فور انتهاء الحرب العالمية الأولى عام ثمانية وأربعين من القرن الماضي، وما أحدثته من نكبات وأزمات في العديد من البلدان العربية، توالت العديد من قرارات جامعة الدول العربية، التي دعت إلى ضرورة تبني إستراتيجية واضحة للدفاع عن أي دولة يُعتدَى عليها.

حينها وقعت بعض من الدول “معاهدة الدفاع المشترك”، لفض المنازعات بين الدول الأعضاء بالطرق السلمية، والتي شملت جملة من البنود، بيد أن اللافت فيها، أنها لم تدخل حيز التنفيذ الفعلي إلا في مواطن قليلة جدًا.

لكن، مع تفاقم الصراع في العديد من الدول العربية، واتساع رقعة عمليات تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” مؤخرا، تعالت العديد من أصوات زعماء وحكام عرب بالعدوة إلى إنشاء قوة عربية مشتركة للتصدي لها.

آخر من دعا إلى ذلك، رئيس جامعة الدول العربية نبيل العربي، ومن قبله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، للتمكن من محاصرة ما سموه “الإرهاب” والتصدي له، ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي عمار الحكيم إلى عقد مؤتمر إسلامي إقليمي لمكافحة ذلك.

حتى تتضح الأمور أكثر، لا بد من تسليط الضوء على أبرز بنود المعاهدة، والدول المشاركة فيها، وما إذا كان تفعليها جرى في بعض القضايا العربية أصلا، إضافة إلى احتمال وسيناريوهات تفعليها لمواجهة “داعش”.

بعض من بنود معاهدة التعاون العربي المشترك

الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي

 

خمس مواد نصت عليها المعاهدة، وتمحورت معظمها حول توحيد خطط الدول المتعاقدة لمواجهة أي “إرهاب” يجري عليها، واتخاذ التدابير الدفاعية لذلك، بيد أن الكثير من نصوص هذه المعاهدة لم ترها الشعوب العربية واقعا ملموسا في العديد من قضاياها الأخيرة المتعثرة حتى الآن.

المادة الأولى:

تتضمن لجنة عسكرية مهمتها إعداد الخطط العسكرية لمواجهة جميع الأخطار المتوقعة أو أي اعتداء مسلح يمكن أن يقع على دولة أو أكثر من الدول المتعاقدة أو على قواتها وتستند في إعداد هذه الخطط على الأسس التي يقررها مجلس الدفاع المشترك، وغيرها.

المادة الثانية:

يجوز للجنة العسكرية الدائمة تشكيل لجان فرعية دائمة أو مؤقتة من بين أعضائها لبحث أي موضوع من الموضوعات الداخلة في نطاق اختصاصاتها، ولها أن تستعين بالأخصائيين في أي موضوع من هذه الموضوعات ترى ضرورة الاستعانة بخبراتهم أو برأيهم فيه.

المادة الثالثة:

ترفع اللجنة العسكرية الدائمة تقارير مفصلة عن نتيجة بحوثها وأعمالها إلى مجلس الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة السادسة من هذه المعاهدة كما ترفع إليه تقارير سنوية ما أنجزته خلال العام من هذه البحوث والأعمال.

المادة الرابعة:

تكون القاهرة مقرا للجنة العسكرية الدائمة، وللجنة مع ذلك أن تعقد اجتماعاتها في أي مكان آخر تعينه، وتنتخب اللجنة رئيسها من بين أعضائها لمدة عامين ويمكن تجديد انتخابه ويشترط في الرئيس أن يكون على الأصل من الضباط القادة العظام. ومن المتفق عليه أن يكون جميع أعضاء هذه اللجنة من ذوي الجنسية الأصلية لإحدى الدول المتعاقدة.

 

المادة الخامسة:

تكون القيادة العامة لجميع القوات العاملة في الميدان من حق الدولة التي تكون قواتها المشتركة في العمليات أكثر إعدادا وعدة من كل من قوات الدول الأخرى، إلا إذا تم اختيار القائد العام على وجه آخر بإجماع آراء حكومات الدول المتعاقدة.

الدول المشاركة في الاتفاقية

لا بد من الإشارة إلى أن مجلس الدفاع المشترك يتألف من وزراء الخارجية والدفاع الوطني للدول المتعاقدة أو من ينوبون عنهم، وما يقرره المجلس بأكثرية ثلثي الدول يكون ملزما لجميع الدول المتعاقدة.

