف يمثل، وهو نفسه في أحد الحوارات اتكلم عن ازاي دائمًا بيحاول يظهر قدام الناس وكأنه بيتلخبط، أو مش مركز علشان يجذب انتباه الجمهور ويضحكهم بنكاته».

ملمح آخر للتباين بين الرجلين يتمثل في موقف بوريس جونسون الحقيقي والراسخ داخله حول تأييده فكرة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، خلافًا لما يروج له، وهي الحيلة التي ابتكرها بهدف منافسة ديفيد كاميرون داخل حزب المحافظين، في حين كانت حساباته السياسية تميل لأن ينتهي استفتاء البركسيت لصالح البقاء، وليس الخروج، وفقًا لزكي.

وتتباين هذه الخلفية وانعكاساتها على شخصية الرجل مع ترامب، الذي كانت خبرته الوحيدة الانخراط في أنشطة تجارية منذ سنوات صغره، وخلفيته الدراسية المحدودة، والتي انعكست لاحقًا على شخصيته وتعاملاته مع قضايا الشرق الأوسط والأزمات الخلافية باعتباره سيد الكون الذي يقول ويقرر ويفعل ما يشاء، حتى لو وصل الأمر به للتغريد بأنه يستطيع عبر ضغطة بأصبعه على زرّ إطلاق صواريخ نووية في التسبب بفناء الأرض.

عامل آخر مهم يُشكل فارقًا أساسيًا بين الرجلين: يتمثل في الخلفية السياسية لكليهما؛ فصحيح أن ترامب منتم لـ«الحزب الجمهوري»، وجونسون لـ«حزب المحافظين»، وتتقاطع أفكار كلا الحزبين في عدد من القضايا، غير أن تنميط جونسون في صورة ترامب سياسيًا استنادًا على هذا العامل يعتريه خلل كبير.

فجونسون رجل مارس السياسة منذ سنواته الأولى، متنقلًا بين اللجان السياسية لحزب المحافظين، ومُجيدًا لفنون المُناورة دومًا، وبناء التحالفات الانتخابية، وهو ما انعكس في إدارته لمعركة سقوط تيرزا ماي، رئيسة الوزراء السابقة، حين قدم استقالته في يوليو (تموز) 2018 من منصبه وزير للخارجية، متحججًا بخطة ماي الهادفة لإبقاء علاقات اقتصادية وثيقة مع الاتحاد الأوروبي بعد تفعيل بريكسيت، ليصعد عبر تحالفات انتخابية، ويتولى منصب رئيس «حزب المحافظين» ببلاده، بعدما حصل على 92 ألف و153 صوتًا من أعضاء الحزب، بينما حصل منافسه وزير الخارجية آنذاك جيريمي هنت على 46 ألف و656 صوتًا.

ليتضح أن هذه الاستقالة كانت مناورة سياسية تهدف إلى الإطاحة بماي، وهي خطة جونسون التي نجح فيها عن طريق تحديده موعد استقالته، قبل خطاب هام لماي آنذاك أمام البرلمان. لينتهي الحال برئيسة الوزراء إلى حالة من «الضعف الشديد» على رأس حكومة غير قادرة على التوحد بشأن أكبر تحول في مجالي السياسة الخارجية والتجارة.

موقف آخر شاهد على تعمق الخلفية السياسية للرجل وقدرته على بناء حملات انتخابية؛ هو فوزه سابقًا برئاسة بلدية لندن أمام كين ليفينغستون، رغم تأخره بـ17 نقطة في استطلاعات الرأي.

كان انخراط جونسون في مسار الصعود السياسي الحقيقي مع فوزه بمجلس العموم عن دائرة «هنلي»، التي ظل نائبًا عنها حتى عام 2008، عندما عندما خاض انتخابات عمدة لندن وفاز بها أمام العمدة الذي ينتمي لـ«حزب العمال» كين ليفنجستون.

في حين أن الرئيس الأمريكي لم يكن عضوًا في «الحزب الجمهوري» بالمعني السياسي، أو منخرطًا في أدوار سياسية خلال سنواته السابقة؛ فقد كان رجلًا منخرطًا في عالم التجارة والأعمال، والتحق بـ«الحزب الجمهوري» من أجل الترشح فقط، دون أن يكون معنيًا بخططه السياسية.

هل سيتحول العالم إلى «جنة» لو رحل ترامب في 2020؟

ويظهر هذا في حملات الغضب من جانب الجمهوريين تجاه ترامب، بوصفه رجلًا يستخدم لغة «الستالينية» لمهاجمة الصحافة، وممارسة «انتهاكات يومية» لحق حرية التعبير الذي يكفله الدستور، معتبرًا الأمر «سابقة غير مُبررة»، فضلًا عن غضبهم الشديد من مواقفه السياسية تجاه قضايا الشرق الأوسط، وخلفية مستشارييه الذين تتبدل وجوهوهم يوميًا.

وبشأن تفضيل ترامب لنوعية مُحددة من مستشاريه، ذوي العرقيات المختلفة، تبرز حول هذه القضية خلافًا جديدًا مع جونسون، الذي مال في اختيارات حكومته إلى تمثيل أقليات عرقية في حكومته، مثل تعيينه لأول مرة مسلمًا ذا أصلٍ باكستاني، وزيرًا للخزانة، وهو المنصب الأهم في الحكومة بعد رئيس الوزراء.

يتفق ذلك مع ما ذكره النائب المحافظ دانييل كازينسكي، لصحيفة «الشرق الأوسط اللندنية»: «بخلاف لون شعرهما، لا أرى الكثير من أوجه التشابه بين الرجلين». وأضاف «أن ما يُثير الإعجاب بجونسون هو حنكته السياسية وقدرته على الفوز بحملات انتخابية صعبة».

وأوضح أن جونسون قادر على تغيير مزاج «حزب المحافظين» والبلاد بشكل عام، موضحًا أن هناك حماسًا ملموسًا لتسلمه مهام رئاسة الحكومة.

البرجوازي الذي يميل لأفكار اليسار في الاقتصاد ويدعم المُهاجرين

خلافًا لأفكار الترامب الداعمة للرأسمالية في بلاده، ومناهضته لحقوق المُهاجرين، أو حتى وجودهم في بلاده؛ إلى الحد التي جعلته يصف المهاجرين غير الشرعيين في بلاده بـ «الحيوانات»، تبرز صورة مُقابلة لجونسون، المنحدر من أسرة ثرية، لكنه يميل لأفكار اليسار في الاقتصاد، ويدعم حقوق المهاجرين داخل بلاده.

يتأكد هذا في إعلانه إلغاء قرار سابق لحكومة المحافظين حول تحديد حد أعلى للمهاجرين لا يجب تخطيه، مرجعًا ذلك لرأيه الذي يميل إلى أن عدد المهاجرين لا يتحدد وفقًا لقرارات أديولوجية، بل وفقًا لاحتياجات السوق.

قرار آخر ظهر فيه دعم بوريس جونسون للمُهاجرين في بلاده، بعدما أعلن تأييده منح عفو لنصف مليون مهاجر غير شرعي يعيشون في بريطانيا وتوفيق أوضاعهم، وهو الموقف السياسي الذي يتمسك به منذ عام 2016، عندما كان رئيسًا لبلدية لندن، وهو ما كرره بعد وصوله لمنصبه السياسي الجديد.

يرى بوريس جونسون هذا القرار من منظور مختلف للتعامل مع قضايا المُهاجرين، فهو يعتقد أن هذه الخطوة ستسمح للمقيمين في المملكة المتحدة منذ فترة طويلة بالعمل بشكل مشروع ودفع نصيبهم العادل من الضرائب.

وقد أكد على سعيه لصدور مثل هذا القرار خلال جلسة له في البرلمان البريطاني، قائلًا: «علينا أن ننظر إلى الأمر، والحقيقة هي أن القانون يسمح لهم بالفعل بالعفو الفعال، وهذا هو الأساس الذي استقررنا عليه الآن».

كما تخلى بوريس جونسون فعليًا عن التزامات تريزا ماي السابقة، وخططها طويلة الأمد حول خفض صافي الهجرة السنوية إلى أقل من 100 ألف، إذ أكد تبنيه خططًا لتطوير «نظام يعتمد على النقاط على الطراز الأسترالي» دون قيود على أعداد المهاجرين، وسيكون بموجبه تقييمًا قائمًا على مدى ملائمة المهاجرين المحتملين على أساس مهاراتهم ومؤهلاتهم وكفاءتهم في اللغة الإنجليزية من قبل المستشارين الحكوميين.

وفي الاقتصاد، يتبني جونسون سياسة قائمة على إنفاق مليارات الجنيهات على الخدمات العامة والبنية الأساسية وخفض الضرائب، ووعد كذلك بزيادة الإنفاق على التعليم، والنقل، والإنترنت فائق السرعة، والشرطة، وإنهاء تجميد الأجور في القطاع العام.

وتعهد أنه يعد ميزانية طوارئ تشمل تخفيضات ضريبية هائلة وأن يعمل على تحديث الرسوم العمومية والضريبة العقارية وإجراء تغيير جذري في اللوائح إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق؛ مما يجعله بعيدًا كل البعد عن أن يكون النسخة البريطانية من دونالد ترامب.

«ذا نيويوركر»: «مغفل معتل المزاج».. تعرف إلى شبيه ترامب الذي حكم ألمانيا قبل النازية

المصادر

تحميل المزيد