وبالتالي، الدول المشاركة في الاتفاقية هي سوريا والعراق ومصر ولبنان والسعودية واليمن والأردن.

تاريخ من الإخفاقات

الدبابات الإسرائيلية خلال اجتياحها لبنان عام 1982م

 

أولا: العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م

حيث واجهت المعاهدة أول اختبار حقيقي لها عند وقوع العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر 1956 ليس فقط من خلال تواطؤ إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا، بل وتواطؤ إحدى الحكومات العربية ضد مصر، وتحديدا حينما حرضت حكومة العراق بريطانيا على العدوان ضد مصر وسمحت باستخدام قاذفات القنابل البريطانية لضرب الأهداف المصرية.

ثانيا: الأزمة الكويتية العراقية عام 1961

بعد إعلان إلغاء اتفاقية الحماية المبرمة بين الكويت وبريطانيا وذلك فى يونيو 1961، وإعلان الكويت دولة مستقلة، أثار نظام عبد الكريم قاسم في العراق مشكلة كبيرة مع الكويت حين طالب بضمها إلى العراق.

لم يكتف قاسم بذلك، بل قام بحشد قواته على الحدود الكويتية وسارعت الجامعة العربية إلى مواجهة الأزمة فأصدر مجلسها قرارًا بتشكيل أول قوة سلام عربية مشتركة لتحل محل القوات البريطانية عند انسحابها من الكويت.

وسجل حينها الحدث أول نجاح للجامعة العربية منذ قيام حرب فلسطين عام 1948 في مواجهة مشكلة عربية وتشكيل قوة عسكرية مشتركة تحت قيادة موحدة لإنجاز عمل قومي محدد، يخدم القضايا العربية.

ثالثا: ثورة اليمن عام 1962

سنة 1961 سقطت الوحدة الغربية المصرية السورية بفعل التدخل الخارجي والتواطؤ العربي، وبعد عام اشتعلت ثورة اليمن عام 1962 بهدف الإطاحة بنظام الإمام، وبالتالي لم تتحرك الجامعة العربية لتقديم أي دعم أو معونة للثورة تعينها على الخروج بالبلاد.

رابعا: أزمة تحويل مياه نهر الأردن عام 1963م

استغلت إسرائيل التدهور المتصاعد في العلاقات العربية العربية وانشغال الأمة العربية بمشاكلها وعملت بكل جهد في تحويل مياه نهر الأردن وأعلنت في نهاية عام 1963 انتهاءها من استكمال المرحلة الأولى من مشروع المياه القومي الإسرائيلي.

وإزاء هذا الخطر على الأمن القومي العربي رأت مصر أنه لابد من القيام بعمل عربي مشترك في مواجهة هذا التهديد؛ فدعت إلى عقد أول مؤتمر عربي لمواجهة مشروعات إسرائيل بتحويل مياه نهر الأردن.

خامسا: حرب أكتوبر عام 1973م

تم تفعيل الاتفاقية خلال حرب 1973، حيث كانت متعددة الأشكال، منها المشاركة بالمعدات الفنية، أو القوات المقاتلة أو بالأموال، وملائمة في الوقت نفسه لطبيعة الحرب.

سادسا: الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية عام 1982م

على الرغم من أن لبنان واحدة من دول الأعضاء في المعاهدة، إلا أنها لم تستفد منها في الاجتياح الإسرائيلي لها، وتحريك القوات العربية نحوها، لكن الولايات المتحدة الأمريكية قد أرسلت بالكثير من الإشارات لسوريا بموافقتها على التدخل السوري في الأراضي اللبنانية، وهو ما تحقق بالفعل.

سابعا: العدوان العراقي على الكويت عام 1990

فشلت الجامعة العربية في وقف العدوان، فيما نجحت الأمم المتحدة في إصدار القرارات الضرورية والمتنوعة لردع العدوان بشكل متدرج بدأ بالحصار الاقتصادي وانتهى باستخدام القوة لإزالة آثاره.

ليس هذا فحسب، فالاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة بحق الفلسطينيين منذ عقود عدة، والحروب التي طحنت بهم، لم تر أي رادع عربي لإسرائيل حتى الآن، على الرغم من تفاقمها في السنوات القليلة الماضية.

إلى جانب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وما نتج عنه من انشقاقات جمة داخل الطوائف العراقية، والصراع الدائر في سوريا واليمن وليبيا، وارتفاع وتيرته في الوقت الحالي، كل ذلك يعطي مؤشرا أن ثمة عجزًا في القرارات العربية نحو هذه الأزمات.

المعاهدة واحتمالات مواجهة “داعش”

الأقباط المصريون الذين أعدمتهم “داعش” فبراير الماضي

منتصف الشهر الماضي، وتحديدا حينما أعدمت “داعش” 21 قبطيا مصريا ذبحًا، كرد على ذلك قام الطيران المصري بتوجيه ضربة جوية مركزة ضد معسكرات ومناطق تدريب ومخازن وذخائر التنظيم في الأراضي الليبية.

وقتها وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعوة إلى المجتمع الدولي للمساعدة في توجيه ضربة لليبيا، إلا أنها لم تلقَ آذانا مصغية، فقام بتقديم مبادرة أخرى قوامها تشكيل “قوة عربية مشتركة “لمواجهة الإرهاب”.

وسبقه في ذلك الملك الأردني عبد الله الثاني، بعد حرق التنظيم أيضا للطيار الأردني معاذ الكساسبة أوائل الشهر الماضي، فيما جدد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي قبل أيام قليلة ذات الدعوة.

ثمة من يرى أن هذه الدعوات تضفي مزيدا من الشكوك حول مدى استعداد الدول العربية للقبول بتشكيل “قوة عربية مشتركة”، إذ لا يمكن الحديث عن جدوى المطالبات العربية دون استعادة تاريخ التعاون العسكري العربي.

وبالرغم من وجود اتفاقية الدفاع العربي المشترك، إلا أن محطات التعاون العسكري العربي كانت محدودة جدا في تاريخ المنطقة، وربما كان أبرزها مشاركة قوات عربية لمصر وسوريا في حرب تشرين الأول العام 1973، وتدخل قوات الأمن “الردع” العربية في لبنان في سبعينات القرن الماضي.

ومن وجهة نظر مراقبين فإن المعاهدة لم تجدْ آليات تفعيل حقيقية، حيث بقي التعاون العسكري العربي مرتبطا بمواقف طارئة وليس توجها عاما، حتى أن التعاون والارتباط بين بعض الدول العربية ودول أخرى غربية وشرقية وإقليمية كانا يفوقان التعاون العربي.

إضافة إلى أن الدول العربية المدعوة إلى المشاركة في هذه القوة العسكرية مشاركة بالفعل – أو معظمها – في التحالف الدولي ضد الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي تعتبر مصر نفسها طرفا فيه، وإن كان بالدعم اللوجيستي والمعلوماتي فحسب، من دون المشاركة في العمليات القتالية.

ويرى مدير مركز الدراسات الإستراتيجية المستقبلية اللواء عادل سليمان، أن الظروف اليوم تختلف، حيث كان التعاون العسكري العربي خيارا ملائما بالأمس، ومع ذلك لم يحدث، اليوم أصبح التعاون العسكري أصعب.

وبيَّنَ سليمان نقلا عن “السفير” أنه لا توجد دولة عربية واحدة لها قوة عسكرية ذاتية، لذا فموافقة الدول الكبرى المتحالفة مع الدول العربية ستكون شرطا ضروريا لبناء قوة عسكرية عربية مشتركة.

وأضاف: “أن جوهر الفكرة مفقود أصلا، إذ لا يوجد ما يربط بين 22 دولة عربية للقيام بعمل عسكري مشترك”، وقد يكون “الإرهاب” خطرا مشتركا فعلا، ولكن تعريفه وتحديده ينطويان على خلافات، إذ لكل دولة عربية تعريف له يختلف عن الأخرى.

وبناء على ذلك، اتسم رد الفعل العربي على “داعش” بالبطء وقدر من الالتباس، وعدم توافر الأدوات والآليات التي يحتاج إليها الموقف، ومن الملاحظ عقد عدد لا بأس به من الاجتماعات العربية، وصدور العديد من البيانات والدعوات لتشكيل “قوة مشتركة” للمواجهة.

والذي يمكن فعله، حول احتمالات مواجهة التنظيم، أنه لم تتبلور حتى اللحظة ملامح إستراتيجية عربية واضحة للتصدي لـ” داعش”، وبدا أن كل دولة تتحرك بشكل فردي، أو كرد فعل لتحرك القوى الإقليمية والدولية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد